يوم 27 سبتمبر(أيلول) 2002، يشهد المغرب الانتخابات التشريعية لأعضاء مجلس النواب بعد مضي خمس سنوات على البرلمان الحالي الذي انتخب سنة 1997، و الذي أفرز ما اصطلح عليها بحكومةًً ( التناوب التوافقي) برئاسة الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، حيث توافق الملك الحسن الثاني مع أحزاب” اليسارًً” وأخرى من” الوسط” وأحزاب” ليبرالية” لتشكيل حكومة خارج ميزان الأغلبية و الأقلية في البرلمان.

نتطرق هنا لمعطيات حول الأجواء التي تمر فيها هذه الانتخابات من شأنها أن تساعد في استطلاع سناريوهات ما بعد 27 سبتمبر الجاري.

هذه أول استحقاقات انتخابية بعد رحيل الملك الحسن الثاني، و هي الأولى في عهد الملك الحالي محمد السادس. و هذا ما يجعلها امتحانا نهائيا للتمييز بين العهدين بعدما أثبت اختبار الحريات أن مخلفات الماضي مازالت تحظى بالنفوذ الواسع ، وهذا ما يشهد عليه التضييق والمنع الذي تعرضت له عدد من الصحف( الصحيفة،العدل و الإحسان، رسالة الفتوة، المستقل، الشمال…) و كذا قمع الطلبة ومحاكمتهم في العديد من الجامعات خاصة المحمدية و الجديدة و فاس، بالإضافة المنع المتواصل لجماعة العدل و الإحسان و الجمعيات ذات الصلة بها، ناهيك عن التدخلات العنيفة المتكررة ضد المعطلين حاملي الشهادات.

لا أحد ينكر، بما في ذلك الجهات الرسمية، أن كل الانتخابات التشريعية السابقة كانت غير نزيهة، حيث كانت تعرف تدخل الإدارة لترجيح حزب على آخر أو سكوتها عن استعمال المال في كسب الأصوات، مما كان يساعد على صنع الخريطة السياسية خارج صندوق الاقتراع.

اليوم كثيرون يراهنون أن تكون الانتخابات القادمة شفافة و نزيهة معتمدين في ذلك على ضمانة الملك محمد السادس الشخصية الذي تعهد بسلامة الانتخابات من أي شائبة. ورغم هذا يبقى التحدي قائما خاصة إذا علمنا أن نفس الضمانة سبق الحسن الثاني أن قدمها في انتخابات 1997 و رغم ذلك عرفت تزويرا مكشوفا شهد به أهلها قبل الأغيار. كما لا يفوتنا التذكير أنه في العهد الحالي جرت الانتخابات الجزئية سنة 2000 وشهدت استعمال الإرشاء على نطاق واسع اضطر وزير الداخلية السابق أحمد الميداوي للاعتراف به.

يتبارى في هذه الانتخابات 26 حزبا مما يفتت كتلة الأصوات و يحول دون تشكيل أغلبية برلمانية لها قوة التمثيلية لتنفيذ برنامجها، هذا فضلا عما تسببه هذه الكثرة من تشابه في البرامج تتعقد معها على الناخب عملية التمييز و الاختيار.

تجري الانتخابات وسط مقاطعة قوى سياسية وازنة لها، و على رأسها جماعة العدل و الإحسان التي تعتبر أن المشكلة لا تتعلق بالانتخابات في حد ذاتها من حيث نزاهتها من عدمها أو بالقانون الانتخابي هل هو سليم أم مختل؟ إنما المعضلة، حسب الناطق الرسمي باسم الجماعة ذ. فتح الله أرسلان، سياسية محضة تتعلق بتركيبة النظام المخزني و بالدستور المعتمد الذي يخول للملك صلاحيات واسعة لا تخضع للمساءلة و لا المحاسبة مما يجعل أية حكومة، مهما كانت مصداقيتها، غير قادرة ولا سلطة حقيقية لها في إدارة الشؤون العامة في غياب المرتكزات المهمة للسلطة أي العدل و الخارجية و الدفاع و الأوقاف و الداخلية، وهي الوزارات التي تسمى في المغرب بوزارات السيادة حيث أن الملك هو الذي يعين وزراءها و ليس الوزير الأول.

كما يقاطع الانتخابات كل من الحركة من أجل الأمة و حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحركة النهج.

عرفت الحملة الانتخابية فتورا بارزا، و هذا يرجع إلى الإحباط الذي يشعر به المواطن المغربي بعد خيبة الأمل التي أصابته جراء فشل حكومة الاشتراكيين في تحقيق تطلعاته التي تراكمت مع الحكومات السابقة، و المواطن يجد نفسه اليوم حائرا لمن يعطي صوته، إن هو صوت، بعدما جرب كل القوى السياسية المشاركة.

كل المشاركين يبررون انخراطهم في اللعبة غير المتوازنة، و يتغاضون عن كل مساوئها بدعوى مساهمتهم في تجنب إنذار الحسن الثاني بوقوع السكتة القلبية. وهم يتناسون تحذيرا سابقا عن هذا حينما وصف البرلمان بالسيرك، وما أرى ما يجري اليوم إلا سيركا يعج بالبهلوانات و الأجواق و الأبواق ، أقول هذا حقيقة لا تمثيلا و كلنا يشاهد كيف أن كل الأحزاب لا تقوى على عقد تجمع إلا بالاستعانة بجوق أو مهرج. فأنى لسيرك أن يعالج سكتة قلبية !؟

و أخيرا هذه أرقام دالة صرحت بها وزارة الداخلية حول الأوضاع الاجتماعية للمسجلين في اللوائح الانتخابية: فعدد المسجلين وصل إلى 14 مليون و23 ألف و 604 مواطنا، منهم 7 ملايين و 145 ألف و 703 رجلا أي بنسبة 51% ، و6 ملايين و877 ألف و 900 امرأة أي بنسبة 49%.

أما عدد الأميين فيبلغ إلى 8 ملايين و 610 ألف و 672 مواطنا أي بنسبة 61% من المسجلين، و هذا يدل على أن الفئة المتعلمة و المثقفة، وهي واسعة، تقاطع حتى التسجيل في اللوائح الانتخابية فلم يتجاوز عدد المسجلين من أصحاب التكوين العالي 954 ألف و 159 .

كما يلاحظ أن المسجلين العاطلين عن العمل يمثلون نسبة 43% و عددهم 6 ملايين و 52 ألف و 519.

هذه ملاحظات تجعل سؤال ما بعد الانتخابات أكثر تعقيدا و إثارة و مدعاة للترقب المتوجس في وسط الكل يبحث فيه عن الجديد الذي يرجح كفة التفاؤل