الخبر/النتائج عرفناه، وها هو ذا التعليق الحر؛

تمخض الجبل فولد فأرا.

انقشع غبار موسم أول انتخابات في العهد الجديد وريثِ العهد القديم عن أرض قاحلة إلا من الدعاية المخزنية المترددة في كل الأنحاء تتبعها دعايةُ أحزاب أرغمها الإفلاس أو الهزيمة أو الطمع أو الخوف أو التملق والنفاق أو الانتهازية أو الاجتهاد التبريري الضعيف على المشاركة في لعبة يعلم الجميع أن الرابح الوحيد فيها هو النظام المخزني الحاكم. انقشع الغبار عن فشل كبير وقاتل للدولة المخزنية التي ألقت بكل ثقلها، في معركة انتخابات شتنبر2002، من أجل تجديد واجهتها القديمة وترسيخ سطوتها وتبييض صحائف عهد “تازمامرت” السوداء.

لقد جندت الدولة كل إمكاناتها وطاقاتها وسائرَ ما تملكه من وسائل مادية وإعلامية وإدارية ودعائية، لتجرّ الشعب المغربي المستضعفَ الغارقَ في الجهل والفقر بما كسبت أيدي الحكام الظلمة، إلى المشاركة، أو قل لتَجُرَّ مِنْ هذا الشعب مَنْ سجّل نفسه، طوعا أو كرها، في لوائح الانتخابات، حتى يتسنى لها الفَيْشُ بالنسبة العالية للمشاركة، وبالتالي نجاحها في الرهان وتقديم القُوى المعارضة للنظام المخزني، وفي مقدمتها جماعة العدل والإحسان، للرأي العام على أنهم قلة على الهامش لا تأثير لهم في الشعب الذي اختار “الديمقراطية” “النزيهة” “الشفافة” ومعها “الحداثة” و”اللائكية اللادينية”.

مُغنُّون، وممثلون، ورياضيون، ومثقفون، وسياسيون، وكُتّاب ومحللون أكاديميون، وأساتذه جامعيون، وجمعيات ومؤسسات ومنظمات، وأموال ومجهودات جبّارة في كل الاتجاهات، كل أولئك من أجل تحريك الشعب المغربي الذي يئس بفعل ما لحقه جرّاء السياسات المخزنية المتواصلة عبر عهود وعهود.

وقد شارك الإسلاميون التابعون لحزب “العدالة والتنمية” الذي يتزعمه الدكتور عبد الكريم الخطيب في هذه الدعاية ونشروا، على طريقتهم في استغلال مشاعر الدين لدى الشعب المغربي المسلم، أن المشاركة في الانتخابات “واجب شرعي”، وهو ما يُفهم من عكسه، أن عدم المشاركة تركٌ لواجب شرعي.

قالوا كل شيء في حملاتهم الدعائية إلا شيئا واحدا، وهو أن الناجحين في هذه الانتخابات لن يكون بيدهم سلطة قرار ولا سلطة تنفيذ، وإنما السلطات المطلقة بيد الملك “المقدس” الذي لا يُراقَب ولا يُتابَع ولا يُحاسَب. فهل من الإسلام تقديسُ الحاكم؟ وهل من الإسلام أن يكون مَنْ بيده مطلق السلطات فوق المراقبة والحساب؟ وهل من الإسلام السكوتُ عن المنكر الأكبر وشغلُ الناس بجزئيات أعراض الداء العضال داء العض والاستبداد؟ وهل من الإسلام أن يتصرف فرد أو عائلة في ثروات الأمة بغير حسيب ولا رقيب؟ وهل من الإسلام أن يعيش عتاة المجرمين في عزة وكرامة بلا عقاب؟ وأسئلة كثيرة من هذا القبيل كانت غائبة في معظم، إن لم نقل في كل الحملات الدعائية، التي نظمتها الأحزاب الستة والعشرون المشاركة.

لقد فضحتهم نسبة المشاركة الباهتة، التي لم يجدوا مفرا من إظهارها، حتى يحافظوا على بعض ماء الوجه، والتي نزلت إلى أقل من 40% باحتساب عدد الأوراق الملغاة التي وصلت إلى 15%، طبعا حسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية.

52%، وهي نسبة المشاركة، يُنقص منها 15%، وهي نسبة الأوراق الملغاة، فتكون الحصيلة النهائية للمشاركة هي 37%، مع استحضار أولئك الذي ذهبوا إلى الصناديق تحت وطأة التهديد أو الطمع أو المجاملة، وكذلك أولئك الذين لم يتحركوا يوم 27 شتنبر إلا بفعل الدعاية المخزنية التي ظاهرها الحريةُ والاختيارُ، وباطنها التهديد والإرهاب، أوبفعل التعصب القبلي أو الحزبي أو الإديولوجي الأعمى، أو بهما معا.

باختصار، لا ننسى من الأرقام الرسمية المنشورة أن 61% من المسجلين في اللوائح الانتحابية أميون، وأن 43% منهم عاطلون.

فضيحة بكل المقاييس، لو كان عند القائمين على دولتنا المخزنية بقيةٌ من حياء أو مروءة أو دين.

وفي خطاب طويل وممل دام حوالي ساعة ونصف، مُترجَم ترجمة رديئة عن الفرنسية، قرأه وزير الداخلية مساء يوم الأحد 22 شتنبر 2002 قراءةً أنهكت بعض الأسماع بما حفلت به من الأخطاء واللحن والتهجّي في نطق بعض الكلمات، دافعت الدولة المخزنية عن النتائج المُحصَّلة، ورفضت أي تفسير سياسي لهبوط نسبة المشاركة، بل لم يتردد وزير الداخلية في الحكم بأن هذه النسبة الفاضحة تسلك المغرب في عداد “الديمقراطيات العريقة”…”بَازْ”…ثم “بَازْ”، و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

وبعد، فإذا كنا لا نزعم أن هذه المشاركة الهزيلة كانت نتيجة مباشرة لموقف المقاطعين، وفي مقدمتهم جماعة العدل والإحسان، فإن المؤكد أن إحجام المغاربة عن الاستجابة بهذا الحجم الكبير يعدّ أول صفعة نوعية يتلقاها العهد الجديد ومهندسو سياساته وانتخاباته، كما يُعدّ دليلا غنيا عن التأويل والتفسير على أن حبل الكذب والتزوير والاستبداد والقمع والإقصاء دائما قصير وإن جحد الجاحدون وتعامى المفلسون والمغرضون.

لا لدولة العض والاستبداد. لا للتزوير الأكبر. لا لسياسة التغريب والمسخ الثقافي. لا لتبذير أموال الأمة بغير حسيب ولا رقيب. لا لمهازل الديمقراطية المخزنية.

“لا” قالها المغاربة بأسلوبهم الخاص، وهم واقعون تحت سياط الدعاية المخزنية. قالوها وهم واقعون تحت وطأة الحاجة والضرورة اليومية. قالوها وهم يأملون أن يكون الصبح قريبا.

الدولة بكل ثقلها، وستة وعشرون حزبا بكل ما تملك من قوة ووسائل، والنتيجة: “لا” لديمقراطية الأشكال وتوزيع الامتيازات. “لا” لديمقرطية المؤسسات الصورية والانتخابات التجميلية الاستهلاكية.

لقد سُقَط في يد الدولة المخزنية فانقلبت خاسرة لم تنل خيرا، و”كفى اللهُ المؤمنين القتالَ. وكان الله قويا عزيزا”(من اآية 25 من سورة “الأحزاب”)

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين