إلى حدود الساعة الخامسة مساء من يوم الجمعة 1 نونبر 2002، كانت الحصيلة المعلن عنها رسميا فيما يتعلق بحريق سجن سيدي موسى بالجديدة في 49 حالة وفاة و90 مصابا، أزيد من 40 منهم في حالات خطيرة.

وإن كانت هذه الحصيلة دون الحقيقة حسب شهود عيان، فإنها مرشحة للارتفاع.

هكذ تزهق الأرواح بالجملة في بلدنا، فسجن عكاشة بالدار البيضاء عرف حريقين، الأول سنة 1997 أسفر عن مصرع 28 شخصا، والثاني سنة 2000 خلف عددا من الإصابات الخطيرة، كما شهد سجن سوق أربعاء الغرب في شهر غشت الماضي حريقا لقي فيه أربعة سجناء مصرعهم وأصيب أربعة عشر منهم إصابات شديدة. وبالأمس القريب اختنق شباب في مقتبل العمر داخل شاحنة في محاولة للهجرة السرية، وكل أسبوع يغرق آخرون في أعماق البحار على الحدود مع إسبانيا.

ما الذي يحدث؟ أهي حرب قذرة تستعمل فيها المتفجرات، والغازات السامة، والغواصات !؟ أم أن الضحايا مترفون نهموا من لذات الدنيا وشهواتها حتى ملوا، فما وجدوا أمامهم إلا النار والبحر ليستريحوا ويريحوا.. !؟

ما الذي ينقصنا في أرض المغرب حتى نفر إلى ناره وبحره !؟ ماذا نعيب على هوائه، حتى نمنع أنفسنا من استنشاقه، فنموت حرقا أو غرقا أو اختناقا !؟

فتلفازنا يتحدث كل يوم عن التنمية الاقتصادية والتغطية الاجتماعية والأنشطة الثقافية…

وأخبارنا تلتقط كل يوم أحاديث عن الحكومة والبرلمان والأحزاب والمجتمع المدني والانتخابات…

ما الذي يحدث؟

إنه الظلم بمختلف أصنافه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإنه الاستخفاف بهذا الشعب المقهور المحقور.

شباب هضم حقه في التعليم والشغل، فارتمى في أحضان الجريمة بكل ألوانها، لينتهي مصيره إلى الموت اختناقا أو احتراقا في سجن من سجون بلاده !

أسر ضحت بمأواها وكسائها وأكلها وشربها ليواصل واحد من أبنائها تعليمه، وحين يحوز الشهادة يجد المتعلم أبواب العمل موصدة في وجهه، فتقترض الأسرة مزيدا من الديون، وتبيع ما بقي من أثاث، ثمنا ليركب ابنها قاربا من قوارب الموت، أو يختنق في شاحنة.

تجد لهذه الصور أو ما يقاربها عشرات الأمثلة في أحياء المهمشين المفقرين المجهلين من أبناء المغاربة…

أما في الضفة الأخرى، حيث عشر المغاربة أو أقل، فإنك تجد صفقات الاختلاس والنهب، منها ما يظهر لذر الرماد في العيون، ومنها ما يظل في طي الكتمان إلى أجل غير مسمى.

قد يكون من محاولات الاستخفاف بنا فيما يتعلق بـ”محرقة سيدي موسى” تشكيل لجنة، على العادة المغربية، لتنظر في القضية، وبعد مدة يصدر تقرير -إن كتب له الصدور- ليجلي الحقيقة، ويكشف الغطاء، ليعلم الرأي العام أن سبب “المحرقة” تماس كهربائي، أو سجارة سجين !

كلا إن الأسباب ستظل أكبر من ذلك رغم كل محاولات التعتيم.

أول هذه الأسباب ذلك الظلم السياسي والقضائي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسبب في الزج بالعديد من أبناء المغاربة داخل الزنازن.

ثانيها مخالفة أبسط مقتضيات حقوق الإنسان فيما يتعلق بالسجون، فذلك العدد الهائل من الضحايا يؤكد أن السجن كان يضم ما يفوق طاقته الاستيعابية بكثير -أعلنوا رسميا أنه يفوق طاقته بـ300 سجين، ونظن أن الحقيقة أكبر من ذلك، وهي حالة نلحظها في مختلف معتقلات المغرب. ونذكر هنا أن عدد نزلاء السجون، حسب الإحصاءات التي قدمتها مديرية السجون، تضاعف خلال العشر سنوات الأخيرة منتقلا من 31230 سنة 1991 إلى 57308 سنة 2001 موزعة على 46 سجنا تفتقد لأدنى شروط السلامة الصحية والأخلاقية، يكفي أن الغرفة التي اندلع منها الحريق بسجن الجديدة كانت تأوي 17 سجينا. كل هذا يؤكد مسؤولية الدولة فيما شب من حرائق داخل السجون.

في الأخير نناشد المسؤولين عن هذا الحادث وغيره:

إذا لم تستطيعوا، بفعل النهب والاختلاس المتوالي، بناء مصانع لتشغيل أبناء المغاربة فشيدوا على الأقل سجونا فسيحة لاعتقالهم، حتى لا تتكرر مأساة الاحتراق والاختناق.