رغم أن البنية الاستعمارية، خاصة الفرنسية لم تعمر طويلا داخل المغرب إلا أنها استطاعت أن تدخل عدة مؤسسات عصرية سواء لتكوين النخب كمدارس وثانويات أبناء الأعيان، أو لعصرنة النظام السياسي من إدارة محلية ومركزية أو مجالس حكومية وتمثيلية. وقد أدت هذه السياسة إلى تبلور نخب سياسية عصرية استطاعت استكمال تكوينها سواء بالمعاهد أو الكليات الشرقية أو الفرنسية، حيث حلت محل النخب الاستعمارية بعد جلاء سلطات الحماية.

لقد كان من المفروض أن تقوم هذه النخب المغربية بالتأثير على البنية المخزنية وتعمل على عصرنتها وتحديثها. لكن يبدو أن العكس هو الذي حدث، بحيث لوحظ منذ أكثر من أربعة عقود كيف تمت مخزنة أكثر الفعاليات والنخب السياسية عصرنة وكيف تم إخضاعها للمنطق المخزني بكل مظاهره ومكوناته ومراسيمه.

وقد ظهر ذلك جليا منذ استطاع النظام المخزني أن يستقطب عدة فعاليات ونخب سياسية تنتمي إلى أحزاب كانت تعد من الأحزاب الراديكالية، وأكثرها معارضة للنظام المخزني وأن يدمجها في محيطه التقليدي. فالكل يتذكر كيف كان تم فرض الجلباب الرسمي على مختلف النواب المنتمين للمعارضة الاتحادية أثناء الجلسات الافتتاحية التي كان يدشنها العاهل المغربي الراحل، وذلك منذ انطلاق المسلسل الديمقراطي سنة 1977.

كما تابع الرأي العام الوطني عبر شاشة التلفزة كيف تكيف جل الوزراء الاتحاديين في حكومة اليوسفي مع المراسيم المخزنية من تقبيل للأيدي الشريفة، وحضور المناسبات الرسمية باللباس الوطني، والاصطفاف في صف المدعوين والمهنئين طبقا للنظام المراسيمي المخزني.

بالإضافة إلى ذلك فمن الصعب جدا تناسي الكلمات التي اختتم بها الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تصريحه الحكومي الثاني الذي ألقاه أمام مجلس النواب في يناير 2000، حيث جاء فيه مايلي:

اسمحوا لي قبل اختتام خطابي هذا أن أستحضر أمامكم بكل تأثر العهد الذي أعطيته لجلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، عندما أولاني ثقته السامية وقبلت تشكيل حكومة التناوب، لقد كان عهدا على كتاب الله تعالى، إذ المصحف الكريم كان موضوعا على الطاولة بجانب جلالته وأشار رحمة الله عليه قائلا: “هذا المصحف بيننا” .

أجل إن هذا العهد الذي يطوق عنقي هو أعظم ميثاق والتزام متبادل جمع بيني وبين جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى، ولا يزال يلزمني في عملي تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله..”

من هنا يمكن التساؤل عن القنوات والتقنيات التي تمكن البنية المخزنية من مخزنة النخب السياسية وتطويعها لخدمتها وتكريس استمراريتها.

مكونات المخزنة

يتميز النظام السياسي المغربي بأنه نظام تمركزي يحتل فيه الملك دور الصدارة باعتباره النواة السياسية الصلبة فيه. فهو حسب الطوزي “سلطان” أب لعائلة كبيرة يمتد عمليا ليشمل كل سكان المشور ومختلف القصور، وعبيد قدامى، وخدام، ومخازنية.. أي بإجمال كل أولئك الذين يتحركون في المجال الفيزيقي الذي يتحرك فيه الملك..”

ويتحدد هذا المجال الفيزيقي بشكل رئيسي في دار المخزن التي يمكن اعتبارها بمثابة النواة الصلبة في النظام السياسي المغربي. فهي التي تفرز نظم الحكم، وقيمه وثقافته ورجالاته ومراسيمه. إذ داخلها يتكون الأمراء والملوك ويربون وفق التقاليد المخزنية وفيها تستقبل النخب وتزكى سياسيا. وبين جنباتها يتم تهييء أهم القرارات السياسية، ومن خلالها يتم الإعلان عن القرارات المصيرية للبلاد. إذ في قاعة العرش تنقل جل الخطب الملكية خاصة الرسمية منها. وفي مسجدها تقام الصلوات الرسمية كصلاة عيدي الفطر والأضحى، كما تعقد الدروس الدينية.

