قررت اللجنة الوطنية لضحايا النجاة الإماراتية تنظيم وقفة احتجاجية أمام مبنى البرلمان الثلاثاء المقبل 22 أكتوبر 2002، جاء ذلك عقب رفضها المطلق التعويض المحدد في 900 درهم، مطالبة بالتعويض عن 13 شهرا من العمل كما هو مبين في العقود التي أبرمها المتضررون، كما قررت اللجنة الوطنية خوض كل الأشكال النضالية الممكنة حتى استرجاع كافة حقوقها المسلوبة.

وتعود وقائع هذه القضية إلى منتصف فبراير 2002، حيث تم الاتفاق بين الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والشركة الإماراتية “النجاة” للشحن البحري على تحديد الحاجيات من الموارد البشرية من خلال رغبتها في انتقاء 22 ألف شخص يعملون على متن بواخر لنقل المسافرين كأعوان للطبخ والفندقة والاستقبال والصيانة، وحسب الاتفاق المبرم سيتم تشغيل الأشخاص في إطار عقود لمدة 12 شهرا قابلة للتجديد براتب شهري يساوي 660 دولارا (حوالي 6600 درهم). بعد ذلك بشهرين توصل عباس الفاسي وزير التشغيل السابق برسالة من وزير الشؤون الخارجية والتعاون تطمئنه على سلامة العملية.

هكذا قدم آلاف الشباب من مختلف مدن وقرى المغرب إلى الدار البيضاء للتسجيل في أكبر عملية للهجرة الجماعية، حيث فرضت على المرشحين إجراء فحص طبي بإحدى مصحات الدار البيضاء بقيمة 900 درهم للملف الطبي1، بعد ذلك بشهور بدأت تبرز عدة تحذيرات دولية من التعامل مع شركة النجاة بما يفيد تورطها في عمليات مشبوهة في كينيا وسوريا والأردن، لكن عباس الفاسي دافع عن صحة وجدية العملية مؤكدا في برنامج تلفزيوني (في الواجهة) على أن هناك تقارير يتوصل بها الوزير الأول يوميا، ولحد الآن لم يقل أحد أن هناك تحايلا، مضيفا أن هناك أجهزة تحمينا سياسيا وأمنيا من كل تهديد في الخارج، وللزيادة في التأكيد أخبر الوزير الشعب المغربي أن عقود العمل صحيحة وأن العملية مصادق عليها في المحاكم ووزارة العدل والشؤون الإسلامية بالإمارات. غير أن التماطل والتأخير في موعد التحاق المرشحين بالبواخر كان من بوادر وإرهاصات عدم مصداقية العملية ككل، فما إن يحدد موعد السفر حتى يعلن عن تأخيره لأسابيع دون تبرير ذلك، كل هذا جعل تأكيدات الوزير والمسؤولين تتضاءل لتتلاشى في النهاية. فبعد أقل من أربعة أيام على إجراء الانتخابات التشريعية (27 شتنبر 2002) أعلن المدير العام للوكالة أمام احتجاج مئات الشباب في الدار البيضاء على التماطل الذي تشهده العملية التي كان مقررا أن ينطلق فوجها الأول في شهر غشت 2002، أعلن أن عملية تشغيل 30 ألف عاطل لا زالت مستمرة وأن المشكل القائم حاليا هو اختفاء مسؤول شركة النجاة الإماراتية، التي لا تعتبر سوى وسيط في العملية، وأن الوكالة الوطنية قد وجهت ملفات الترشيح إلى الشركات الأوربية الفعلية بكل من بريطانيا والنرويج وهولندا، وهي لا زالت تنتظر إجابات هذه الأخيرة.

أسبوع بعد البيان الأول حاول المدير مرة ثانية تبرئة الوكالة في بيان آخر من المسؤولية الملقاة على عاتقها جراء هذه العملية بالقول إن الوكالة قامت بدورها القانوني في ظل الحرص على توفر كافة الضمانات معتبرا أن العملية تعرف فقط بعض التأخر مشيرا إلى الجهة التي تتحمل مسؤولية عمل الوكالة وهو الوزير الأول الذي يترأس مجلسها الإداري، وحسب هذا البيان فإن “علي باشا” المدير المسؤول في شركة النجاة قام بتوقيع صك ضمان يتعهد فيه بتعويض العاملين عن الضرر عن طريق الوكالة الوطنية للتشغيل إذا فشلت الشركة في توفير العمل.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه احتجاجات ما يزيد عن 30 ألف شاب مغربي كان يحلم بتحسين وضعه الاجتماعي، قررت اللجنة الوزارية في اجتماعها برئاسة الوزير الأول تشكيل هيئة تقنية لدراسة تطورات هذه القضية الوطنية، ليعلن فيما بعد أن اللجنة انتهت إلى أن العملية “مجرد نصب واحتيال، وأن المتضررين سيتم تعويضهم عن مصاريف الفحوصات” حيث تبين من خلال الوثائق وحدها أن العملية فاشلة منذ اليوم الأول، فالمدير العام للوكالة وقع اتفاقيات مع المدير التجاري، ولم يوقع اتفاقيات مع المسؤولين الحقيقيين عن الشركة.

وإذا كانت الدولة قد حاولت جبر الضرر من خلال منح تعويضات للمتضررين عن تكاليف الفحوصات الطبية، فإن هؤلاء يرفضون رفضا مطلقا مثل هذه التعويضات المختزلة، إذ هناك أضرار مادية ومعنوية لا يمكن تعويضها، منها رسوم إنجاز الوثائق الرسمية من تجديد لبطاقة التعريف الوطنية، وجواز السفر، إضافة إلى الأحلام والأماني التي أصبحت كوابيس.

بعد هذه الإحاطة بملابسات القضية لنا أن نتساءل:

لم تستطع الدولة توفير الشغل لآلاف المواطنين، ولم تستطع صيانة كرامتهم بأن جعلتهم عرضة لأكبر عملية نصب، فهل ينتظر بعد ذلك أن تحوز هذه الدولة بكل مؤسساتها ثقة مواطنيها؟

أكد العديد من المسؤولين، قبل أن تتضح حقيقة الشركة الإمارتية، أن العملية سليمة، وذلك في غياب أية مستندات قانونية. فما هي الأسباب الحقيقية لتلك التأكيدات والتطمينات؟

ثم ألا يقتضي العدل والإنصاف مساءلة هؤلاء المسؤولين؟

هل فعلا ستعوض الحكومة المتضررين؟ وهل التعويض الحقيقي هو 900 درهم لكل متضرر؟ وإذا كان المتضررون يطالبون بتشغيلهم، ولا يرضون بأي حل آخر، فهل ستستطيع ذلك الحكومة المقبلة؟

1 لتصل صفقة الفحوصات إلى 72 مليون درهم.