يتأكد يوما بعد يوم أن واقع الإدارة المغربية لا يبعث على الارتياح، ويزداد اليقين لدى الخاص والعام بأن أوضاعها لا تؤهل البلاد لخوض غمار التحديات المستقبلية، وترتفع لحظة بعد أخرى أصوات المطالبين بإصلاحها، وتنتشر يوما بعد آخر فضائحها سواء فيما يتعلق بالاختلاس أوالتبذيرأو طغيان الامتيازات أو ما شابه هذا وذاك، حتى أن الرأي العام ألف ذلك ولم تعد تصدمه تلك المبالغ الضخمة المختلسة، أو تلك الامتيازات الخيالية التي ينعم فيها المحظوظون، أو تلك العلاقات الخفية التي تسير هذه الإدارات لأنهم، ببساطة، يدركون أن ما خفي أعظم. كل هذه الفضائح التي تطفو على السطح ليست سوى فرقعات صغيرة ممهدة لقنبلة موقوتة قد يأتي انفجارها على الأخضر واليابس لا قدر الله، وهي ليست سوى قطرة صغيرة في بحر من الفساد يعيث فيه هؤلاء المحظوظون فسادا.

نذكر بهذا الكلام بعد الحديث التي تداولته وسائل الإعلام مؤخرا عن فضائح مالية في مؤسسة البنك الشعبي، وقد سبق للجميع أن تتبع فصولا تشويقية في مسلسل الفضائح داخل مؤسسات لا تقل عنها أهمية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض العقاري والسياحي، والقرض الفلاحي، وكوماناف والقائمة يعرف الجميع بدايتها، ولا أحد يعرف النهاية؛ كما نذكر بهذا الكلام بعد البرود الذي تقابل به مثل هذه الفضائح حيث، في الغالب، تشكل لجان لتقصي الحقائق يستغرق عملها عشرات الأشهر، ويدخل تقريرها دائرة النسيان دون تحريك مسطرة المتابعة القضائية، ودون استخلاص المبالغ المختلسة، وكأن هذه المبالغ لا تساوي شيئا مع أن عملية طرح بسيطة يجمع فيها مجموع المبالغ التي تتداولها وسائل الإعلام فقط يكشف عن طامة كبرى وزلزال عميق، إذ تكفي هذه الأرقام وحدها لحل مشاكل المغرب الذي يتخبط سكانه في دوامة الفقر والبطالة والعراء والعطش، وغير ذلك من الأمراض المعيقة لأي تقدم أو تطور.

فلماذا إذن تتكرر هذه المآسي؟ ولماذا لم يوضع حد لها؟ ولماذا لم تستنفر السلطة كل وسائلها، وهي التي عودتنا على استعدادها لتفكيك كل ًً”ما من شأنه” تهديد النظام العام ؟ أليست هذه الجرائم المالية من أخطر الجرائم؟

لماذا تتدخل الدولة للتغطية عن هذه الخروقات، كأن تضخ سيولة مالية لسد عجز بعض المؤسسات دون أن تحرك مسطرة المتابعة في حق من قادوا هذه المؤسسات إلى الإفلاس؟

لماذا لم تسارع الدولة لحد الآن إلى إعادة النظر في القوانين المنظمة لهذه المؤسسات؟

تتوالى الأسئلة وتتنوع من مواطن لآخر، وليس هناك جوابا واحدا يشفي الغليل، أو مجيبا يبدد الحيرة، ليستنتج الجميع أن الفساد عام وأن المفسدون كثر، وأن الجميع يشكلون شبكة يقود بعضها إلى بعض، ومن شأن متابعة أحدهم جر الجميع إلى المتابعة، و لذلك يستحسن التكتم والتسويف وامتصاص الغضب بإيهام الرأي العام بأن كشف هذه الاختلاسات في حد ذاته معجزة وعمل جبار، وحتى من تبث تورطه واستحال التكتم عليه، فإنه يقدم لمحاكمة تستغرق سنين حتى ينسى الجميع قضيته فيصدر في حقه حكم مخفف تقل مدته عن ذلك المواطن الفقير الذي لم يجد قوت يومه فسرق ليسد رمقه، وليت الأمر يقف عند هذا الحد ، إذ أن هذا المحظوظ سرعان ما يستفيد من عفو، أو حتى في حالة سجنه فإنه ينعم بامتيازات، أما الأموال المختلسة فلا حديث عنها.

إن هناك مداخل أساسية لا بد من طرقها إن عزمت السلطة تبيان إرادتها في الإصلاح، ويمكن اختزالها في :

1- إعادة النظر في التشريعات المنظمة، وهذه مسألة غاية في الأهمية، ويجب أن تحظى بالأولوية في برامج الإصلاح لأن الممارسة أثبتت أن سببا أساسيا في ضعف الأداء يكمن في المجال التشريعي حيث المساطر معقدة وغامضة، والقوانين متقادمة، والنصوص المنظمة للرقابة المالية غير فعالة، وعمليات تدقيق الحسابات مناسباتية، والهياكل التي أوكلت لها مهام التنفيذ عتيقة وتنخرها البيروقراطية وتسوس فيها أمراض التضخم.

لكن لا بد من التأكيد على أمر هام، وهو أن التشريع لا ينبغي أن يسند لبرلمان مكون من أناس لا هم لهم إلا إبقاء الوضع على ما هو عليه، بل إن من هؤلاء الأعيان من ينفقون من أجل هذا الكرسي مئات الملايين حتى يحافظوا على امتيازاتهم ويصدون كل قانون يبتغي إصلاح الأوضاع. لهذا فإننا نتحدث عن إسناد التشريع في هذه الأمور لبرلمان منبثق عن إرادة الشعب.

2- إعادة النظر في المعايير المعتمدة لاختيار المسؤولين، حيث تطغى عليها اعتبارات الولاء والمحسوبية والمحزوبية عوض الكفاءة والأمانة، والله تعالى قال “إن خير من استأجرت القوي الأمين” .

3- إصلاح القضاء ومنحه الاستقلالية اللازمة والصلاحيات الكفيلة بجعله يتصدى لكل مظاهر الفساد ولكل أنواع المفسدين.

بدون هذه المداخل، ستبقى أخبار الفساد وفضائح المفسدين تتوالى أمامنا ولا قدرة لنا على وضع حد لها، وبذلك فلن تساهم إثارتها إلا في تطبيع المواطنين معها، أو إشعارهم بها في أحسن الأحوال، وهذا ليس بالجديد، لأن الجميع يعلم بذلك، ويدرك أن” ما خفي كان أعظم”