ورغم أن اسم دار المخزن يمكن أن يطلق على كل القصور الملكية والمرافق التابعة لها المتناثرة في كل أنحاء المملكة وفي جل المدن المغربية، إلا أن قصر الرباط يعتبر بمثابة دار المخزن المركزية، ليس فقط لتواجده بالعاصمة الإدارية للمملكة، بل أيضا لرمزيته السياسية من جهة وأيضا لقدمه وارتباطه بالتحول العميق الذي تزامن مع إقحام المملكة المغربية في سيرورة المعاصرة مع التغلغل الاستعماري وانتقال مجال السلطة المركزية من فاس ومراكش إلى الرباط التي أصبحت مجال السلطة العصرية بإدارتها ومرافقها الجديدة.

ويمكن أن تعتبر دار المخزن بالرباط بمثابة مدينة مستقلة تضم كل المرافق والتجهيزت التي ينبغي أن تتوفر في كل مدينة من:

– مجال يضم مساحة كبيرة من الدور والأبنية محاطة بسور بأبواب على شاكلة المدن العتيقة المغربية.

– ساكنة تتمثل في أفراد العائلة الملكية وكل من يرتبطون بهم إلى جانب سكان تواركة بجماعتهم وتنظيمهم الإداري المستقل.

– مرافق إدرية تضم الديوان الملكي بمختلف مصالحه، ومديرية التشريفات والأوسمة، ومختلف الأجهزة الأمنية التابعة للقصر، بالإضافة إلى مرافق الوزارة الأولى، والأركان العامة للجيش التي توجد داخل سور المدينة.

– مرافق اجتماعية تتمثل في وجود مرافق صحية وترفيهية ورياضية كمربض لركوب الخيل، ومسبحين، وكولف، وملاعب للتنس، ومرافق تعليمية متمثلة خاصة في المدرسة المولوية.

– مرافق أخرى تتمثل في وجود مجموعة من المحلات التجارية كمحل لجزارة، ومخبزة، ومحلات للبقالة وغيرها.

وما يميز هذه الدار ليس فقط استقلالها الإداري، أو تميزها المعماري، أو نوعية الشريحة التي تستقر بها، بل ما تتميز به من بنية علائقية تنتشر وتتفرع من خلال عدة قنوات تتمثل خاصة من خلال القناة التعليمية والقناة العلائقية، والقناة التنظيمية.

القناة التعليمية

من المعروف أن كل نظام سياسي يحاول دائما إعادة إنتاج طبقته ونخبه حتى يضمن استمراريته، وتعتبر القناة التعليمية من أهم القنوات التي تقوم بهذه الوظيفة.

من هنا عمل النظام المخزني على إنشاء مجموعة من المؤسسات التعليمية من بينها المدرسة المولوية التي تعتبر المؤسسة الأساسية لتخريج الطبقة المخزنية وإعادة إنتاجها. فالمعهد المولوي لتربية الأمراء بمن فيهم ولي العهد والنخبة التي تشكل النواة الصلبة للنظام المخزني سواء للقيام بمهام تسيير إداري واقتصادي. وقد تحدث الأستاذ عبد الهادي بوطالب من خلال سيرته السياسية(نصف قرن في السياسية) عن نظام المعهد كما يلي:” كان المعهد المولوي جزءا من القصر: والمعهد عبارة عن مدرسة فيها قسم ابتدائي كان يدرس فيه الأمير مولاي عبد الله الإبن الأصغر للسلطان، وقسم ثانوي يدرس فيه الأمير ولي العهد مولاي الحسن، وكانا يقيمان في المعهد ويخضعان لنظام داخلي رفقة 20 تلميذ منتقين من مدارس المغرب، من بين أكثر التلاميذ نجابة، وأقواهم دراية وكفاءة وينتمون إلى عامة الشعب وفيهم من كان آباءهم يتبوؤون مناصب عليا في مدينة من المدن..”

إن هذا النظام الذي ماهو إلا تطوير وعصرنة لنظام تربوي سابق يرمي بالأساس إلى تكوين النخبة السياسية التي ستحيط بولي العهد عندما سيتولى الحكم وبالتالي فإنه يتم الحرص على تكوينها ليس فقط على المستوى المعرفي بل أيضا على زرع وشائج التلاحم بينها وتوطيد وترسيخ علاقات الولاء والوفاء والمتمحورة بالأساس حول شخص ولي العهد الذي سيصبح ملكا بعد وفاة والده.

