أحاول دائما أن أحمل نفسي على الاحتفاظ بهامش واسع من التقدير والاحترام لأصحاب الفكر والرأي من الأساتذة الباحثين والمحللين الأكاديميين والكتاب المحترفين. لكن حينما تتحول حرية الرأي ودعوى “التحليل الأكاديمي” إلى غطاء لإخفاء الجهل، وإلى مبررٍ للإعراب عن العداوة الدفينة وبث الكذب والتجريح بغير حق، فإن ذلك الهامش من التقدير والاحترام يتحول تلقائيا إلى مشاعر من الأسف العميق والغضب الفائر للكلمة المسؤولة يُحوِّلها جهل الجاهلين وانحرافات المبطلين المغرضين وإسفاف المرتزقة الكذّابين إلى سلاح ظالم لبث الإرهاب وسلب الحقوق وإشاعة الزور والبهتان.

كتاب صحفيّون وغير صحفيين احترفوا في بعض المنابر- يا حسرة على المنبر- صناعةَ السباب وتلفيق الأباطيل الساخرة والتجريحات المستهزئة في حق خصومهم السياسيين ومخالفيهم في الفكر والرأي والاختيار، وخاصة من أصحاب الاختيار الإسلامي.

ما هذه الصناعة الرخيصة النافقُ سوقُها في هذه الأيام؟

ما هذه الصناعة الانحطاطية التي زاد رصيدها من بين أساليب التضليل ووسائل الدعاية والتشويه، وخاصة بعد أن أصبح للحركة الإسلامية ذكر وشأن في الساحة السياسية المحلية والعالمية؟

ما هذا الانحطاط يا أصحاب الفكر، ويا حماة حرية الرأي وتعدد الاختيارات؟

ما الذي يحمل بعض الناس على مهاجمة “العدل والإحسان” بمناسبة وبغير مناسبة؟

وإذا كان لا بد من الهجوم، فلماذا الافتراء وتشويه الحقائق والنزول إلى حضيض الاتهامات الرخيصة بغير حجة ولا برهان؟

وإذا كان لا بد من الكذب- والعياذ بالله- فلماذا تسمية الأشخاص ونهش الأعراض؟

جرّني إلى هذا الكلام، وأنا مكره، ما قرأته في الاستجواب الذي أجرته أسبوعية “الصحيفة”(عدد83، 17-23 أكتوبر) مع الأستاذ عبد اللطيف أكنوش من أحكام ظالمة في حق العدل والإحسان، وكأنها، عند صاحبها، من المسلّمات التي لا نقاش فيها. وتأسفت كثيرا، لأنني من الذين يتابعون بعناية خاصة ما يقوله الأستاذ أكنوش وأمثاله ممن يوصفون بالأكاديمية والاستقلالية في الرأي.

من حق هؤلاء الأساتذة أن يكون لهم رأي، ومن حقهم أن يقدّروا ويتوقعوا ويحللوا كيفما يحلو لهم، ومن حقهم أن يستنتجوا و يرجّحوا ويحكموا. هذا شيء، وإطلاق الاتهامات بلا تحقق ولا تثبت، وإصدار الأحكام بلا قرائن ولا أدلة، وترديد الإشاعات واعتمادها بلا مراجعة ولا تمحيص، شيء آخر.

قال الأستاذ أكنوش في بعض كلامه في الاستجواب المذكور، وهو يتحدث عن التوقعات المتعلقة بتكوين الحكومة بعد تعيين إدريس جطو وزيرا أول: “…إن السلطة السياسية في البلاد ستفرض أناسا بعينهم من داخل الأحزابِ[يقصد لشغل مناصب وزارية]…لأن البلاد مهددة الآن بالسكتة القلبية، وأعداد المقاعد التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية ، والعدل والإحسان ليس مباشرة بالنسبة لهذا الأخير [هناك ركاكة في التعبير، ولعل ذلك من طبيعة الاستجوابات الشفوية المباشرة]، تشير إلى منحى معين، والكل يعرف ذلك في البلاد…” انتهى كلامه.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذ إقحام اسم العدل والإحسان، بل والحكم بأنها حصلت على مقاعد في البرلمان مع حزب العدالة والتنمية وإن كان ذلك بطريق غير مباشر؟ ما الدليل على ذلك أيها الباحث الأكاديمي؟ ليس هناك من دليل على هذه الدعوى إلا الأكاذيب التي يروجها أعداء الحركة الإسلامية عموما وأعداء العدل والإحسان بصفة خاصة، كإدريس الأشكر الذي صرّح في برنامج “الاتجاه المعاكس”، الذي بثته قناة “الجزيرة” يوم الثلاثاء فاتح أكتوبر، بأن أعضاء العدل والإحسان قد شوهدوا- هكذا بكل صفاقة- في الدار البيضاء، وهم يعبئون الناس لفائدة مرشحي العدالة والتنمية أثناء الحملة الانتخابية.

