هل من الضروري التذكير بأن مكونات التيار الإسلامي في المغرب تؤمن بالمشاركة السياسية؟ وهل من الضروري التذكير بأن السلطات العمومية هي التي ما زالت تمتنع عن منح الشرعية القانونية لهذه المكونات؟ وهل من الضروري القول إن المشاركة السياسية لا تفيد قطعا المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية؟ إن التعبيرات التنظيمية للتيار الإسلامي المغربي بفعل التلاقي الموضوعي بين الاستراتيجية الدينية للمؤسسة الملكية والتكتيك الديني للأحزاب السياسية تجد نفسها خارج “اللعبة الانتخابية” ما دام أن تلك الاستراتيجية وذلك التكتيك يجتمعان في رفض قيام “الحزب الديني”، وحتى عندما يسمح لبعض الإسلاميين بالمشاركة في اللعبة الانتخابية، فذلك يتم بكيفية غير مباشرة من خلال حزب سياسي قائم.

يدفع استحضار هذا الوضع المتمثل في محدودية مشاركة “الإسلاميين” في اللعبة الانتخابية إلى التساؤل عن خلفيات ومبررات الترويج لأطروحة “الاجتياح الإسلامي” لاستحقاقات 27 سبتمبر، ومن هم المسؤولون عن ترويج هذه الأطروحة؟ في حين تظهر المعطيات المتوفرة وسلوكيات الفاعلين أن منطق التوازنات هو الذي سيسود. تأسيسا على ما سبق يمكن الحديث عن مشاركة الإسلاميين في الاستحقاقات الانتخابية من خلال أطروحتين: أطروحة الاكتساح وأطروحة التوازن.

1ـ أطروحة الاكتساح:

هناك طرفان يروجان أطروحة الاكتساح الإسلامي، التيار الحداثي من جهة وبعض إسلاميي “حركة التوحيد والإصلاح” من جهة أخرى، انطلاقا من حسابات سياسية متباينة.

أـ التيار الحداثي:

في ظل “العهد الجديد” عرفت الخريطة السياسية تموقعات جديدة، فلم نعد نتحدث عن يمين ويسار أو عن ليبرالية واشتراكية وإنما نتحدث عن حداثة وظلامية، من مع حقوق المرأة ومن ضد هذه الحقوق. فالتيار الحداثي هو الذي يرفع الآن شعار “المشروع المجتمعي الديموقراطي الحداثي” في مواجهة الظلاميين/ الإسلاميين، هذا التيار هو الذي ما فتئ يروج لأطروحة الاكتساح الإسلامي لصناديق الاقتراع بناء على اعتبارين:

ـ الاعتبار الأول يتمثل في التشديد على ضرورة عدم التمييز بين إسلاميين “معتدلين” وإسلاميين “متطرفين”، فمواصفات الإسلامي تتنافى أصلا مع الاعتدال. ولقد أظهرت الاعتقالات التي طالت بعض المجموعات التي أدرجتها السلطات الأمنية في خانة الإسلام المتطرف متجسدا في جماعة “التكفير والهجرة” و”السلفية الجهادية” كيفية استخدام التيار الحداثي لهذا الاعتبار، حيث كان ينطلق من التنديد بـ”السلفية الجهادية” لينتهي بالتنديد بـ”إسلاميي حزب العدالة والتنمية”.

ـ الاعتبار الثاني يتجلى في حقيقة توزيع الأدوار بين مكونات التيار الإسلامي، وعليه لا ينبغي التمييز بين أنصار المشاركة وأنصار المقاطعة ما دام أنه عند الضرورة يحصل التنسيق بينهم، لذلك فالتخوف قائم من اكتساح إسلاميي حزب العدالة والتنمية لصناديق الاقتراع بفضل دعم “جماعة العدل والإحسان”. إن التيار الحداثي وهو يروج لأطروحة الاكتساح الإسلامي رغم عدم اقتناعه بها كان يسعى إلى توجيه رسالة تخويف في اتجاهين; أولا في اتجاه السلطة السياسية لدفعها إلى فك ارتباطها بهؤلاء الإسلاميين “غير مأموني الجانب” رغم ولائهم الظاهر وثانيا في اتجاه الكتلة الناخبة للتأثير في توجهاتها من خلال التركيز المبالغ فيه على مساوئ “الظلاميين”.