ونظرا لهذه الصلات والوشائج فغالبا ما تتقلد هذه النخبة عدة مناصب حساسة داخل هرم الدولة، وقد كتب الأستاذ عبد الهادي بو طالب مايلي :” … التحق بالمعهد المولوي في آخرمرحلة دراسة الأمير الثانوية، رفيقا لولي العهد التلميذ أحمد عصمان الذي جاء من وجدة شرق المغرب، وكان من بين تلاميذي السنة الأخيرة التي تنتهي فيها الدراسة الثانوية بالمعهد. وهو اليوم زعيم الحزب التجمع الوطني للأحرار، وتولى منصبي الوزير الأول ورئيس البرلمان.. وعبد الحفيظ القادري الذي كان من صميم الشعب وعمل في عدة وظائف سامية في عهد الملك الحسن الثاني”.

كما شهدت فترة تولي الملك الجديد الحكم، تقلد مجموعة من رفقاءه في الدراسة لعدة مناصب سياسية هامة سواء بالديوان الملكي، أو في بعض الوزارات الحساسة كوزارة الداخلية.

وبالإضافة إلى تكوين نخبة سياسية مولوية، فإن هذا النظام التعليمي المخزني يسمح أيضا بانتقاء مجموعة من الفعاليات التعليمية سواء كانت مستقلة أو متحزبة والعمل على مخزنتها. فأساتذة المعهد المولوي الذين ينتقون بعناية فائقة لتدريس ولي العهد وزملائه غالبا ما تسند لها وظائف سياسية من طرف هذا الأخير بعد توليه الحكم، فعلال الفاسي أسندت له وزارة الأوقاف، والمهدي بنبركة كان رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري، وعبد الهادي بو طالب تقلب في عدة مناصب سياسية ودبلوماسية في عهد الملك الراحل، ونفس الأمر يمكن أن ينطبق على كل من المالكي وولعلو الذين تقلدا مناصب وزارية ليس فقط بسبب انتمائهما الحزبي بل أيضا لتدريسهما داخل المعهد المولوي.

القناة العلائقية

حرص النظام المخزني منذ بدايته على خلق شبكة علائقية مع محيطه السياسي والاجتماعي من خلال ربط علاقات مصاهرة مع مجموعة من المكونات التي تزيد من تقوية ركيزته الاجتماعية. فقد جرت العادة على إشراف العاهل المغربي على عقد زيجات كل الأفراد التابعين لدار المخزن وضرورة موافقته عليها.

كما يتم غالبا الإشراف أيضا على عقد زيجات بين بعض أفراد الأسرة الملكية مع بعض أفراد عائلات ذات منحدرات اجتماعية واقتصادية مختلفة. الشيء الذي يؤدي إلى خلق شبكة علائقية يوسع من خلالها النظام المخزني امتدادته الاجتماعية والثقافية وكذا السياسية. ولعل هذا ما يلاحظ من خلال الترتيب البروتوكولي الذي يحظى به أصهار العاهل المغربي خلال الاستقبالات الملكية وأثناء المناسبات الدينية والوطنية.

كما تشكل المآدب المخزنية وسيلة أخرى لربط النخب السياسية ومخزنتها. فمن خلال هذه المآدب التي تقام بمناسبة بعض الأعياد الوطنية خاصة عيد العرش وعيد الشباب ترسل دعوات لمجموعة من الشخصيات السياسية سواء كانت برلمانية أو حكومية أو عسكرية أو حزبية لتحظى بشرف حضور هذه المآدب التي تتميز بتنوع مأكولاتها ومشروباتها والتي يتفنن المطبخ المخزني في إعدادها وتقديمها للضيوف الشيء الذي يؤدي إلى تقوية العلاقة التي تربط بين المخزن ونخبه التي تحس من جهة بمكانتها السياسية والحظوة التي تتمتع بها مقارنة بباقي مكونات النخبة السياسية الأخرى.

وإحساسها بأنها أصبحت تنتمي إلى الصفوة المخزنية من خلال هذه الالتفاتة الملكية والحضور ضمن مدعوي جلالة الملك داخل إحدى المجالات الخاصة التابعة لدار المخزن.

وفي هذا الإطار أشار الطوزي إلى أنه باعتبار “دار المخزن مجالا مقتصرا على القصور الملكية ومرفقاتها.. فإن الانتماء إليها هو فضيلة مميزة في إطار التنافس السياسي، بحيث توحي بعلاقة مع فضاءات المركز السياسي”.

