استغرق الإعداد لانتخابات 27/09/2002 ما يقارب السنة، وكان ينتظر منها أن تفرز أغلبية منسجمة تفضي إلى حكومة قوية وفعالة، ولكن نتائجها لم تفرز أغلبية مريحة لأي من الأطراف المشاركة فيها، وكان هذا منتظرا بسبب نمط الاقتراع والعدد الكثير من الأحزاب المشاركة ولم تسفر بعد ذلك مشاورات الأحزاب في إطار البحث عن تحالفات على نتيجة توصل إلى أغلبية بل خيمت أجواء التصريحات والتصريحات المضادة التي أضفت على المشهد الحزبي حالة من التناقض والتباغض والتنابز. وبينما الأحزاب غارقة في حساباتها خرج القصر ببلاغ مفاجئ يوم 09/10/2002 يقضي بتعيين السيد إدريس جطو وزيرا أولا مكلفا بتشكيل حكومة عمل حول اولويات واضحة ليضع بذلك حدا للتخمينات والتكهنات والقيل والقال، فما هي دلالات هذا التعيين ؟

1/ لقد جاء هذا التعيين ضد التيار حيث كان الكل ينتظر أن يسند منصب الوزير الأول إلى شخصية سياسية تضفي الطابع السياسي على الحكومة تكريسا لعرف دشنه الراحل الحسن الثاني، ولو أن الدستور لم ينص عليه صراحة أو تلميحا، لأن الفصل 24 لا يلزم الملك بأن يعين الوزير الأول من أي حزب، فأحرى أن يلزمه بتعيينه من الأغلبية. ولعل في تعيين الوزير الأول بهذه الصيغة عبرة لمن اطمأن إلى عرف لم يترسخ بعد في الحياة السياسية المغربية، وتناسى أن الأصل هو إصلاح الدستور، بل أصبح بقدرة قادر من المدافعين عن تغييب هذا المطلب فكيف يجيب هؤلاء بالنظر إلى هذا المستجد؟

2/ يأتي تعيين الوزير الأول من التيكنوقراط في وقت كان الكل يأمل أن تضع انتخابات 2002 حدا لما يسمى بوزراء السيادة، فإذا بالواقع عكس ذلك.

3- لا شك أن في عودة التكنوقراط تراجع عن الشعارات التي كان يرفعها الكل قبيل انتخابات 2002 حيث كان الجميع يطمح إلى الانتقال من تناوب توافقي إلى تناوب حقيقي فإذا بهذا التعيين يفرغ الديمقراطية من معناها ، إذ كيف يعقل أن تسند المسؤولية لمن لم تفرزه صناديق الاقتراع؟ وما الفائدة من الانتخابات أصلا؟ ولماذا صوت المغاربة؟ وكيف سينال هذا الوزير دعم أحزاب يشكل بها أغلبية إن كانت هذه الأحزاب تحترم ناخبيها وقواعدها. اللهم إلا إذا سلمنا بأن هذه التجربة السابقة كانت فاشلة ولم تصل إلى ما كان ينتظر منها.

4- في هذا التعيين تقليص لدور الأحزاب وهي المفروض فيها أن تتولى تأطير المواطنين، وكذلك إدارة الشأن العام لأنها هي وحدها التي يمكن محاسبتها من طرف المواطنين في الانتخابات الموالية، لكن هذا التعيين يجعلها مجرد واجهة وخزان عددي يضفي بها الوزير الأول مصداقية على برنامجه.

ومع ذلك لا يمكن إلا أن نقول بأن تعيين جطو كان منطقيا بالنظر إلى المعطيات الموضوعية الموجودة والتي تتمثل في :

1- الإطار الدستوري : فالملك لم يستعمل إلا صلاحيته التي يخولها له الفصل 24 والتي لم يناقشه فيها أحد من هؤلاء المشاركين ولم يطلب أحد منه مراجعتها، وبذلك فهم موافقون عليها، ولا جدوى من احتجاجهم أو عدم رضاهم.

2- طبيعة العلاقة بين الفرقاء: رغم انتهاء الانتخابات بما يقارب أسبوعين، فقد فشلت الأحزاب في نسج علاقات وتحالفات لتكوين أغلبية، بل فشلت حتى في تدبير خلافاتها ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبقى هناك فراغ، كما لا يتوقع إطلاقا إعادة الانتخابات وهي التي لم تنته إلا بشق الأنفس، وصرفت فيها أموال طائلة، بلغت حسب الإحصاءات الرسمية 40 مليار سنتيم .

3- نتائج الانتخابات: لا يمكن لأي حزب من الأحزاب المشاركة إلا أن يرضى لأنهم جميعا وافقوا على نمط اقتراع كان أكيدا بأنه لن يفرز أغلبية ولن يؤدي إلا إلى بلقنة الخريطة السياسية وتشتيتها.

4- تعيين الوزير الأول من الشخصيات الحزبية في الحكومة السابقة كان في إطار توافق بين الجميع، وبرغبة ملكية قبل ذلك، ولم يأت نتيجة اقتناع بأن الحزب الأول حاز الأغلبية التي تمكنه من ذلك، أما الآن فقد غاب التوافق وصار السباق لتولي منصب الوزير الأول جنونيا بين الفرقاء، وافتقد البحث عن تحالفات نكهته، وبذلك غابت روح التوافق، فلم يعد ممكنا تنصيب وزير أول من أي حزب لأن من شأن ذلك أن يخرج الملك من حياده، وليس هناك من حل إلا تعيين جطو، و هو الذي ما فتئ الإعلام و الأحزاب يؤكدون على أنه رجل المرحلة، و الشخص الذي يحظى بثقة و صداقة الجميع، و بالتالي فهو أحسن من يعبر عن التوافق الذي ارتضاه الجميع حلا لخلافاتهم.

لكن رغم هذه المعطيات يبقى تعيين إدريس جطو وزيرا أولا غير مقبول بسبب وضع غير مقبول، ولذلك لا يمكن إلقاء اللوم كله على جطو أو من عينه لأنه لم يقم إلا بالصلاحيات التي صادق الجميع على منحه إياها، بل و دافعوا عن ذلك في أكثر من مناسبة. بل يجب مراجعة الإطار العام الذي أفرز هذا التعيين والذي يتمثل في:

1- مراجعة الدستور: لقد أصبح ملحا اكثر من أي وقت مضى مراجعة الدستور، ولعل في هذه الواقعة ما يشكل حافزا لجعل الجميع يلتف حول هذا المطلب.

2- إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الفرقاء السياسيين ومراجعة التصنيفات الجاهزة وذلك من خلال حوار هادئ ورصين، يشارك فيه الجميع.

3- إعادة النظر في كل النصوص التي تنظم العملية الانتخابية سواء ارتبط الأمر باللوائح الانتخابية أو التقطيع الانتخابي أو نمط الاقتراع أو القانون الانتخابي برمته.

4- حياد الإدارة وجعل الانتخابات محطة مفتوحة على كل الاحتمالات ضابطها الوحيد احترام إرادة الشعب .

5- فتح المجال لتعددية سياسية حقيقية تتمثل فيها كل الآراء

6- إعادة الثقة للشعب وذلك بتوعيته وإشراكه وتحسيسه بأن لصوته معنى فيما يجري داخل المغرب و خارجه.

بهذا سنصلح الوضع العام بالبلاد، و لن يكون مقبولا آنذاك أن يأتي وزير كيفما كان من غير السياسيين.