ب: إسلاميو “التوحيد والإصلاح”

بحسابات سياسية مختلفة عن حسابات التيار الحداثي ساهم بعض إسلاميي “حركة التوحيد والإصلاح” في الترويج لأطروحة الاكتساح الإسلامي انطلاقا من التشديد على كون “الإسلاميين” يشكلون القوة الأولى في المغرب. إن هذا التشديد يعكس حقيقة الوضع لكنه يوقع في نوع من الخطأ عندما يتم تقديم الإسلاميين باعتبارهم “جسما واحدا”، فمثل هذا القول يضفي المشروعية على تصور التيار الحداثي الذي لا يميز بين إسلاميين “معتدلين” وإسلاميين “متطرفين” كما يضفي المشروعية على دعواه بوجود تنسيق “انتخابي” بين مكونات التيار الإسلامي.

يساهم إسلاميو حركة التوحيد والإصلاح في الترويج لأطروحة الاكتساح الإسلامي بحديثهم عن حرصهم على مراعاة التوازنات من خلال تقديم عدد محدود من مرشحيهم للانتخابات باسم “حزب العدالة والتنمية”. إن مثل هذا القول يقتضي تقديم بعض التوضيحات:

ـ يتعلق الإيضاح الأول بكون الإسلاميين يشكلون القوة السياسية الأولى في المغرب، غير أن إسلاميي “حركة التوحيد والإصلاح” يمثلون نسبة ضئيلة داخل هذه القوة السياسية.

ـ يرتبط الإيضاح الثاني بضرورة التمييز بين الإسلاميين كقوة “سياسية” والإسلاميين كقوة “انتخابية”، فأغلب الإسلاميين هم خارج “اللعبة الانتخابية”، وبالتالي فهم في الظرف الراهن يشكلون قوة انتخابية “بالقوة” ولا يشكلون قوة انتخابية “بالفعل” ما دام أن المقتضيات القانونية لا تسمح للجمعيات الإسلامية بتقديم مرشحيها لعدم توفرها على الصفة الحزبية، ومادام أن الجماعة الإسلامية الوازنة داخل التيار الإسلامي وهي جماعة العدل والإحسان لا تعتبر نفسها معنية بهذه الانتخابات.

ـ يتجلى الإيضاح الثالث في انعدام وجود تنسيق “انتخابي” بين إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان. فالرؤى جد متباعدة والتقديرات السياسية جد متباينة بين الطرفين، ولقد قدمت جماعة العدل والإحسان من خلال بعض وثائقها أخيرا انتقادا صريحا لخيار المشاركة الانتخابية. في ظل هذه المعطيات نتساءل عن الخلفيات التي تدفع إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح إلى الترويج لأطروحة الاكتساح الإسلامي لصناديق الاقتراع لو أرادوا ذلك ولكنهم يتجنبونه “حفاظا على مصلحة الوطن”؟ يمكن الإشارة إلى الرغبة في توجيه رسالتين إلى طرفين مختلفين:

ـ الرسالة الأولى موجهة إلى التيار الحداثي قصد منازعته مشروعية ادعائه “تمثيلية” الشعب المغربي، فالترويج لأطروحة الاكتساح يفيد أن المغاربة جميعهم مع “الخيار الإسلامي”، وأن حركة التوحيد والإصلاح من خلال حزب العدالة والتنمية هي الممثل لهذا الخيار.

ـ الرسالة الثانية موجهة إلى باقي مكونات التيار الإسلامي خاصة جماعة العدل والإحسان قصد تبرير خيار المشاركة الانتخابية وإظهار المغاربة المسلمين من خلال اكتساحهم لصناديق الاقتراع كرافضين لخيار المقاطعة. وفي الوقت الذي يتم فيه الترويج لأطروحة الاكتساح الإسلامي لصناديق الاقتراع نلاحظ أن منطق التوازنات هو الذي يحكم اللحظة السياسية الراهنة ويؤسس لمشروعية الحديث عن أطروحة بديلة:

2ـ أطروحة التوازن

تستمد أطروحة التوازن بين الفاعلين السياسيين في استحقاقات 27 سبتمبر مصداقيتها بفعل تحكم السلطة السياسية في خيوط اللعبة الانتخابية، تحكم يتأسس على قواعد وآليات.

