أثبتت التجارب، مع توالي الأيام، أن الدولة المخزنية عندنا تعرف “رعاياها” بالخارج ما داموا بقرة حلوبا تُدر عليها رصيدا مهما من العملة الصعبة، يسعفها في تقوية الموارد، وإصلاح خلل الموازنة العامة، والتخفف من أعباء الديون وثقل تكاليف الواردات. وبعد هذا، لا يهم الدولة المخزنية أن تعرف كيف استقر بهؤلاء المغاربة المقام في ديار الغربة والهجرة؟ وكيف يكسبون رزقهم؟ وبم يشتغلون؟ وهل حقوقهم مضمونة، وحرماتهم مرعية، وكرامتهم مصونة؟ وكيف هي معنوياتهم، وما هي انشغالاتهم؟…إلى آخر ما يجب على الدولة التي ترعى بالفعل مصالح رعاياها بالخارج.

الدولة عندنا تعرف المغاربة بالخارج ما داموا “خاضعين”، “مستسلمين”، “وديعين”، مهتمين بالكلية بخويصة أنفسهم، تاركين ما لا يعنيهم، يسيرون ملتصقين بالحيطان لا يفارقونها، إذا صُفعوا على الخد الأيمن سارعوا إلى تقديم الخد الأيسر، وإذا دِيست كرامتهم سكتوا ولم يكونوا منفعلين، وإذا مُسّوا في دينهم تسامحوا ولم يكونوا متشدّدين، وإذا انتهكت أعراضهم تجاوزوا ولم يكونوا متزمّتين، وإذا سُلبت حقوقهم صبروا ولم يكونوا مشاغبين، وإذا استُعبدوا سَلِسوا ولم يكونوا ثائرين ولا جامحين.

باختصار شديد، الدولة عندنا تعرف رعاياها بالخارج ما داموا يضمنون لها سيولة راتبة صافية من العملة الصعبة ليس وراءها مشاكل “سياسية” أو “أمنية”. فهذا الصنف من “الرعايا الأوفياء” مرحبا بهم في بلادهم في عطلة الصيف من كل سنة، برعاية سامية.

أمّا من يُشتَمّ أن وراءه مشاكل لها علاقة بقضية سياسية أو أمنية، كقضية “الإرهاب”، مثلا، فإن الدولة تنساه وتنفض يدها منه، بل تنكره كأنه ليس من رعاياها الذين لهم حقوق عليها.

فمن قدّر عليه، من المغاربة بالخارج، أن تُلصق به تهمةٌ من قبيل تهمة “الإرهاب”، كالشاب المغربي (منير المتصدق) الذي بدأت محاكمته في ألمانيا يوم الثلاثاء 22 أكتوبر 2002، بتهمة المشاركة في الإعداد لعمليات 11 شتنبر بأمريكا، وقبله (زكرياء الموساوي) المغربي الذي يحمل الجنسية الفرنسية، والذي يحاكم بالولايات المتحدة بنفس التهمة، والمغاربة الذين سمعنا عن وجودهم في معتقل “غوانتانامو”، الذي تحتجز فيه أمريكا “القوية” بضع مئات من المسلمين، خارج أي إطار قانوني أو شرعية دولية، بتهمة الانتماء إلى تنظيم القاعدة، فإن الإدارة المغربية في الداخل الخارج تحرص أشد الحرص أن تظهر بمظهر الأصم الذي لا يسمع شيئا، وكأن هؤلاء المتهمين الذين تنقل جميع وسائل الإعلام في العالم أنهم مغاربة ليسوا كذلك، وبالتالي فالدولة لا يعنيها من أمرهم شيء.

ومعلوم أن تهمة “الإرهاب”، حسب المفهوم الغربي/الإمريكي، قد اكتسبت صفة العالمية وأصبح لها رواج كبير بعد أحداث 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى بات من السهل إلصاقها بأي كان، وخاصة بالأجانب من ذوي الأصول العربية الإسلامية، بعد التعديلات القانونية التي أقرتها العديد من الدول الغربية في شأن موضوع ما يسمونه “مكافحة الإرهاب”.

