عرفت الآونة الأخيرة مجموعة أحداث متلاحقة جعلت مقولة العهد الجديد تطفو على السطح، ليقع من جديد مساءلتها حول دلالاتها؟ ومميزاتها؟ وخصائصها؟.

لقد تم تعيين وزير أول من خارج الأحزاب، وتم توقيف مندوبين عن جريدة “LE JOURNAL” وهم يقومون بمهمة صحفية خارج المغرب، وعرفت البلاد مجموعة من الاختطافات وسط ما اصطلحوا على تسميتهم بالسلفية الجهادية، وأقيمت محاكمات صورية لبعض أعضاء جماعة العدل والإحسان بسيدي حجاج بتهمة حيازة أسلحة، وعرف الحرم الجامعي اعتداءات على الطلبة في الدار البيضاء. فماذا يحدث؟ هل هي انتكاسة العهد الجديد؟ أم أن رجالاته يراجعون بعض أوراقهم؟ أم ماذا؟.

لم يفتأ العديد من السياسيين والباحثين يبشرون بحلول عهد جديد منذ تربع محمد السادس على العرش، ولم يزل العديد منهم يلوحون بدخول البلاد مرحلة “الانتقال الديمقراطي” منذ تنصيب السيد عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أولا سنة 1998، ولذلك فهم لا يدعون مناسبة تمر دون التبشير بحسنات هذا العهد وإنجازاته وإيجابياته، بل إنهم أشد حرصا على عدم تفويت الحديث حتى عن بعض الجزئيات، ولذلك فهم يضخمونها ويصنعون منها عناوين كبيرة تحتل الصفحات الأولى في الجرائد، وصدارة الأخبار في الإذاعة والتلفزة وأحاديث الناس في المنتديات الخاصة والعامة.

لكن هؤلاء سرعان ما يغيبون عن الوجود، أو يتواروا إلى الظل كلما تعلق الأمر بمستجد أو واقعة لا تخدم أهدافهم، ولا يظهروا بعد ذلك إل وهم يحملون تأويلات وتفسيرات لهذه الوقائع.

كيف يمكن أن نتغاضى عن مجموعة من الانتهاكات لحقوق الإنسان التي تعود إلى الأزمان الغابرة (اختطافات، محاكمات بتهم ملفقة، قمع تظاهرات…)، وكيف يمكن غض الطرف عن عشرات الجرائد التي طالها التوقيف أو المصادرة، وكيف يمكن نسيان عشرات التنظيمات التي لم تستفد بعد من حقها القانوني في الوجود، وكيف نتجاوز عن لوبيات الفساد التي ما تزال تجثم على أنفاسنا وتتحكم في مصيرنا دون أدنى استشارة معنا أو احترام لمشاعرنا، وكيف نفسر التلاعب بنتائج الانتخابات وتفصيلها على المقاس، وكيف، وكيف …

بل كيف لهؤلاء ينسون كل هذه المصائب ولا يرون في العهد الجديد إلا وقوف الملك عند إشارة الضوء الأحمر وتقبيل المعاق وتوزيع وجبة أكل، وما إلى ذلك؟.

لقد تعددت الخروقات منذ بداية الحديث عن عهد جديد، وحدتها تشتد يوما بعد آخر، وعددها يتزايد لحظة بعد أخرى، ومجالاتها تتنوع باستمرار، بل إن خاصية الخروقات في هذا العهد الجديد هي أنها:

1. لم تقتصر على طرف دون آخر، بل شملت كل الأطراف، وإن بنسب متفاوتة، فهذا محروم من حقه في التعبير، وذاك من حقه في التنظيم، والآخر من حقه في الشغل، ورابع من حقه في التظاهر، وآخر من حقه في التجول، والقائمة طويلة.

2. لم تقتصر على مجال دون آخر، بل شملت الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية..

3. لم تقتصر على شريحة دون أخرى، فالطلبة في الجامعات يعانون من قمع متواصل، والمعطلون في اعتصاماتهم يئنون، والصحافيون في أبسط حقوقهم مهضومون، والعمال يسرحون،…

4. لم تقتصر على فترة دون أخرى، بل إن هذه الخروقات غطت كل مرحلة من هذا الحيز الزمني للعهد الجديد، والفرق الوحيد الذي يمكن أن نلمسه هو أنها بدأت في الآونة الأخيرة تتسع دائرتها، ويتزايد عددها، وتشتد حدتها، وهذا ما يجعلنا جميعا نتحدث عن انتكاسة العهد الجديد، وتراجع شعاراته، وانكشاف حقيقته لنقف على أن لا جديد في العهد الجديد، وأنه ليس سوى نسخة منقحة ومزيدة للعهد القديم الذي وصف بأقبح الأوصاف، ونعت بأقبح النعوت.

فكيف نفسر اختطاف مواطنين لأزيد من شهر ليفرج عنهم بعد ذلك بدون محاكمة؟.

وكيف نفسر استمرار إيقاف الجرائد، ومصادرة حرية الصحافيين وما وقع لجريدة “LE JOURNAL” في الأسبوع الفارط خير مثال، وكيف نفسر ضرب نتائج الانتخابات عرض الحائط وتعيين وزير أول من خارج التشكيلات الحزبية الموجودة؟

وكيف نفسر سلسلة المحاكمات التي طالت خلال هذه الفترة مجموعة من المتظاهرين المحتجين بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان على الأوضاع المتردية لحقوق الإنسان ببلادنا؟

وكيف نفسر الإبقاء على عشرات المعتقلين السياسيين في السجون؟

وكيف نفسر الإبقاء على تلك البروتوكولات الرسمية الغارقة في القدم؟

وكيف نفسر حرص العهد الجديد لحد الآن على العمل برجالات العهد القديم وأغلبهم متورطون في سقطاته، وكذا بقوانين العهد القديم وهي المصنوعة على المقاس والموضوعة لخدمة أهدافه التسلطية.

شخصيا لا أجد أي تفسير لذلك، سوى أن دار لقمان لا تزال على حالها، وأن لا جديد في هذا العهد الجديد لحد الساعة، بل إن توالي الأيام يكشف أننا بصدد العودة إلى السابق. وهذا ما علينا جميعا الانتباه له، والعمل سويا على تجنيب البلاد ويلاته.

“واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة” صدق الله العظيم.