سجل المغرب حدثين مهمين، الأول يتمثل في الانتخابات التشريعية ليوم 27 سبتمبر، والثاني يتمثل في تعيين السيد ادريس جطو وزيرا أولا، من خارج الأحزاب، على عكس ما كان منتظرا، ما هي قراءة جماعة العدل والإحسان لهذين الحدثين؟

أفضل أن أبدأ الإجابة عن السؤال من الشطر الثاني، لأننا في العدل والإحسان، نرى أن هذه الانتخابات هي عبارة عن مسرحية بإخراج محكم، لأن التغيير لم يحدث بعد، ويجب أن تعرف أن الحكومة في المغرب لا تحكم، وكذلك صلاحيات البرلمان، فهي مقيدة، وعليه، فإن ما يسمى بحكومة التناوب، هي في الحقيقة ورقة استعملها النظام بعد أن انتهت الأوراق الأخرى، وبعد أن أصبحت المعارضة القديمة مستعدة لأن تلعب لعبة المخزن.

لذلك ظلت قناعتنا ثابتة، وبطبيعة الحال هناك من وافقنا الرأي، وهناك من خالفنا، وخلال عهد الحكومة السابقة التي اعتبرها البعض “أول تجربة سمحت للمعارضة بدخول الحكم”، كنا نحن في العدل والإحسان نقول أن هذه الأحزاب التي تسمي نفسها “معارضة” جاء بها النظام لتهيئة مرحلة الانتقال من عهد الملك السابق إلى عهد الملك الحالي، وبهذه القناعة خاطبنا الحكومة وقلنا إن مآلها الفشل، وهو ما انتهت إليه، ووقع التدليس.

عفوا … ماذا تقصدون بالتدليس؟

الناس العاجزون عن فهم سياسة النظام المخزني، كانوا يعتقدون أن الحكم بيد الوزير الأول الذي “يمثل المعارضة”، وينتمي إلى فئة المحكوم عليهم بالإعدام سابقا، بالإضافة إلى كونه رجل قانون، ومعنى ذلك أننا في نظام يمثل قمة الديمقراطية، وهذا غير صحيح، لأن الحكومة كانت مجردة من الصلاحيات، وبعيدة عن الحكم.

الذي وقع الآن بتعيين ادريس جطو، وزيرا أولا، لا يختلف عن هذا الواقع، لأن هذه الحكومة لن تكون أكثر من جهاز يسهر على تنفيذ السياسة السابقة، والشيء الجديد هو إزالة اللبس فقط، لأن النظام كان يحكم باسم المعارضة، وصار الآن يحكم بوجهه المكشوف.

يتداول في الوسط المغربي، لدى السياسيين والمحللين، والصحافة أيضا أن التيار الإسلامي سجل تقدما ملحوظا في هذه الانتخابات، ماهو تعليقكم؟

إذا كان المقصود بكلمة “تقدم” هو تحصيل مقاعد إضافية عن السابق في البرلمان، أقول نعم، لكن رؤيتنا في العدل والإحسان تنطلق من سؤال واضح، هو: ماذا يمكن أن يقوم به الإسلاميون داخل حكومة مجردة من الصلاحيات؟ الآن الرؤية أصبحت واضحة، فالإسلاميون لن يكونوا سوى طرفا ضعيفا داخل حكومة تملى عليها القرارات، أمس فقط كنا نتابع خطاب الملك بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية، وقد ذهب إلى تحديد الخطوط العريضة للسياسة العامة للمملكة، ونحن هنا نتساءل، ما جدوى أن يقدم الوزير الأول برنامجا؟ … إنه مجرد برنامج للاستئناس، لا أكثر. ويجب أن تعرف أن خطاب العرش هو الذي يعطي حصيلة سنة ماضية، ويحدد معالم سياسة سنة لاحقة، وعليه فوجود الإسلاميين في الحكومة -حتى ولو كانوا أغلبية- لن يحققوا شيئا في غياب الشروط الموضوعية للعمل، ولذلك أقول للإخوة في حزب العدالة والتنمية إن دخولكم الحكومة الحالية هو خطأ كبير، وستجدون أنفسكم طرفا في تغذية حجم المشاكل التي يعيشها المواطن المغربي، وعندها سوف تتحملون فشل النظام.