لنفترضْ- وإن كانت المحاكمات ما تزال في أطوارها الأولى، والقاعدةُ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته- أن هؤلاء المغاربة المتهمين هم، بالفعل، متورطون في شيء مما نُسب إليهم، فهل هذا يُعفي الدولة مما على عاتقها من مسؤولية تجاه رعاياها المهاجرين؟ هل هذا يُسقط عنها ما عليها من واجبات إزاء هؤلاء المغاربة، كأن تسأل عن أحوالهم، وتيسّر لقاءهم بذويهم وأقربائهم ومحاميهم، وتعمل من أجل أن تضمن لهم حق المحاكمة العادلة، وتجتهد، بما لديها من وسائل ومعارف وعلاقات ديبلوماسية وغيرها، لكي تحصل لهم على حكم البراءة، وخاصة إذا كان المتهمون ينكرون أن تكون لهم أية علاقة بالتهمة الرئيسة الموجهة إليهم، وكانت القرائن وأدلة الإثبات لا تُدينهم من قريب ولا من بعيد، كما يظهر من المعلومات المنشورة عن محاكمتي منير المتصدق وزكرياء الموساوي؟

أين حق ّالرعيةّّ” على الراعي؟ أين حفظ حقوق الرعايا مهما كانت ظروفهم، ومهما كانت اختياراتهم السياسية والفكرية؟ أليس من مهام هيئاتنا الديبلوماسية في الخارج أن ترعى حقوق المغاربة ومصالحهم؟ أليس من مهامها الدفاع عنهم والوقوفُ بجانبهم ومواساتهم والتخفيف من معاناتهم، على الأقل، إن كانوا يوجدون في ظروف صعبة؟

فيمَ تُبذرُ الميزانية الضخمة التي تُرصد لسفاراتنا وقنصلياتنا بالخارج؟ في حفلات الاستقبال الباذخة؟ في دفع أجور “المدّاحين” والكذابين المحترفين؟ في كسب نقط وهمية لفائدة هيبة صورية لدولة جبرية؟ في رشوة طمّاعين من أهل السياسة والإعلام؟

أين مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة القاطنين بالخارج؟

أين مؤسسة محمد الخامس للتضامن؟

أين المصالح الاجتماعية والإعلامية في سفاراتنا بالخارج؟

أين إعلامنا بمختلف أنواعه وقنواته؟

المغاربة، في الداخل والخارج، يعرفون أن هذه المؤسسات وغيرها من أجهزة الدولة المخزنية لا تظهر إلا في ظروف ومناسبات تكون الغاية منها أساسا فرضَ مزيد من الذل والخضوع على المغاربة، وترسيخ طقوس الطاعة والتقديس للدولة المخزنية ورموزها، وإلا فماذا يعرف مسؤولونا عن المغاربة المنسيين في سجون إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وغيرها من الدول؟ ولا يهم ههنا معرفة التهم التي أدت بهم إلى السجن.

وهل تُفيد البرامج- مثال برنامج “بلادي” في القناة الرسمية الأولى-التي يبثها إعلامنا المخزني الرسمي حول المغاربة في الخارج شيئا غيرَ التعمية على حقيقة حياة هؤلاء المغاربة ومعاناتهم وتقلباتهم في مختلف أنواع الذل والهوان؟

متى كان المخزن بجانبهم من أجل عزتهم وكرامتهم ومقدسات دينهم؟ هل نسينا المعركةَ السياسية والقانونية والفكرية التي اندلعت في فرنسا، سنة1989، بسبب منع فتاتين مغربيتين من ارتداء الحجاب في المدرسة؟ هل نسينا الأخبارَ التي تحدثت عن الضغوط الذي مارسها المخزن على والد التلميذتين من أجل الانصياع والتنازل عن حق ابنتيه الشرعي؟ هل نسينا موقف الملك الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، الذي عبر عنه صراحة في حواره مع الصحافة الفرنسية، والمعركة يومئذ على أشدها في فرنسا، حينما أفتى، بلا تردد، بأنه ليس في القرآن نص على وجوب الحجاب، وبالتالي فالحجاب ليس فرضا على المرأة المسلمة؟

