شهد المغرب يوم الجمعة 27 شتنبر 2002 الانتخابات التشريعية السادسة في تاريخه السياسي الحديث والأولى في عهد الملك محمد السادس.

وإذا كان كثير من المراقبين قد اعتبر هذه الانتخابات بمثابة اختبار حقيقي ومباشر “للعهد الجديد” خصوصا في ظل الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المزرية التي يعيشها الشعب المغربي والتي تفاقمت بمجيء حكومة التناوب التوافقي بالقيادة الاشتراكية. فإن كل الأطراف الرسمية والحزبية المشاركة قد رفعت بصوت واحد شعار النزاهة والمصداقية والشفافية والقطع مع أساليب العهد البائد.

غير أن الأسلوب التحايلي الجديد الذي استعملته السلطة باعتماد تقطيع انتخابي جديد، وتفريخ أحزاب جديدة في زمن قياسي فاق كل التصورات ـ وهي للأسف الشديد عادة مخزنية قبل كل استحقاقات انتخابية ـ ، واعتماد أسلوب “الحياد” الذي وصفه كثير من المراقبين والحزبيين بأنه كان حيادا سلبيا في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى إقصاء جماعة العدل و الإحسان على اعتبار أنها لا تريد أن تحتوى تحت معطف غير معطفها، واعتماد أسلوب الضغط على بعض الأحزاب خصوصا الإسلاميين منهم لعدم تغطية كل الدوائر الانتخابية الواحدة والتسعين… كل هذا أثر بشكل كبير على “الصورة الديمقراطية” التي ما فتئ المخزن المغربي يروج لها إعلاميا وسياسيا داخليا وخارجيا، لتأتي النتيجة النهائية والتي أعلن عنها وزير الداخلية بعد حوالي 48 ساعة من التأخر بمثابة الصدمة التي قلبت كل التوقعات وحولت شهر شتنبر من عرس انتخابي جماهيري إلى “أيلول الأسود المغربي “.

1) الصدمة الأولى: نسبة المشاركة 52% وهي أدنى نسبة في تاريخ المغرب.

2) الصدمة الثانية: انهيار أحزاب بكاملها يمينا ويسارا لتثبت لنا التجربة أنه لولا تزوير وزارة الداخلية في الماضي لما تمتعت أحزاب كثيرة بطول العمر ورغد العيش.

3) الصدمة الثالثة: تحقيق حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي ل 38 مقعدا مما أفقد حتى بعض المعلقين في قنواتنا التلفزيونية المغربية رشدهم وموضوعيتهم في تقبل النتيجة، رغم أن هذا الحزب لم يغط سوى 56 دائرة انتخابية.

4) الصدمة الرابعة: نسبة البطائق الملغاة 15% أي حوالي مليون ناخب وهي نسبة أكثر من معبرة في ظل حملة إشهارية دعائية كبيرة جند لها المخزن والأحزاب جيوشا من اللاعبين والفنانين لضمان إقبال شعبي مكثف.

5) الصدمة الخامسة: استمرار استعمال المال الحرام والنفوذ والعصابات (البلطجية على حد تعبير إخوتنا المصريين)، والعنف المؤدي إلى القتل، وليس محاسبة بضعة مقدمين وشيوخ (جمع شيخ وهو المختار عند أهل الشام) وعميد شرطة وعامل (محافظ) إلا الشجرة الصغيرة التي تخفي الغابة الكثيفة السوداء لمدى استشراء الفساد السياسي والأخلاقي في الهرم السياسي والإداري للمغرب.

وإذا ابتعدنا شيئا ما عن تصريح وزير الداخلية المعتبر أطول تصريح يقدمه وزير داخلية مغربي لإعلان النتائج (أزيد من ساعة)، والذي أكد فيه أن النتيجة مهمة ومقبولة وتجعلنا في مصاف الدول الديمقراطية الحرة، وأن المنتصر في النهاية هي الديمقراطية !! قلت إذا ابتعدنا عن هذا التصريح سنجد بالمقابل اهتماما أمريكيا ملحوظا بالانتخابات التشريعية المغربية الأخيرة حيث تم تجنيد المئات من “المراقبين” عبر كل التراب الوطني لتتبع العمليات الانتخابية. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة كثيرة التحرك على الساحة المغربية فإننا نعتقد أن هذا الفضول الأمريكي الجديد، له أكثر من دافع وسبب. خصوصا في ظل التقارب المتنامي مع السلطات المغربية في أكثر من ملف.

وعموما يمكن القول إن المغرب قد خرج من المياه الإقليمية ودخل إلى المياه الدولية، هذه المرة ليس من مضيق جبل طارق ولكن من مقر وزارة الداخلية بالرباط… وإن غدا لناظره لقريب !!