على ذكر حزب العدالة والتنمية، فقد لوح قبل يومين بأنه مستعد للمشاركة في حكومة إدريس جطو، هل يمكن أن نقول عنه إنه توخى سياسة “إخوانية” مثلما تفعل الكثير من الأحزاب الإسلامية التي ترفع شعار “نشارك في الحكم ونعارض”؟

نعم، يمكن أن يكون حاملا لهذه القناعة، غير أننا لا ننسى الحديث القائل “المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين”، فالتجارب السابقة في الأردن وتركيا، وغيرهما كفيلة بالعبرة، ولنترك تركيا والأردن ونتحدث عن المغرب، حيث نجد مثل هذا الطرح عند الاتحاد الاشتراكي وما يسمى بالأحزاب الوطنية، التي شاركت في الحكم منذ عام 1956، وكانت دائما تقول يجب أن نشارك ونقوم بالإصلاح من الداخل، ولا نترك الكراسي شاغرة، فماذا فعلوا بعد 40 سنة؟ أقول إن ما حدث هو العكس، لأن هذه الأحزاب هي التي تغيرت ولم تغير النظام، بل أصبحت وسيلة في يد النظام لتنفيذ سياسته.

تبريركم لم يخرج عن إطار الحديث العام، نريد أن نعرف رؤية العدل والإحسان في محتوى التغيير الذي تطالبون به؟

قبل ذلك أريد أن أزيل اللبس عن مغالطة كبيرة، تحملها الأسئلة الكثيرة التي تطرح علينا في الجماعة، حيث نتعرض يوميا لسؤال مفاده: “لماذا لا تشاركون في الانتخابات؟” وجوابي هو أن السؤال حق أريد به باطل، لأننا في العدل والإحسان مثل شخص قطعت يداه وظل الناس يسألونه .. لماذا لا تلعب كرة السلة؟ وكذلك نحن في المغرب، فالدولة لا تعترف بنا، وتحاصرنا ولا تسمح لنا بالتحرك، لقد تقدمنا بطلب الاعتماد في عام 1981، أي قبل ظهور حركة التوحيد والإصلاح التي التحقت بحزب الدكتور الخطيب “العدالة والتنمية”، لذلك كان يجب أن نمنح حريتنا مثل الآخرين، وعند ذاك نفكر في المشاركة من عدمها، أما الآن فالدولة تمنعنا, ولا تملك جرأة التعبير بصراحة عن منعنا من النشاط لأسباب تتعلق بأفكارنا وبرنامجنا وتصوراتنا، وتظل تلحق التهم بنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن فلسفتنا تنطلق من أن الانتخابات تأتي في آخر حلقة، هناك ما هو أهم منها، ونتحدث هنا عن ضرورة الإصلاحات التي تهيء شروط الانتخابات التي يجب أن تقوم على أساس تنافسي بين الأحزاب،وهذا أمر منعدم في المغرب .. هل تدري أن قرابة عشرة أحزاب أحدثت قبيل تاريخ الانتخابات؟

… “مقاطعا”… هل نفهم من ذلك أن النظام سعى إلى تضييق الخناق على الإسلاميين بتوسيعه لدائرة الأحزاب؟

لا ..، بل ليوهم الناس بأنه يطبق الديمقراطية، ويقنعهم بأن جماعة العدل والإحسان، هم فئة متطرفة، وأن هناك فئة من الإسلاميين المعتدلين لا يجد حرجا في التعامل معهم.

وهل فعلا أنتم بعيدون عن التطرف؟

نعم… نحن في العدل والإحسان لا علاقة لنا بالتطرف، لم يحدث أن حملنا السلاح، ودعونا إلى التمرد والعنف، لنا تصورات واضحة، وبرامج مكتوبة.