القناة التنظيمية

لاستقطاب النخب السياسية ومخزنتها، حرص النظام المخزني باستمرار على خلق مؤسسات ومجالس وإسنادها لفعاليات معينة. إذ بالرغم من تعدد الأجهزة الحكومية والإدارية الرسمية التابعة لمختلف البنيات الوزارية (وزارة أولى، وزارات تقنية، إدارات ومكاتب عمومية وشبه عمومية..) أو تلك التابعة للقصر (الدواوين الملكية، البلاط الملكي..)، فكثير ما يتم اللجوء إلى خلق مجموعة من المجالس الاستشارية الملكية(كالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ومجلس الشباب والمستقبل، ومجلس الحوار الاجتماعي..) التي وإن كانت تفرضها ظرفية سياسية معينة لمعالجة مشكل معين، فإنها تشكل أيضا إطارا لتعيين مجموعة من الفعاليات السياسية وحصولها على تعويضات مقابل ترأسها أو مشاركتها في هذه المجالس. الشيء الذي يضمن تبعيتها وانخراطها ضمن الدواليب المخزنية والعمل على تدجينها وإخضاعها للمنطق المخزني وقواعده.

كما تشكل أيضا اللجان الملكية التي تحدث لدراسة مشكل اقتصادي أو اجتماعي أو شرعي إطارا آخر لمخزنة العديد من الفعاليات والأطر التي تنتمي إلى مكونات النخبة السياسية وإدماجها ضمن المنظومة المخزنية من خلال التعويضات المغرية والاستقبالات الملكية لها والإحساس بالتميز السياسي الذي يتولد لديها من جراء كل ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، تشكل المؤسسات الاجتماعية التي يتم خلقها وإخضاع نشاطها للإشراف الملكي (كمؤسسة محمد الخامس أو مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لرجال التعليم وغيرها) أو تلك المؤسسات الثقافية أو الحقوقية (كالمعهد الملكي للأمازيغية أو ديوان المظالم..) إطارا آخر لهذا الاستقطاب المخزني لشرائح معينة من النخبة السياسية التي قد تكون مازالت لم تندمج بالكامل ضمن المنظومة المخزنية.

تقنيات المخزنة

لتكريس مخزنة شرائح النخب السياسية المغربية عادة ما يتم اللجوء إلى عدة تقنيات تتمثل بالأساس في تقنية انتخابية، وحكومية وبروتوكولية.

التقنية الانتخابية

بخلاف الأنظمة الديمقراطية التي تعتمد على الانتخابات لفرز نخب سياسية مستقلة استخدمت العمليات الانتخابية بالمغرب لخلق وتكريس نخب سياسية مدجنة وفاقدة لأي استقلالية. فجوهر العملية الانتخابية منذ تطبيقها من طرف النظام المخزني قام على عدم الاستناد إلى أي مرجعية شعبية من خلال رفض انتخاب أي جمعية تأسيسية وافتقاد أي رهان تنافسي.

ونتيجة لذلك شكلت الانتخابات في المغرب منذ أزيد من ثلاثة عقود، تقنية لاستقطاب النخب السياسية وتدجينها، إذ كلما قبلت شرائح منها بقواعد اللعبة المخزنية إلا وتم السماح لها بالمشاركة والفوز ببعض المقاعد النيابية. وهكذا دخلت شخصيات من المعارضة الرادكالية قبة البرلمان بعدما خضعت لكل ما تقتضيه قواعد اللعبة البرلمانية المخزنية والتي تجرى عادة وفق طقوس مخزنية تكرس علاقة التبعية بدل علاقة الاستقلالية والمتمثلة خاصة في ارتداء الزي المخزني، والافتتاح النيابي الذي يتم في يوم الجمعة، والاستماع لتوجيهات أمير المؤمنين بوصفه الممثل الأسمى للأمة..”

بالإضافة إلى أن حصول هذه الشخصيات على أجور مغرية كل شهر مع ما يرافق ذلك من تعويضات مادية أخرى، والآفاق السياسية التي يفتحها العمل النيابي تزيد من تقليص وإضعاف كل روح استقلالية لدى هذه النخب وتقضي على كل ما تبقى لها من نزوع لمقاومة التدجين المخزني.

التقنية الحكومية

بخلاف المؤسسات والأجهزة الحكومية في البلدان الديمقراطية التي تشكل إطارا مستقلا عن الحكم القائم بحيث تجد انفصالا بنيويا بين قصر رئيس الدولة (الإلزيه مثلا في فرنسا) وقصر رئيس الحكومة (ما تينيون)، هناك شبه انعدام للمؤسسة الحكومية بالنظام المخزني بالمغرب.

