عندما طلعت وسائل الإعلام بخبر وفاة المهاجرين السريين اختناقا في الشاحنة، لم يحدث في نفسي الخبر إلا ما اعتدته من استياء وشفقة على هؤلاء الضحايا الذين يسوقون أنفسهم إلى الموت بحثا عن الفردوس المفقود؛ والذين تتكرر مآسيهم أمام أعيننا كل يوم.

لكن اليوم الذي رأيت فيه صورة الضحيتين ساعة العثور عليهما، تولد في نفسي شعور عميق بالأسى والأسف على شعب استلذ الموت بأبشع صورة على الحياة في بلد تقمع فيه الحريات، وتضيق فيه فرص البحث عن لقمة العيش، والسكن اللائق الآمن. في لحظة؛ قفزت إلى مخيلتي صورة أبطال رواية “رجال في الشمس” وهم يموتون اختناقا في الخزان الذي حاولوا من خلاله عبور الحدود فرارا من جحيم الاحتلال، وكتبت في ذهني عبارة غسان كنفاني التي رددها في الرواية: لماذا لم يدقوا جدار الخزان؟

كان سبب هجرة أولئك الفلسطينيين الهروب من الأرض المحتلة لأن كل واحد منهم لا طاقة له على المقاومة، وكل منهم يبحث عن فرصة للعمل لكسب لقمة العيش له ولأفراد عائلته.

لكن التأخر الذي حصل عند بوابة الحدود وحرارة الشمس المفرطة حولتهم إلى جثث هامدة ألقى بها سائق شاحنة الخزان: ضاع الحلم واستسلم الباحثون عن الخلاص الفردي للموت. ها هي ذي الصورة تعيد نفسها في بلد “آمن”. لكن مخيلتي لم تستطع، وأنا أدرس الرواية في السنة النهائية من التعليم الثانوي، أن تقف على بشاعة هذا المنظر كما رأتها عيناي في الصورة، رغم الإمكانات التي استعملها الروائي لتجسيد القصة.

المنظر شدني بفظاعته: إنسان لم تبق فيه صفة إنسان، جثث هامدة كفئران اصطادها السم أو صراصير أصابتها المبيدات، منظر رهيب حقا أن يصير الإنسان جيفة قذرة، برضاه، يسوق نفسه إلى قدره. تساءلت كم من المغاربة ماتوا بهذه الطريقة أو بطريقة أبشع؟ وكم مغربيا سجل اسمه ورشح نفسه للموت بنفس الطريقة؟ ففي كل أسرة مغربية فرد أو أكثر يحلم بالهجرة إلى أوربا أو أمريكا، إن لم تكن الأسرة كلها، هو الحلم الوردي الذي لم تستطع وسائل الإعلام في محاولاتها لإيقاظ أهله ليفتحوا أعينهم على الواقع … الواقع الذي يجعل كل المغاربة وسط الخزان تسوقه شاحنة إلى حيث ندري … أو لا ندري، إلى مصير رجال في الشمس … أو رجال في البحر … أو إلى الطوفان …و يجعلنا نحن نردد: لماذا لم يدقوا جدار الخزان؟.. لماذا لا ندق نحن الأحياء جدار الخزان … دقات عالية مدوية، قوية .

ندق جدار الخزان لنفضح الصمت ونحرج سائق الشاحنة أمام عالم يسير نحو رفع الحواجز الجمركية ويحجز الإنسان في وطنه، في بؤسه، في ظلمه … لنتفق أن ندق الخزان بيد واحدة … حتى لا يأسف علينا غسان كنفاني ويعيد علينا عبارته: لماذا لم يدقوا جدار الخزان؟