تميزت الفترة الأخيرة بحدثين بارزين؛ الانتخابات البرلمانية وتعيين الوزير الأول، فأية دلالة لهما؟ !

أولا: الصدمة

لقد كان يوم 27 شتنبر يوما تاريخيا بالنسبة للمغاربة سواء منهم من راهن عليه أو من لم يراهن، وشارك الشعب المغربي في هذا الاستفتاء وعبر عن موقفه بكل وضوح رغم الإبداع والتفنن في أشكال التزوير، وتوافق أطراف على التعتيم عليه.

لقد أخذ التعبير أشكالا ثلاثة كل منها فضح الحقيقة وكسر جدار التعتيم:

1. المقاطعة: لقد عبر أغلب المغاربة عن موقفهم بالمقاطعة، وفي ذلك دلالة على عدم ثقة الشعب في هذه اللعبة التي خبرها لسنين طوال فلم تزده نتائجها إلا رجوعا إلى الوراء وتقدما إلى حافة الهاوية، تجارب عمقت مآسيه وأثقلت كاهله.

إن خيار المقاطعة تعبير من أغلب الشعب عن اليأس من الفاعلين السياسيين المشاركين وعن فشل رهاناتهم رغم ما جندوا من طاقات وإمكانيات لاستمالته للمشاركة.

إن نسبة المشاركة 52%، المعلنة رسميا، تشكل في حد ذاتها نتيجة كارثية مقارنة مع حجم الدعاية والتعبئة. أما إذا وقفنا على الرقم الحقيقي والذي لا يتجاوز 30% تكون الصورة واضحة وشفافة، هذه النسبة التي تؤكدها النتائج الأولية المعلن عنها لكثير من المكاتب ويؤكدها أغلب العاملين في مكاتب التصويت وتؤكدها أصوات من قلب الداخلية والتي بينت أن النسبة تعادل 27,06% أي نسبة المقاطعة قد تجاوزت 70%.

2. المشاركة بالورقة الملغاة: لا يمكن أن نفسر الأوراق الملغاة والتي بلغت نسبتها 15%، حسب التصريحات الرسمية، بصعوبة الانتخاب اللائحي ونسبة الأمية، فهذا يصدق على جزء منها لكن الجزء الآخر لا يمكن النظر إليه إلا كشكل من أشكال التعبير لفئة أكرهت على التصويت إكراها معنويا أو آثرت أن تبلغ رسالتها بيدها إما بكتابتها على ورقة الانتخاب أو بالتشطيب على جميع الرموز إعلانا على رفض الجميع.

وكم كان بودنا أن تجرى دراسة لهذه الأوراق الملغاة لاستخلاص تلك الرسائل البليغة.

3. المشاركة بالتصويت: إن النسبة الضئيلة المتبقية من المصوتين توجت حزب العدالة والتنمية على رأس المتنافسين خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار انحصار مشاركته فقط في 56 دائرة عكس من غطوا 91 دائرة؛ ويعتبر هذا التتويج تصويتا لخيار الإسلام ضد ما خالفه، تصويت على البديل ضد الطروحات والسياسات الموروثة.

هكذا تكون خلاصة الاستفتاء؛ مقاطعة شعبية من جهة، ورفض معبر عنه من جهة ثانية، وتصويت للإسلام وفوز لفصيل إسلامي من جهة ثالثة.

إنها الصدمة التي أعقبها وابل من الأسئلة: كيف لو شاركت كل الفصائل الإسلامية؟ كيف لو كان المشارك العدل والإحسان؟ ماذا ستكون نتيجة الانتخابات المحلية؟ وماذا لو نزلت العدل والإحسان للمشاركة فيها؟.

أسئلة محيرة وغيرها، من نوعها، كثيرة نتيجة الصدمة وخوفا من الصدمة القاتلة.

ثانيا: صفعة على القفى

إن إلحاق الوزارة الأولى من جديد بوزارات السيادة إجراء منسجم مع طبيعة النظام المخزني ولا يشكل مفاجأة لمن خبر حقيقته وكنهه، وإن كان صفعة لمن توهم صدق الشعارات المرفوعة والنوايا المعلنة والإشارات المرسلة.

إن هذا التعيين يؤكد صحة ما كانت تردده جماعة العدل والإحسان بأن لا شيء تغير في الجوهر وأن دار لقمان لازالت على حالها، وأن لا مخرج إلا بالقطيعة مع الماضي وجلوس ذوي النوايا الحسنة للعمل من أجل المستقبل على نور وبصيرة وفق رؤية متفق عليها مسبقا ومعلنة أمام الشعب ليساهم بقوة في عملية البناء.

إن التغييرات الطارئة لما سمي بالعهد الجديد إنما اقتصرت على القشور ولم تنفذ إلى مكمن الداء وصلبه، وهي الطبيعة المخزنية للنظام التي تجعله بعيدا عن أسس الشورى والعدل. فهي تحولات لم تأت نتيجة إرادة سياسية في التغيير الحقيقي وإنما كانت نتيجة إكراهات الظرف السياسي الذي اقتضى تأمين عملية انتقال الحكم ليس إلا.

وهكذا وظفت القاطرة الاشتراكية لتجر عربات المخزن المترهلة ووظف السيد عبد الرحمان اليوسفي كربان لهذه القاطرة، وقد نجحوا في المهمة بامتياز وأوصلوا العربات إلى بر الأمان فأمنوا انتقال الحكم في أحسن الظروف فكانوا بذلك رجال الإنقاذ ونعم الحماة وتحقق الهدف فكان من المنطقي أن تنتهي مهمتهم ليسند إليهم دور آخر يحدده المخزن داخل حضيرته وينسجم مع حجمهم ورصيدهم الحالي. وذلك هو فعل المخزن مع خصومه وأعدائه في الاحتواء والتذويب.

لقد كان الرابح هو المخزن بتحقيق الانتقال في أمان وتحجيم “عدوه” الذي أدى الثمن باهضا تمثل في تشتت صفوفه وكساد رصيده الشعبي – ولو نطقت الأرقام الحقيقية لانتخابات 27 شتنبر لكانت خير معبر-.

وثالثة الأثافي صفعة على القفى توقظ النائم وتعلم الكسول. فهل من معتبر !؟