هذا كذب صريح كان ينبغي على من يحترم نفسه ويقدّر الكلمة المسؤولة حق قدرها أن ينأى بنفسه عنه، بَلْهَ تبنّيه واعتمادَه في تصريح صحفي مُوجه لجمهور كبير من القرّاء.

أعتبر أن هذه هفوةٌ بسيطة كان يمكن تجاوزها لولا أن الرجل في الاستجواب نفسه عاد إلى العدل والإحسان وسقط سقطة ثانية أكبر من سابقتها، وهي، في رأيي، سقطة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مصداقية الأستاذ أكنوش وحول نزاهته وإنصافه في تناول الآخر ونقده والحكم عليه، وخاصة إذا كان هذا الآخر من صنف جماعة العدل والإحسان، التي ما فتئت الدعاوى والاتهامات والتجريحات تحاصرها من كل جانب بمباركة مخزنية رسمية، لا لشيء إلا لأن لها موقفا ورأيا واجتهادا ومنهاجا في الفكرالتربية والتنظيم يدعو إلى نقض نظام العض والتعليمات وبناء دولة الحقوق والحريات والعدل والشورى.

قال الأستاذ أكنوش في سياق نقده للأحزاب: “…لقد كان على هذه الأحزاب أن تفعل مثل الشيخ ياسين وتكتب في النظام الأساسي لجماعتها، وليس الحزب، بأن أي شخص انتخب في خلية أو جهاز يتم رفضه من طرف الشيخ ليضع مكانه زوج ابنته أو أي شخص آخر من عائلته. لتفعل الأحزاب ذلك وتعفينا من كل شعاراتها وخطاباتها.” انتهى كلامه.

عار على الأستاذ “الأكاديمي” أن يقول مثل هذا اللغو في حق الأستاذ عبد السلام ياسين وتنظيم جماعة العدل والإحسان؛ اتهامات باطلة، وافتراء على الجماعة ومرشدها لا سند له من مكتوب أو مسموع أو مَرْوِيٍّ صحيح من أخبار الجماعة وكتاباتها المنشورة، وإنما سنده الوحيد، في تقديري، هو في نفوسٍ موتورة وعقول منكوسة وأعين غشّاها ضباب كثيف من الأنانية واللامسؤولية.

لا أعرف ما يحمل أمثالَ الأستاذ أكنوش على هذه التصريحات الظالمة في حق جماعة إسلامية لها اعتبارها وحضورها المتميز في الساحة السياسية الوطنية؟ تصريحات فيها كل شيء إلا التحليل الأكاديمي والحياد العلمي المنصف والحكم الموضوعي؟

معظم كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين منشورٌ، ولا أعتقد أن الأستاذ أكنوش له مشكلة في الوصل إلى هذه الكتب، وهو الذي يعرف أكثر من غيره ثقل الأمانة وعظم مسؤولية الكلمة والرأي والتصريح الصحفي. إذن ما سبب التمادي في بث مشاعر العداوة والحقد من خلال بث أحكام كاذبة مضلِّلة غايتها التحقير والتجريح والتشهير؟

أين وجد الأستاذ الأكاديمي ما نسبه إلى الأستاذ عبد السلام ياسين مكتوبا؟

أين دليله من كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين؟

أين النص الشاهد من قوانين تنظيم الجماعة؟

أين عنوان مرجعه أو مراجعه؟

إني أؤكد للأستاذ أكنوش وللعالم أجمع أنه لا يوجد في كتابات الأستاذ ياسين ولا في قوانين الجماعة ما يفيد مضمون ما ادعاه في تصريحه، فضلا عن أسلوب الصياغة اللفظية الذي لا يخلو من سخرية وتصوير كاريكاتوري، والذي يُنزه عنه الفضلاء العقلاء من أهل الفكر والرأي والاجتهاد.

إني أتحدى الأستاذ أكنوش ومن كان من قبيله أن يأتي بنص، صريح أو مؤول، يثبت ما قاله وما نسبه للأستاذ ياسين؟

يا هذا، جماعة العدل والإحسان جماعة راشدة برجالها ونسائها وشبابها وأطرها وسائر مكونات أعضائها، والأستاذ عبد السلام ياسين له مكانته المعتبرة في التنظيم بصفته مؤسس الدعوة ومرشدها العام. وكتابات الجماعة وقوانينها وكراساتها الداخلية وغير ذلك من الوثائق المنشورة وغير المنشورة كلها تؤكد أن الشورى في الجماعة مبدأ لا محيد عنه، لكنها شورى راسخة في معاني الإيمان بالله واليوم الآخر، وليست شورى على النمط الذي يتصوره بعض علمانيينا في أوهامهم ويحاولون أن يفرضوه نموذجا أوحد لمصداقية تعدد الرأي وحرية الاختيار في واقع الممارسة.

