شكلت المحطة الانتخابية التي شهدها المغرب يوم 27 شتنبر لحظة كثر فيها القيل والقال، وسال حولها مداد كثير، وتنوعت حولها الآراء والمواقف، وتناقضت بشأنها المقاربات والتحليلات.

وبالإعلان الرسمي عن النتائج الكاملة تطوي البلاد صفحة أخرى، وتضيف تجربة إلى تجارب انتخابية أخرى كانت كلها محط انتقاد واستنكار كل مكونات المجتمع، بما فيها مهندسوها وصانعوها، وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الجميع يبذل قصارى الجهود، ويخرج كل أوراقه ليجعلها انتخابات مخالفة لسابقاتها شكلا ومضمونا. فهل تحقق شيء من ذلك؟.

في دواعي رفع الشعار

رفعت السلطة منذ بداية الإعداد الأولي لانتخابات 2002 شعار انتخابات مغايرة لسابقاتها، ويمكن اختزال دواعي ذلك في :

1- حرص الملك الجديد على التخلص من تركة مسمومة ورثها من عهد بائد، بإجماع الكل، بالخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان والتحكم القهري في مصير البلاد والعباد من خلال تزوير كل الاستشارات الشعبية،الاستئتار بثروات البلاد من طرف نخبة احتكرت مصادر الرزق والمال وكل إمكانات التأثير.

لهذا فبمجرد وصول الملك الجديد إلى العرش حرص على تصفية مجموعة من الملفات القديمة، وخاصة الحقوقية، ولكن مع الأسف لم تشهد تلك المبادرة إجماعا إذ بقيت المقاربة المعتمدة محط نقد العديد من الفاعلين وقد جاء الدور على الانتخابات وهي بمثابة محطة لاختبار قدرات العهد الجديد.

2- بمجرد ما فتح النقاش حول ولاية حكومة التناوب التوافقي بدأ الإجماع يتحقق حول ضعف الحصيلة ومحدوديتها، وعدم تحقيقها للمأمول منها ولذلك لم يبق لها من إنجاز نوعي يمكن أن تغطي به على هزالة نتائجها سوى إجراء انتخابات نزيهة في عهدها، ولهذا رفع وزيرها الأول شعار ” انتخابات لا يطعن فيها أحد”.

3- الداعي الثالث يتجلى في المد الديمقراطي المتنامي في بلدان العالم، والرفض المطلق من قبل المنتظم العالمي للاستشارات الشعبية المزورة، كما يتجلى في كون تزوير الانتخابات لن يخدم مصالح المغرب في علاقته مع خصومه، وكذا باقي دوائر القرار في العالم، وخاصة فيما يرتبط بسيادته على أراضيه، لأن هذا التزوير سيستغل كمادة دعائية ضد المغرب بدعوى عدم قدرته على بسط سيادته على أراضيه بالطرق المتعارف عليها ديمقراطيا في العالم.

بسبب هذه الدواعي كان طبيعيا أن ترفع السلطة في المغرب شعار “انتخابات مخالفة لسابقاتها” فهل تم تنفيذ مقتضيات هذا الشعار؟

الهدف من هذه الانتخابات

شكلت هذه الدواعي منطلقات أطرت سير الإعداد للانتخابات، وكانت السبب في مراجعة نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي واللوائح الانتخابية وبعض تقنيات التصويت مثل الرموز عوض الألوان والورقة الفريدة والمداد غير القابل للمحو بسرعة. وهذه كلها إجراءات كان القصد منها تحقيق تغيير في شكل الانتخابات عساه يقود إلى تغيير في المضمون، و هذا يجعلنا نصل إلى ما يلي:

1-إعادة الثقة إلى المواطنين.

2-تحقيق إجماع حول نزاهة هذه الانتخابات.

3-تشكيل حكومة قوية ومنسجمة

4-تشكيل خريطة سياسية تفرزها صناديق الاقتراع.

لكن الملاحظ أن مسار الإعداد حكمه هاجس شكل ضابطا لقبول أي تغيير ويتجلى في عدم استعداد السلطة لتلقي أية مفاجأة، وهذا ما أفرغ كل التغييرات من مضمونها، لهذا لا يمكن إطلاقا أن نستسيغ إرادة السلطة في إجراء انتخابات نزيهة مفتوحة على كل الاحتمالات، ومفتوحة في وجه كل الفاعلين في المجتمع، وتتاح فيها الفرصة بالتساوي أمام الجميع، وهذا ما يمكن ملاحظته طيلة مراحل العملية الانتخابية كلها سواء أثناء الإعداد، أو الاقتراع، أو الإعلان عن النتائج.