الأستاذ فتح الله أرسلان … ألا ترون معي أن النظام المغربي يسعى من خلال تضييق الخناق عليكم ووصفكم بالمتطرفين إلى تجنب التجربة الجزائرية القريبة؟

كل ما يمكن أن أقوله هنا إن النظام المغربي، يسعى بذلك إلى إقناع الآخرين بوجود متطرفين يتمثلون في جماعة العدل والإحسان، ومن ثمة يقوم بتبرير الإجهاز علينا، ومواجهتنا، بالرغم من أننا دون مستوى المواجهة التي يريدها، فنحن نقوم على برنامج يحمل أفكارا تطرح حلولا لمشاكل الاستبداد، وذاك هو أصل صراعنا مع النظام المغربي، ومن جهة أخرى نجد أن النظام يتآمر على من يحاول تقديمهم للناس في صورة الإسلاميين المعتدلين، وأقصد بذلك العدالة والتنمية، حيث يغريهم بالمشاركة، بغرض تلطيخ سمعتهم وتشويه صورتهم، ويأتي في الأخير ليقول للناس .. ها هم الإسلاميون على حقيقتهم … ونقول لهذا النظام ، وفروا الشروط وأبعدوا التزوير عن الانتخابات وستعرفون حجم الإسلاميين في المغرب.

عن أي تزوير تتحدث وأنتم ترفضون المشاركة في الانتخابات؟

.. يا أخي، لماذا تريدنا أن نشارك، أو حتى نزكي انتخابات يتنافس فيها رموز الفساد الذين أوصلوا المغرب إلى ما هوعليه، وتجري تحت غطاء دستور لا يعترف بالحكومة والبرلمان، ولماذا تريدنا أن نزكي انتخابات في مجتمع تصل فيه نسبة الأميرة إلى 61%، يضاف إليهم 17% ممن تنحصر مستوياتهم التعليمية في ما دون الشهادة الابتدائية، وهؤلاء جميعا يريد النظام منهم أن يختاروا ما بين 26 برنامجا، وهم عاجزون عن فهمها، أليس هذا ضحك على الشعب؟

مع ما صرحت به من أرقام صرحت الجهات الرسمية أن نسبة الإقبال على الانتخابات كانت مقبولة إلى حد ما، حيث وصلت إلى 52%؟

هذا كذب وافتراء، لأن الأرقام المتوفرة لدينا هي عكس ما صرحت به السلطة، والكل يعلم أنه في حدود الساعة الخامسة والربع مساء يوم الاقتراع، أذيع رسميا أن نسبة المشاركة هي 36%، فكيف تقفز إلى 52% في ظرف ساعة وربع.

وعليه، فالنظام ما زال يزور، كما أن التزوير بدأ قبل يوم الاقتراع في ظل اعتماد اللوائح القديمة، وتوظيف قوائم أصحابها في تعداد الموتى!

قيل إن أفرادا من العدل والإحسان انتخبوا لصالح مترشحي العدالة والتنمية؟

هذا غير صحيح، والغرض من هذه الدعاية واضح، فهم يريدون أن يقنعوا الناس بأن حجم الإسلاميين في المغرب لا يتعدى مستوى 42 مقعدا التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية.

تريد القول إن الإسلاميين في المغرب قوة أكبر مما تقدمها السلطة؟

نعم، هذا بالضبط ما أريد قوله، وحتى أوضح أكثر، أقول إذا تحدثنا عن عدد الإسلاميين المهيكلين في أحزاب سياسية، فإنهم يمثلون نسبة قليلة بالنسبة لبقية التيارات الأخرى، لكن الحقيقة غير ذلك، لأن الحاملين للتوجه الإسلامي من أبناء المغرب أكثر من أن تحتويهم أحزاب سياسية، مثل التي نراها في الخريطة المغربية، حيث فقدت قواعدها، مثلما حدث للاتحاد الاشتراكي الذي انقسم، وبقيت أحزاب أخرى تتحرك في المناسبات فقط دون أي مصداقية أو أي قواعد نضالية، وعلى مستوى العدل والإحسان هناك عدد لا يحصى من المتعاطفين معنا، لكنهم يخشون إعلان انضمامهم إلينا، تجنبا لمضايقات النظام، مع أنهم فقدوا ثقتهم في النظام القائم، والأحزاب الموالية له.