هل طرق الأستاذ أكنوش يوما- كما فعل أكثرَ من مرة الأستاذ الباحث محمد ضريف- باب الجماعة من طريق مسؤول وسأل عن قوانينها المنظمة ونظام مجالسها الداخلية ومؤسساتها الخارجية، وكيف يتم اختيار المسؤولين المحليين والجهويين والقطريين، وكيف يتم التواصل بين مختلف أجهزتها، وما مكان مجلس الإرشاد اليوم، وهو أعلى هيئة قيادية في الجماعة، في البناء الهرمي للتنظيم، وما هي السلطة الحقيقية للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في هذا البناء، وما وزن الدائرة السياسية وما يدور في فلكها من مؤسسات في هذا التنظيم، إلى غير ذلك من الأسئلة المتعلقة بقوانين تنظيم الجماعة وتسيير أجهزتها التقريرية والتنفيذية والاستشارية؟

لم يفعل الأستاذ قط. ومثله، في هذه الخصلة، مثل الأستاذ محمد الطوزي؛ فهذا الرجل معتبر اليوم من المراجع الأكاديمية في موضوع الحركات الإسلامية، لكن معلوماته عن واقع هذه الحركات، مع الأسف، لا تساوي، في نظري، عشر ما عند الصحفي نور الدين بنمالك، مثلا، من هيئة تحرير “الصحيفة”، لأن الجودة والإتقان في العمل تفرض على هذا الصحفي أن يربط علاقات نوعية وحقيقية مع مصادر الخبر في هذه الجماعات، وأن يتحرى ويتثبت في شأن كل ما ينسب لها أو يروج عنها، لأن من حرفته التحقيقَ والتدقيقَ والتبينَ، فضلا عن حرصه على الوصول والاطلاع على ما يصدر عن هذه الجماعات من كتب وأشرطة وبيانات وتصريحات ووثائق من غير وسائط. فأين الباحث الأكاديمي الدكتور محمد الطوزي من عمل الصحفي، على الأقل فيما يخص آليات جمع المعلومات والتحري والضبط، وهو الذي صرح مرة وهو في بدايات “نجوميته” الأكاديمية، وكان السياق يتعلق بجماعة العدل والإحسان”- وقد نُشر هذا التصريح في مجلة جون أفريك الفرنكفونية- بأن الأستاذ عبد السلام ياسين ليس له أبناء. وهل اعتبر الأستاذ الطوزي من هذا الحادث؟ الرجل، فيما أعلم، لم يعتبر، لأنه ما يزال يعتمد في معلوماته على مصادر من درجة ثالثة ورابعة وخامسة، كالطلبة الباحثين الذين يعملون تحت إشرافه، والمراجع الأجنبية. ولم يبلغني أنه حاول، ولو مرة، أن يسمع مباشرة من مسؤولي الجماعة، كما يفعل الباحثون المتخصصون الذي يحترمون قراءهم ويغارون على قلمهم ويقدّرون مسؤولية البحث حق قدرها.

وأعود بعد هذا الاستطراد إلى السياق الذي كنت فيه.

باختصار، كتابات الجماعة في موضوع الشورى والديمقراطية منشورة ومعروفة، وهي معروضة، طبعا، للنقاش والنقد والتحاور. أما الافتراء والتحامل على الجماعة بغير حق فلا تفسير لهما، عندي، إلا النية المبيتة والموقف القبلي الجاهز، وكل ذلك لا علاقة له بالأمانة والمسؤولية واحترام قواعد البحث الأكاديمي.

وبعد، فإني أربأ بباحث كالأستاذ أكنوش أن يسمح لنفسه بتنكب سبيل التحري واعتماد الحجة والدليل، والارتماء في أحضان الإشاعات، والانغلاق في أوهام النفس ومزاعمها التي تؤججها الأنانية تارة، والجبنُ عن قول الحق، ولو كان مرّا، وتحمل تبعاته، تارة أخرى.

الرجل المسؤول يحترم نفسه. وإن من إهانة النفس وإنزالها إلى الحضيض أن يقول الأستاذ أكنوش ما قاله في حق الجماعة، ومنهاجُها منشور، رغم القمع والحصار وحملات التشويه، ومواقفها معلنة، وطريقها في الفكر والتربية والتنظيم معروف بين الناس.

أرجو، إن قُدّر للأستاذ عبد اللطيف أكنوش أن يقرأ كلامي هذا، أن يجد من نفسه الشجاعة، فيعلن اعتذاره ويصحح خطأه. وفي اعتقادي أن الأستاذ أكنوش سيكون، إن هو فعل، ممن اختاروا جبهة الدفاع عن شرف مسؤولية الكلمة وأمانة البحث الأكاديمي. وأعظمْ به من اختيار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.