ليست الانتخابات والبرلمان والحكومة إلا وسائل يرجى منها حفظ المواطن في حقوقه الأساسية، وصون كرامته. هذا في البلدان الديمقراطية، حيث تكون للمواطنة حقوق مضمونة من أمن وصحة ومعاش ومشاركة في شؤون الحكم، أما في غيرها فسحقا للمواطن والمواطنة.

فأحيانا تجري الانتخابات وهما، ويجتمع البرلمان شكلا، وتتشكل الحكومة صوريا، وتتأجج الخصومات، وينقسم الناس إلى مؤيد ومعارض، وتفتعل المعارك، ويتعالى الضجيج، وينساق الإعلام بكل منابره أو جلها للحديث عن سيناريوهات واحتمالات وتحالفات…

وفي الضفة الأخرى، حيث واقع البؤس المرير، تزداد معاناة المعطلين والفقراء والأميين والمضطهدين..

إن ما تعرض له بعض المواطنين بتهمة الانتساب لتيار “السلفية الجهادية” من اختطاف وتعذيب في واضحة النهار-يبدو أن شفافية العهد الجديد شملت كل شيء حتى الاختطاف، حيث أصبح زوار الفجر زوارا بالظهيرة – خلال فترة الانتخابات كان يتطلب استنكارا جماعيا، وهذا أضعف الإيمان، لأن الأمر يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان.

ألا يقر “الديمقراطيون” بأن قضية حقوق الإنسان لا تعرف تمييزا بسبب الجنس أو اللون أو الانتماء السياسي أو الديني؟ ألا يعترفون بأن معركة حقوق الإنسان أم المعارك؟ ألم تتضمن برامج مختلف المشاركين في الانتخابات الأخيرة مسألة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ إذا كان الجواب بلى، فلماذا هذا الصمت المطبق؟

عقدت جل الأحزاب، إن لم نقل كلها عشرات الاجتماعات خلال هذه الفترة، وقرأنا بلاغات إما للجنة الوطنية أو المكتب السياسي أو اللجنة المركزية أو المجلس الوطني… وتحدث الجميع عن الشعب وخدمة الشعب ولم يتحدث أحد عن أناس من الشعب، انتهك حقهم الإنساني ببشاعة !.

ربما لم يسمح بذلك اللهث وراء المقاعد والمناصب، وربما كان التغاضي خوفا من أن يتضمن تقرير لمخابرات (CIA) أن الحزب الفلاني تضامن مع الإرهابيين.

لكن من المعلوم عند الديمقراطيين حقا أن التضامن في قضية حقوق الإنسان لا يعني التطابق الفكري، ولا العقدي، ومعلوم أيضا أن الاختلاف مهما بلغت حدته لا يبرر السكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان.

هب أن المخالفين مجرمون يستحقون العقوبة، أليس من صميم حقوق الإنسان المتابعة القانونية، والمحاكمة العادلة، والتعامل الإنساني مع أخطر المجرمين.

إن هذا التوافق المخزي على الصمت في قضية تهم كل المغاربة، قضية حقوق الإنسان وكرامة الإنسان من شأنه أن يؤكد، لمن يحتاج إلى تأكيد، أن الانتخابات والبرلمان والحكومة القصد منها في بلدنا -وللأسف الشديد- البحث عن الشرعية الذاتية، والمصالح الشخصية والحزبية؛ أما أمن المواطنين وسكينتهم وصحتهم ومعاشهم فسحقا، سحقا ثم محقا !.

إن التعامل المتطرف مع بعض حالات التطرف -مع أنه ليس هناك ما يثبت أن كل من اختطفوا متطرفين- من شأنه أن يزيد البلاد غلوا وتطرفا، ولا سبيل لتجاوز داء التطرف القاتل إلا بفسح المجال للدعاة الذين يحملون المشروع التربوي النبوي لتربية الشباب على الرفق والرحمة.