ويتضح ذلك بالخصوص من خلال اعتبار الحكومة دستوريا حكومة جلالة الملك، أن اختصاصاتها لا تخرج عن الخيارات الاقتصادية المحددة من طرف الحكم المخزني. كما أنه ليس هناك إلا وزيرا أول وليس رئيسا للحكومة الذي يتم تعيينه من طرف الملك. كما أن أهم القرارات السياسية والاقتصادية، خاصة الاستراتيجية منها، تتخذ داخل مجلس الوزراء الذي يترأسه الملك. في حين أن هناك مجالات ملكية خاصة داخل الحكومة الداخلية والخارجية والأوقاف وغيرها من القطاعات. كما أن الحكومة، وعلى رأسها الوزير الأول، لا تتحكم في الإدارة ما دام أن موظفيها السامين يعينون أساسا من طرف الملك.

ونتيجة لهذه الوضعية، تتحول الأجهزة الحكومية إلى أجهزة للتنفيذ التقني كإعداد المشاريع، وصياغة الاتفاقيات والقوانين وتهيئ الملفات ومتابعتها. بينما تشكل المناصب الوزارية بإغراءاتها المادية (أجور خيالية وتعويضات مختلفة) والمعنوية (كالشهرة السياسية، وسحر السلطة والمنصب..) وسيلة لاستقطاب النخب السياسية وتدجينها وإعادة نشئتها وفق العادات والأعراف المخزنية. إذ يتعود الوزير أن يتكلم “كخديم للأعتاب الشريفة” والوقوف والجلوس حسب مراسيم الاستقبالات المخزنية حتى يفقد شيئا فشيئا كل استقلالية أو نزوع شخصي ومتميز ويسهل بالتالي إدماجه ومخزنته.

التقنية البروتكولية

رغم أن الحماية بالمغرب قد أدخلت بعض عناصر التعامل البروتوكولي العصري خاصة ما يتعلق بإحداث نظام الأوسمة أو عصرنة طرق الاستقبالات الرسمية، فقد بقي البروتوكول المخزني محافظا على جوهره ومراسيمه. ويرجع هذا بالأساس إلى السياسة التقليدانية التي انتهجتها سلطات الحماية، وأيضا لأن جوهر السلطات في المغرب لم يتغير بعد. لذا شكل البروتوكول المخزني بعاداته وأعرافه ومراسيمه انعكاسا وتكريسا لجوهر السلطة وطبيعتها التي مازالت تستند بالأساس إلى الشرعية الدينية  التاريخية وتحتكر مصادر الحكم بشكل شبه مطلق.

ووفق هذا المقتضى، وكما أشار إلى ذلك الطوزي، تشكل دار المخزن المجال المركزي الذي يؤسس لثقافة السلطة. فمن هذا المجال ترسل وتبعث نظم الطاعة والحكم، وتحدد المراسيم وآداب البروتوكول التي تفرض على باقي المؤسسات الأخرى كالمخزن، والبرلمان، والأحزاب السياسية..”

ومن خلال هذه المؤسسات تفرض بالطبع على النخب السياسية هذه المراسيم المخزنية. إذ بعدما يتم استقطابها لهذه المؤسسات يفرض عليها بالطبع الالتزام والانضباط لمختلف المراسيم المخزنية، خاصة خلال المناسبات الدينية والوطنية، حيث تقوم هذه النخبة بأداء فروض الطاعة والولاء طبقا للأعراف والمراسيم المخزنية من انحناء وتقبيل وغيره من المراسيم.

وكل هذه المراسيم التي تركز بالأساس على كيفية تطويع وترويض اعضاء الجسد على كل مظاهر الطاعة والخضوع والخدمة تؤدي في نهاية المطاف إلى تكريس مخزنة النخبة وإدماجها وفقا للثقافة المخزنية بمرجعياتها الدينية  الفقهية  لتاريخية، وممارساتها الفردية  الاحتكارية ومظاهرها المراسيمية  البروتوكولية.

ومن خلال كل هذا يتضح أن المسيرة السياسية التي قطعتها النخبة السياسية طيلة أزيد من أربعة عقود لعصرنة وتحديث النظام المخزني، كانت في الحقيقة مسيرة مرتدة لإعادة مخزنتها وتدجينها. إذ أن القنوات والتقنيات التي استخدمها النظام المخزني أدت في آخر المطاف إلى تركيع هذه النخبة وترويضها لخدمة الإرادة السياسيةلدار المخزن بكل خياراتها الاقتصادية وحمولاتها الفكرية ومظاهرها المراسيمية.

أما تلك النخب السياسية التي مازالت ترفض كل شروط ومظاهر هذه الخدمة (كالبيعة، وتقبيل اليد.. وغيرها من المظاهر) فقد عمل المخزن بشكل ممنهج على إقصائها والعمل على الحد من نشاطها بمختلف الوسائل.