بمقتضى هذا الحال، ما هي الرهانات التي ترون أن الحكومة الجديدة سترفعها، وما هي المشاكل التي تعتقدون أنها تقف في طريقها؟

دعني أقول لك إن مشاكل المواطن المغربي لم تعد سرا يجب إخفاؤه، فهي واضحة لا تحتاج إلى فلسفة، أبناء المغرب اليوم يتخبطون بين أنياب البطالة الضاربة بجذورها في عمق المجتمع، وكذلك تفشي الأمية بشكل مخيف، ناهيك عن مشاكل الصحة والخدمة الاجتماعية، والسؤال المهم هو هل باستطاعة أي حكومة أن تتصدى لهذه الصعاب في ظل الشروط الحالية، رغم أن جميع الأحزاب تتبنى برامجها علىضوء هذه المحاور … أقول لا يمكن لأي حزب أن يصل إلى ذلك، ولا الحكومة التي سوف تتشكل من هذه الأحزاب.

مقابل ذلك، ما هي رؤيتكم في العدل والإحسان لحل هذا الإشكال القائم … أرجو جوابا صريحا بعيدا عن التصور العام الذي تشارككم فيه الأحزاب الأخرى؟

مفتاحنا الأول هو ضرورة تغيير عقلية الحكم التي تعتمد على مبدإ الترقيع الذي يكون في أحسن الأحوال عاملا في تأخير انفجار يهدد المغرب، وأؤكد أن الانفجار سيحصل في حال بقاء الأمور على حالها. وتصورنا في العدل والإحسان يقوم على أن الحكومة القادمة جاءت لمهمة واحدة هي إطالة عمر الأزمة إلى خمس سنوات أخرى.

والحل .. ما هو؟

الحل أن يقتنع النظام بعدم جدوى سياسته الترقيعية، ويسمح بفتح حوار شامل يشارك فيه الغيورون على مستقبل المغرب، ويجتهدون في إيجاد حلول للمشاكل المطروحة في إطار ميثاق يتفق الجميع حوله، نصل إليه من خلال مرحلة انتقالية تبرز تنوعا مقبولا، وتنتهي إلى أرضية صلبة تقف عليها جميع القوى، وتسفر على حكومة تتمتع بصلاحيات، لأن الحكومة الحالية غير مسموح لها بالتطرق للملفات الكبرى التي تعطيها شعبية، مثل الملف الاجتماعي الذي هو بيد الملك من خلال مؤسسة الحسن الثاني ومؤسسة محمد الخامس. وهي مؤسسات أقوى من الحكومة، وكذلك ملف المرأة المغربية، حيث لا يحق للحكومة أن تناقشه، والملف الاقتصادي وملف الصحراء، ومشكل التعليم، فما جدوى هذه الحكومة.

مطالبكم على هذا النحو تبدو عقلانية، لكن ألا ترون أن تحقيقها هو ضرب من الخيال في بلد يخضع لنظام ملكي؟

المغرب الآن بين خيارين، لا ثالث لهما، إما القبول بهذا الطرح العقلاني، وإما الاستعداد لمرحلة الانفجار، لأن سياسة النظام المخزني تهدد المغرب، وتهدد النظام الملكي ككل، أمام اليأس الكبير الذي خيم على المواطنين، هناك آلاف الشباب دفعهم اليأس إلى المجازفة بأنفسهم في عرض البحار، غير مبالين بخطر الموت، الشباب المغربي لم يعد أمامه ما يخيفه أمام الفقر، البطالة والأمية.