لقد كانت السلطة تتدخل في الانتخابات السابقة بطرق سافرة وبدائية و مكشوفة، وهذا صار منبوذا من طرف الجميع، كما أسلفنا الحديث في ذلك في الدواعي، وأكدت السلطة عمليا عدم استعدادها لفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات، ولذلك صبت كل جهودها لابتكار طرق جديدة للتأثير في النتائج عن بعد والتحكم في الخريطة، وتوصلت إلى اعتماد وسائل قانونية وسياسية، تجلت في:

*الوسائل القانونية

1- اعتماد نمط اقتراع جديد من شأنه تقزيم حصيلة كل حزب وتشتيت أصوات الناخبين مما يجعل كل فائز عاجزا عن التأثير، ويبقى الجميع تحت رحمة السلطة.

2- اعتماد تقطيع انتخابي جديد لا يخضع لمعايير موضوعية.

3- اعتماد قانون انتخابي مرن يترك فراغات وهوامش تترك المجال مفتوحا للخروقات.

4- الاقتصار على تحيين اللوائح الانتخابية السابقة عوض مراجعتها مع العلم أنها لوائح طعن فيها الجميع إبان وضعها وشابتها خروقات بالجملة.

5- عدم تغيير سن التصويت ليشمل فئة من الشباب الذين تتراوح سنهم بين 18 و21 سنة، والذين يبلغ عددهم حسب الإحصاءات الرسمية ما يفوق مليون ونصف، وعدم فتح المجال للمغاربة القاطنين بالخارج، لأن السلطة تعرف مسبقا ميولات هذه الكتلة.

* الوسائل السياسية:

1- إقصاء وقمع كلًً( المشاغبين) أو الذين يتحدثون بلغة أخرى غير لغة السلطة، وقيادة حملة دعائية للتشويه والتعتيم ضد من يحتمل أن يشوش على الخطاب الرسمي- الحرب ضد ما اصطلحوا عليه بالسلفية الجهادية- وشن حملة متابعات واختطافات ومحاكمات ضدهم.

2- عدم استغلال فترة الانتخابات لفتح الباب لتعددية سياسية حقيقية تتمثل فيها كل الآراء.

3- تشتيت الخريطة الحزبية وذلك من خلال الانشقاقات التي عرفتها الأحزاب خلال هذه الفترة، وكذا من خلال عدد الأحزاب الجديدة التي تأسست.

4- التحكم في نسبة تغطية الدوائر بالنسبة للذين يحتمل أن تأتي منهم المفاجأة.

5- إقصاء ساكنة مجموعة من أحزمة البؤس( الكاريانات) لأنهم يشكلون رقما قد يقلب المعادلة.

باعتماد هذه الوسائل لم تعد هناك فائدة في التلاعب بالنتائج ومع ذلك حصلت المفاجأة، وحدث ما لم يكن في الحسبان، ولعل هذا سر تأخير النتائج.

فشل ذريع في الوصول إلى الأهداف.

لقد فشلت السلطة في تحقيق هدفها وجعل هذه المحطة مخالفة لسابقاتها شكلا ومضمونا، لأن الخروقات بقيت كما هي، وما تناقلته وسائل الإعلام طيلة مراحل العملية الانتخابية شاهد على ذلك إذ أن مجلدا كبيرا لن يكفي لتجميعها، وحتى الأهداف الجزئية لم يتحقق منها شيء، وهذا ما يمكن أن نلاحظه مما يلي:

1- إعادة الثقة للمواطنين: كان تجاوب المواطنين مع هذا الاستحقاق فاترا وهذا يتضح مما يلي:

أ- كانت نسبة المشاركة هزيلة مقارنة بالحملة الإعلامية التي وظفت فيها السلطة كل وسائل التأثير والتواصل (إعلام، مناشير، إدارة، فنانون، رياضيون…) واستنفرت لها كل الجهود حيث وصل عدد مكاتب التصويت إلى 37 ألف مكتب.

ب- وصل عدد البطاقات الملغاة رقما قياسيا، إذ بلغ 15 في المئة من مجموع البطاقات المدلى بها، وسبب ذلك أن العديد من المواطنين صوت بالإكراه لأن العديد من رجال السلطة يجبرونهم على ذلك إن هم أرادوا الاستفادة من العديد من الوثائق الإدارية، بل إن المرء يعجب حين يقرأ في جدران بعض المقاطعات عبارة:” بطاقة الناخب تسهل لك الحصول على وثائقك الإدارية”. أليس هذا نوع من الإكراه والضغط؟

ج- بلغ عدد الناخبين الذين لم يسحبوا بطاقاتهم حوالي 3 ملايين وهو ما يوازي 20 في المئة وهذا رقم يعبر عن درجة تفاعل المواطنين مع هذا الحدث،هذا دون أن نؤكد على أن النسبة الكبيرة من الناخبين الآخرين توصلوا بها عن طريق أعوان السلطة الذين تحركوا في الأيام الاخيرة بوثيرة متسارعة وهذا ما يفسر تركيز السلطة يوميا على التسويق الإعلامي للبطاقات المسحوبة.