أـ قواعد التوازن:

هناك قاعدتان تعتمدهما السلطة السياسية ضمانا للتوازن بين مكونات المشهد السياسي: الأولى ذات طبيعة سياسية والثانية ذات طبيعة قانونية.

تتمثل قاعدة التوازن ذات الطبيعة السياسية في تكريس مشهد حزبي ينم ظاهره عن تعددية سياسية ويكشف باطنه عن تشرذم يفقد هذه التعددية الحزبية دلالاتها، ففي هذه الاستحقاقات يشارك 26 حزبا سياسيا من بينها 11 حزبا سياسيا يشارك لأول مرة. لقد كانت تظهر دوما أحزاب سياسية جديدة عند اقتراب موعد الانتخابات سواء في استحقاقات 1963 أو استحقاقات 1977 و1984 و1993 و1997، لكن عددها كان جد محدود، فهذه أول انتخابات تسجل هذا “التناسل الحزبي”، حيث تأسس حزب واحد نتيجة توحد بعض الأحزاب الأخرى وهو حزب “اليسار الاشتراكي الموحد” الذي يضم ثلاثة أحزاب وهي “منظمة العمل الديموقراطي والشعبي” و”الحركة من أجل الديموقراطية” و”حركة الديموقراطيين المستقلين” إضافة إلى مجموعة “الميدان” التي تتكون من بعض الفعاليات اليسارية المستقلة، وتأسست ستة أحزاب جديدة انشقت عن أحزاب قائمة وهي: “المؤتمر الوطني الاتحادي” و”حزب الإصلاح والتنمية” و”حزب البيئة والتنمية” و”حزب العهد” و”الاتحاد الديموقراطي” و”حزب التجديد والإنصاف”، إضافة إلى تأسيس أربعة أحزاب سياسية تعتبر نفسها عذراء، وهي “حزب القوات المواطنة” و”رابطة الحريات” و”مبادرة المواطنة والتنمية” و”الحزب المغربي الليبيرالي”.

إن اعتماد التعددية الحزبية في صيغتها الراهنة التي تكرس نوعا من التشرذم تروم إقرار توازن “انتخابي” وذلك بتشتيت أصوات الكتلة الناخبة على عدد كبير من الأحزاب،خاصة أن برامج هذه الأحزاب متماثلة في محاورها العامة، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى تماثل الشعارات،وهنا نشير إلى الاتهامات التي وجهها حزب العدالة والتنمية إلى الحركة الشعبية بسرقة شعاره: “أصالة عدالة تنمية”.فقراءة أولية لبرامج الأحزاب تدفع إلى القول إن أربعة مفاهيم أساسية مشتركة تشكل جوهر هذه البرامج:

ـ أصالة، التي تحيل على المسألة الثقافية ببعدها الديني.

ـ ديمقراطية، التي تحيل على المسألة السياسية.

ـ عدالة، التي تحيل على المسألة الاجتماعية.

ـ تنمية، التي تحيل على المسألة الاقتصادية.

وسط هذا التماثل في البرامج والشعارات يجد حزب العدالة والتنمية الذي يخشى اكتساحه لصناديق الاقتراع باعتباره حزبا حاضنا لبعض الفعاليات الإسلامية نفسه بدون تمييز، وحتى تركيزه الشديد على المرجعية الإسلامية زاحمته فيه العديد من الأحزاب الأخرى، ألم يشدد حزب الاستقلال على سبيل المثال لا الحصر على أن الميزان الذي اتخذه رمزا هو رمز الإسلام.

