عين الملك يوم الأربعاء 9 أكتوبر2002 إدريس جطو وزيرا أولا، وهذا بالنظر إلى الدستور المغربي يعد أمرا عاديا، حيث ينص الفصل 24 على أن الملك يعين الوزير الأول، ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من هذا الأخير، ويعفي الحكومة بمبادرة منه، أو بناء على استقالتها. إلا أن المتتبع لما عرفته الساحة السياسية المغربية في الآونة الأخيرة، من تعليقات وتخمينات، سيستنتج بما لا يدع مجالا للشك، حجم المفاجأة التي أحدثها قرار التعيين الأخير، في صفوف مختلف الأطراف السياسية المشاركة في انتخابات 27 شتنبر 2002 خاصة حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.

فعقب يوم الاقتراع لوحظ نوع من الخطاب التصعيدي في افتتاحيات جريدة العلم، مفاده أن مؤسسة الوزير الأول لا ينبغي أن تبقى حكرا على حزب الاتحاد الاشتراكي، وفي هذا تلويح بالرغبة في اختيار الوزير الأول من صفوف الاستقلاليين، وكان عباس الفاسي أمين الحزب حسب الكثير من التخمينات أول مرشح.

لكن سرعان ما جاء رد فعل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث بادر هذا الاخير إلى عقد تحالف مع التجمع الوطني للأحرار، محاولة منه لعزل حزب الاستقلال، والتهيء لتشكيل أغلبية بقيادته.

وبعد ذلك بيومين، أي يوم الثلاثاء 8 أكتوبر 2002 شكل حزب الاستقلال هو الآخر تحالفا مع كل من حزب الحركة الشعبية. وحزب الحركة الوطنية الشعبية، وحزب العدالة والتنمية…

إن هذه المناورات السياسية وغيرها ، بالإضافة إلى أنها كانت تهدف إلى رسم الملامح الأولى للأغلبية الحكومية المقبلة، كان يتوخى منها الظفر بمنصب الوزير الأول، إلا أن اختيار الملك بدد آمال الحزبين معا, فيا ترى لماذا؟ بهذا الصدد تحدث الناس عن فرضيات:

– أولا : فرضيات إبعاد الاتحاديين عن الوزارة الأولى

إن إبعاد الاتحاد الاشتراكي عن الوزارة الأولى يجد سنده في إحدى الفرضيات الآتية، أو فيها مجتمعة:

1- التوتر في العلاقة بين الاتحاد الاشتراكي وحزبي الاستقلال والعدالة والتنمية، مما يجعل الوزير الأول الاتحادي لا يحظى بالقبول والإجماع، الأمر الذي قد تنتج عنه آثار سلبية فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة، خاصة إذا كانت نية المخزن توريط حزب العدالة والتنمية في الحكومة. 2- استحالة استمرار اليوسفي في الوزارة الأولى نظرا لعامل السن، وصعوبة وجود خلف له من داخل الاتحاد، ليس فقط من حيث الكفاءة والجرأة والقدرة على الجمع، بل أيضا من حيث الولاء والإخلاص.

3- شعور الملك بالسخط الشعبي على الحصيلة الضعيفة لما يسمى “بحكومة التناوب” وفي هذا السياق يأتي تضمين البلاغ الملكي المتعلق بالتعيين توجيهات حول برنامج الحكومة المقبلة وأولوياتها.

4- رغبة المخزن في عدم التأسيس لعرف يقضي باختيار الوزير الأول من داخل الحزب الحاصل على أكبر عدد للمقاعد.

هذا عن إبعاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فماذا عن إبعاد حزب الاستقلال؟

– ثانيا: فرضيات إبعاد حزب الاستقلال عن الوزارة

يمكن أن نجمل تلك الفرضيات فيما يلي :

1- عدم الرضا على الخط المحافظ لحزب الاستقلال، والتوجس من مفاجآت بسبب التقارب بين الاستقلاليين وحزب العدالة والتنمية.

2- حالة التوتر التي طبعت علاقة حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي، والتي قد تهدد في الصميم استقرار الحكومة المقبلة.

3- قد يكون لفضيحة “شركة النجاة الإماراتية” دور في إبعاد عباس الفاسي المرشح الأول عن الوزارة الأولى.

كانت هذه بعض الفرضيات الرائجة فيما يتعلق بإبعاد كل من الاتحاديين والاستقلاليين عن الوزارة الأولى، ولا يحتاج الأمر كثيرا من التمحيص للتدليل على صحة فرضية من الفرضيات، لأن الحقيقة التي نقصد تجليتها أكبر من كون الوزير الأول ليس من هذا الحزب أو ذاك.

– ثالثا: وتبقى الحقيقة واحدة.

أجمعت جل الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة، على نزاهة وشفافية اقتراع 27 شتنبر 2002، وتحدث الناس عن برلمان سترتفع فيه نسبة حضور النائبات من 0.6 إلى 11 % ، وتحدثوا عن حكومة، وعن تحالفات، وعن أغلبية، وعن وزير أول…. واحتدم الصراع، واشتد التنافس، وانطلت الأكذوبة إلا على من رحم الله تعالى،.

إذا كان هناك من نصيحة ينبغي تقديمها للمتهافتين هذه الأيام، فهي قراءة دستور المملكة، ليعرف القوم عن أي برلمان يتحدثون؟ وما هي اختصاصات الحكومة التي يتسابقون لتشكيل أغلبيتها؟

إن الوزير الأول لا تأثير له في النظام السياسي المغربي، نعم إن القوانين تنفذ تحت مسؤوليته، لكن هل عند ذلك تتوقف مسطرة التنفيذ؟ وإنه يمارس السلطة التنظيمية، وينسق النشاطات الوزارية، لكن في مجالات دون أخرى… ومع ذلك فقد تم اختياره من فصيلة التقنوقراطيين، لتتأكد بذلك طبيعة المسار السياسي المغربي، إنها تعليمات المخزن التي زكاها “الديمقراطيون الحداثيون” بتصويتهم بنعم على دستور 1996، وهي نفسها التي ستلزمهم بإيجاد مسوغات للقرار المخزني و لو بجلد الذات عوض تحديد أصل البلية، و البلية مخزن مطلق اليدين.