د- أدلى وزير الداخلية في تصريحه برقم مثير للدهشة والشفقة في نفس الآن حين عبر أن عدد المواطنين الذين شاركوا في تجمعات الأحزاب لم يتجاوز 350000 مواطن، وهذا رقم ذو دلالة واضحة على مدى تجاوب المواطنين مع هذا الاستحقاق الانتخابي.

ه- ولا نفتأ نذكر أن هذا العدد قد توصلت له السلطة بحملة إعلامية أحادية استأثرت فيها وحدها بوسائل التأثير، وحرصت على تسويق الإيجابيات فقط، وبالمقابل حرمت الرأي المخالف من أبسط وسائل التعبير، ولنا أن نتصور نسبة المقاطعة التي كان يمكن أن نصل إليها لو فتح المجال بالتساوي للرأي الآخر، لأن هذه الأرقام التي نتحدث عنها كانت تلقائية ودون بذل أدنى جهد لتأطير المواطنين.

لهذا نرى أن مقارنة نسبة المشاركة مع ما يقع في باقي دول العالم الديمقراطية غير مقبول، لأنه لا قياس مع وجود الفارق.

2- خريطة سياسية واقعية وحقيقية: لا يمكن الحديث عن هذا الهدف لأن تحقيقه رهين بفتح المجال لتعددية سياسية حقيقية تتمثل فيها كل الآراء، ويجري فيها الاقتراع بكل حرية وشفافية ويصادق فيها على القوانين المؤطرة للعملية الانتخابية بإجماع بين مختلف الفرقاء السياسيين.

3- انتخابات لا يطعن فيها أحد: ولعل المتتبع لتصريحات قيادات الأحزاب، و لما نشرته الجرائد يصل إلى أن هذا الهدف بقي سرابا يحسيه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

4- حكومة قوية ومنسجمة: وقد كان هذا رهان مجموعة من الأحزاب، ولكن النتائج لم تزد الأمر إلا تعقيدا وتشتيتا وتمزيقا.

الأسئلة العالقة:

1- هل تم القطع مع التزوير؟: إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تحديد معنى التزوير،فإن كان يقصد به التدخل لصنع خريطة سياسية على المقاس، فهذا بالضبط ما وقع في انتخابات 27/09/2002، وإن كان المقصود به شيئا آخر فلا ندري.

2- ما فائدة انتخابات نزيهة؟ وتقطيع انتخابي نزيه؟ وقانون انتخابي جديد؟

إن غاية ما يمكن أن تبلغه الانتخابات النزيهة هو فرز مؤسسات نزيهة بها أشخاص نزهاء، وأن تعبر نتائجها عن حقيقة الخريطة السياسية، ولكن هل هذا هو القصد منها؟

إن الغاية من الانتخابات في كل بلدان الديمقراطية تحقيق التداول على الحكم، وهذا ما لا يتوفر في المغرب، ولذلك فالبحث عن النزاهة يجب أن يأتي في الأولوية بعد العمل على تمتيع المؤسسات التي تفرزها الانتخابات بالصلاحيات اللازمة لها.

الانتخابات تفرز مؤسسة تشريعية، وهذه الأخيرة تخضع في أولويات عملها لإرادة الملك، حيث إن ف 28 من الدستور ينص على أن الملك هو الذي يفتتح دوراتها بخطاب غير قابل للنقاش، وجرت العادة أن يتدخل هذا الخطاب في الكليات والجزئيات ويرتب الأولويات، ويشخص الخلل، ويصف العلاج، ويعرض الوسائل و…

والتجربة أثبتت أن هذه المؤسسة يستغنى عن خدماتها في كثير من الملفات لفائدة لجن معينة يوكل إليها مباشرة مجموعة من الاختصاصات (التعليم، الصحراء، المرأة، الاستثمار…)

والانتخابات تفرز حسب موازين القوى سلطة تنفيذية، وهذه الأخيرة تتمتع بصلاحيات واسعة، لكننا في المغرب نجد أنفسنا أمام حكومة مشلولة، فالفصل 61 يؤكد أن الحكومة لا تضع السياسة العامة ولكنها تنفذها فقط والفصل 62 يؤكد أن الأمور الأساسية تتداول في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك بمعية مستشاريه&& والفصل 24 ينص على أن الملك غير ملزم بتعيين الوزير الأول من الأغلبية.

إذن ما جدوى هذه الانتخابات والذين يحكمون بالفعل ويتحكمون في كل صغيرة وكبيرة لا يخضعون للانتخاب والمساءلة والمحاسبة؟

أليس الشعب في حاجة إلى الأموال التي تنفق على هذا الموسم وقد بلغت حسب آخر الأرقام ما يفوق 40 مليون دولار؟

أليس الأجدى بنا أن نبحث عن المدخل للإصلاح من باب آخر بعدما جربنا المدخل الانتخابي مرات عديدة، وكانت النتيجة في كل مرة أسوأ من سابقاتها؟

أليست هذه فرصة أخرى وتجربة إضافية لنراجع الحساب؟؟؟