وتتجلى قاعدة التوازن ذات الطبيعة القانونية في اعتماد أسلوب الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على أساس أكبر بقية، فإمكانية اكتساح حزب سياسي بأغلبية المقاعد نسبيا كانت ممكنة في ظل أسلوب الاقتراع الأحادي الاسمي في دورة واحدة والذي كان معتمدا في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، أما اعتماد أسلوب الاقتراع الجديد فلن يخول أية تشكيلة سياسية إمكانية الاكتساح وهكذا سيغدو أسلوب الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي قاعدة من قواعد ضمان التوازن بين مكونات المشهد الحزبي.

ب: آليات التوازن

تعتمد السلطة السياسية آليتين لإقرار التوازن: آلية الإقصاء وآلية الاحتواء.

وتمارس آلية الإقصاء ضد بعض مكونات التيار الإسلامي انطلاقا من اعتبارين:

ـ الاعتبار الأول يتمثل في رغبة السلطة السياسية في “تحييد” القوة الانتخابية لجماعة العدل والإحسان وذلك بعدم الاعتراف بالجماعة كجمعية ذات صبغة سياسية أو الاعتراف بالدائرة السياسية التابعة للجماعة كحزب سياسي، مما يجعل الجماعة خارج اللعبة الانتخابية.

الاعتبار الثاني يتجلى في رغبة السلطة السياسية في عدم التخلي عن بعض ثوابت خياراتها والمتمثلة أساسا في عدم الترخيص لبعض مكونات التيار الإسلامي بتشكيل حزب سياسي. فنفس السياسة التي لم تسمح لحركة الإصلاح والتوحيد بتأسيس حزب التجديد الوطني سنة 1992 هي نفسها التي أعيد انتهاجها هذا الصيف، صيف 2002، عندما رفضت السلطات العمومية الترخيص لـ”حركة البديل الحضاري” بتأسيس “حزب البديل الحضاري”.

تحتاج آلية الإقصاء لتكون وسيلة لإقرار التوازن إلى آلية نقيضة هي آلية الاحتواء. وهذه الآلية هي التي تفسر “دفع” بعض إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح إلى العمل سياسيا من خلال حزب الدكتور عبد الكريم الخطيب، حزب “الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية” قبل تغيير اسمه ليصبح “حزب العدالة والتنمية” سنة 1998 ورغم التناقضات التي بدأت تطفو على السطح بين إسلاميي “الخطيب” والتيار الحداثي، يبدو أن السلطة السياسية في ظل العهد الجديد ما زالت تعتبرهم جزءا من لعبة التوازنات خاصة بعد توجيه عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان مذكرة “إلى من يهمه الأمر” إلى الملك محمد السادس، ولقد تجسدت آلية الاحتواء في إشراك أحمد الريسوني رئيس حركة التوحيد والإصلاح في “الدروس الحسنية” ومنح وصل مؤقت لحركته قبل أن تتراجع السلطات العمومية عن ذلك لأسباب “تكتيكية”.

إن آلية الاحتواء التي اعتمدتها السلطة السياسية ستنعكس على طبيعة خطاب إسلاميي حزب العدالة والتنمية الموجه للكتلة الناخبة حاليا. فخطاب “المرجعية الإسلامية” الذي يركز عليه هذا الحزب ليقدم نفسه كحزب “إسلامي” لا ينافس خطاب المرجعية الإسلامية الذي تتبناه المؤسسة الملكية، فهو خطاب يؤسس لمشروعيته من داخل حقل إمارة المؤمنين بمواصفاته الدستورية، مما يجعل منه خطابا يعيد إنتاج خطاب الإسلام الرسمي، وهو ما يجعله في حالة “طلاق” مع خطاب جماعة العدل والإحسان.

نستخلص من خلال محاولة قراءتنا للمشاركة الانتخابية للإسلاميين اعتمادا على منطلقات أطروحة التوازن حقيقتين أساسيتين:

ـ الحقيقية الأولى تكمن في كون الإسلاميين يشكلون قوة سياسية دون أن يشكلوا راهنا قوة انتخابية بفعل خيار المقاطعة الذي تنهجه جماعة العدل والإحسان.

الحقيقة الثانية ترتبط بعدم وجود أية إمكانية لاكتساح إسلاميي حزب العدالة والتنمية لصناديق الاقتراع بفعل تحكم السلطة السياسية بخيوط اللعبة الانتخابية