ماذا فعلت الدولة المخزنية من أجل أولئك الذي أرغمتهم الحاجة على المغامرة ومواجهة المجهول والإلقاء بالنفس في غمار البؤس والضيق والتهلكة وأغلال المهانة والاستعباد؟

لا شيء. أما قضية البستاني المغربي عمر الرداد وأمثالها، فإن الدولة لم تظهر فيها على المسرح إلا لجني الثمرة التي سهر على إنضاجها فضلاء متطوعون مهمومون بإقرار حقوق المظلومين.

ماذا فعل مسؤولونا المخزنيون من أجل إنقاذ أعراضنا من براثن شبكات الدعارة الدولية والعربية؟

لا شيء، بل إنهم يشجعون هذه الشبكات ويقرّونها على منكراتها، بصورة غير مباشرة، حينما يغذونها بتقديم الرعاية الخالصة لمباريات ما يسمونه “ملكة الجمال”، حيث تعرض الفتيات المغربيات في سوق النخاسة الحديثة خطوةً أولى في طريق ملؤه المكر، والإغراء، والمتاجرة في الأعراض، والشهوة الحرام. ألم يبلغ إلى علم هؤلاء المسؤولين ما تضمنته كثير من الاستطلاعات والتقارير الصحفية التي نُشرت حول الاستغلال الجنسي الفظيع الذي تُمرّغ في حمأته الفتيات المغربيات في الخارج؟

ألم يبلغهم ما اكتشفته الصحفية مرية مكريم، من أسبوعية “الأيام” عن معاناة 1500 مغربية في أوساط عالم الدعارة المقنّعة في الأردن(نُشر هذا التحقيق في العدد48-غشت2002)؟

ألم يقرأوا شهادة الصحفي نور الدين مفتاح رئيس تحرير جريدة “الأيام”، في افتتاحية العدد 55(10- 16 أكتوبر2002) حينما أكد ما سجلته الصحفية مرية مكريم في تحقيقها المشار إليه، بعد أن عاش ليلة أليمة متنقلا بين ثلاثة من علب الليل في قلب العاصمة الأردنية عمان؟

ألم يقرأوا ما كتبه نود الدين مفتاح في آخر هذه الافتتاحية وهو يتقطع مما أصابه في صميم وطنيته وكرامته؛ قال هذا الصحفي الذي ما تزال فيه بقية من حب الوطن والغيرة على سمعته وقيمه: “هناك بلدان فقيرة كثيرة، ولكنها لم تعط بناتها لنار الفساد. وأنا أعتقد اليوم أن كل واحد له القدرة على وضع حد لهذا الهوان الأعظم، سواء من خلال موقعه أو منصبه أو سلطته، ولم يقم بشيء، فإنه، وبكل صراحة، مشارك بل وسيط، ولنقلها بالعامية الفصحى: إنه قوّاد.

“صحيح أن الفقر كاد أن يكون كفرا، ولكن أن تتحول صورة بلد بكامله إلى ماخور، فهذا فوق أن يحتمل.” ويختم شهادته الحارقة الفاضحة بقوله: “سألني النادل: الأخ من وين؟ قلت له: من البحرين!” انتهى كلامه.

متى سيرشد المغاربة فيكون أمرهم بأيديهم، حتى يتمكنوا من صنع سياستهم الخارجية حسب ما تفرضه مصالحهم الحقيقية، ومراقبةِ مؤسساتهم الديبلوماسية وتقويم أعمالها ومحاسبة القائمين عليها بناء على الأهداف والغايات التي وُجدت من أجلها؟

متى سيشعر المغاربة بالخارج شعورا حقيقيا لا غبش فيه أن وجود مؤسسات البعثات الديبلوماسية إنما هو من أجل حفظ حقوقهم وصيانة كرامتهم والدفاع عن مصالح وطنهم وعزة أمتهم؟

عسى أن يكون ذلك قريبا. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين