في كثير من البلدان المتطورة اقتصاديا، تكون مواعيد الاستحقاقات مناسبة لانطلاق التنافس في برامج الأعمال الصالحة، التي يوفون بها بمجرد انتهاء حمى الانتخابات. هذا التنافس المحمود وسيلة مطلوبة عند ذوي الألباب، لو لم تلجأ له البشرية للبثت في بطن التخلف إلى يوم يبعثون. والبلدان التي أفلح حكامها في تفجير آليات التسابق بين الناس في الخير، تتقدم وتنمو وتتطور، ويعتد بها وتحترم أيما احترام. لكن الأمم التي ابتليت بولاة فجروا آليات التنافس في الشر بين الناس، فهي لا تنتج إلا نكدا، ولا يعتد بها بين الدول، بل يشار لها سرا وعلانية بالاحتقار والسخرية.

بلدنا لا يزال قابعا في مؤخرة البلدان المتخلفة في المرتبة ما بعد 120 من بين دول العالم، بعد نصف قرن من الاستحقاقات الماضية. فهل تلك الفرص كانت مجرد مواعيد يبرع فيها الدجالون لإحكام ربطنا مع النوع الثاني من التنافس؟ هل هناك مؤشرات أو استعدادات أو حتى مجرد نيات للقطيعة مع هذا الواقع المزري؟

لا نقول كما قال بعضهم عن الاستحقاقات المقبلة: “زوبعة أخرى ثارت في فنجان عرافة، وسينقشع الغبار عن زمرة جمعت كل رويبض فويسق، تكلم في الناس ووعدهم ومناهم، ووجد فيهم قابلية التعلق بكل قشة هشة وسط سيل الفقر والجهل الذي يجرفهم، محاولا تجريدهم من لباس التقوى والكرامة.

بل نقول الكلمة السواء التي تدعو للتعاون على البر والقوى، وتذكر بالحكمة البشرية التي استطاعت نفخ الروح في الأمم بعد سباتها. في القرن الماضي أعطى الأمريكيون الانطلاقة لتنافس شركتين في بناء خطوط السكك الحديدية، فما لبثوا إلا قليلا حتى غطت شبكتها كافة الولايات من المحيط الأطلسى إلى المحيط الهادي. وكان الأمر كذلك بالنسبة لخطوط الهاتف وشبكة الطيران ومعامل الصلب والفولاذ ومركبات السيارات وغيرها من المشاريع الكبرى التي تحرك كافة القطاعات المنتجة وتيسر القطاعات الخدماتية المؤطرة. حماسة ومسارعة وحيوية تحرك الناس وتدفعهم لبذل الجهد، والتعاون ، وتوزيع ثمار التقدم والنماء.

وقبل هذا النموذج دعا سلطان العلماء العز بن عبد السلام الأمراء وعلية القوم في مصر للتنافس على تمويل الجهاد ضد التتر والصليبيين، فجمع لبيت المال ما فيه الكفاية، دون أن تفرض المكوس على الشعب الفقير، واستطاع الجيش المصري رد هجوم أخطر الغزوات في التاريخ الإسلامي.

وكذلك الحال في المغرب عندما نفر العلماء الربانيون، وتنافس الحكام والناس في مؤازرتهم لرد الهجمات الصليبية عندما اشتد جنونها في القرون الأخيرة …

هذا التنافس المفجر للطاقات، الذي يقلب دول العادات ، يكاد ينعدم تحت أجوائنا في هذه الفترة من تاريخنا. لقد حل مكانه التنافس غير الشريف، الذي يحرك الأجهزة الساهرة على حماية الزور وأهله، ودوام إمداده وإرضاعه بأساليب التوزيع الجائر لوسائل التنمية وثمارها، وبنظام الهبات المزاجية للثروات العامة ومصادرها، طلبا لولاء زائف متزلف، أو مصانعة لمتملق منبطح ، أو ثمنا قليلا يفرح به الشياطين الخرس ديدان القراء وعلماء القشور. وعلية القوم لا يدفعون من جيوبهم شيئا أبدا ، بل الدافع المؤدي الشعب، يزداد فقرا وتخلفا وحرمانا ومديونة وتبعية للخارج.

في هذه الظروف الحرجة، يتعايش في البلد جنبا لجنب صنفان من الناس:

– فريق من أنصار الزور الذين تضيق صدورهم كالذي يصعد إلى السماء كلما سمعوا القول الفصل من ربهم ” ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون … الفاسقون …الظالمون “،

– فريق يخشى أن يقع في الفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا منا خاصة، بل تأتي نارها الدنيوية إذا سعرت، على البر والفاجر. وهو أشد خوفا من أن يحشر مع الكفار والفساق والظلمة في النار الأخروية أعاذنا الله من نار الدنيا والآخرة.

وسيبقى الفريقان متدافعين متنافسين إلى يوم يبعثون، سنة من سنن دار الامتحان والبلوى والتمحيص، ولذلك خلقهم ربهم، حتى ظن البعض أن وجود الفرقاء وتدافعهم يشكل سبب تطور البشرية.

شيء مطلوب أن يتنافس ويتساكن ويتعايش الناس تحت قيادة مصلحة تستثمر المسارعة الطبيعية للناس لجلب المصالح ودرء المفاسد والعمل الدنيوي الجاد. عندئذ تتحسن الأوضاع وتتفجر الإبداعات ويبرز النماء والتطور. لكن خير من هذه الحال أن يتاح ذلك التنافس تحت قيادة صالحة مصلحة تقود الناس وتوجههم لتحقيق سعادة الدارين .

والعكس صحيح، تتدهور أحوال المجتمع وتفشل جهوده وتفشو الأمراض إلى حدود اندثار الأمم وسيطرة أخرى عليها كلما وجه الحكام الناس للتنافس في الشر وإفرازاته من فاحشة وفسق وزيف وسرقة ورشوة وتهميش للطاقات الشابة وطلب حماية أعداء الأمة ونصرتهم …

فأي إمكانية للتساكن والتعايش تتاح في هذه الظروف؟ إنها بوادر الفتن والمحن سحبا قاتمة ورياحا عاتية توشك أن تعصف بالعمران الأخوي وترمي به في مكان سحيق.

عاش اليهود والنصارى في كنف الدولة الإسلامية ولا حرج عليهم أن يتحاكموا إلى توراتهم، أو أن يأتوا إلى حاكم المسلمين ليحكم بينهم بشرعة القرآن.

رغم تآمر الغرب ومكائده، تساكن الصينيون البوذيون مع المسلمين في سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، وفجر فيها الحكام آليات التنافس الحر الشريف ، فكان التطور والازدهار الاقتصادي، والكل يحترم مبدأ “لكم دينكم ولي دين”.

أما نحن، فقد أفلح المارقون في إخراج ثلة من بني جلدتنا من دينهم الذي يسوس شؤون الدنيا والآخرة، وتفردوا بدولة تدين بمذهب اللادينية ، وهي مجرد برغواطية حديثة ، استبدت فارضة قوانينها على من ينكرها. وهي تروم بشراهة وحرص شديد تسطيحنا بمواثيقها، بذريعة المشروعية الدولية ، مع علمهم بأصول بعض مسلماتها بشرعة التلموذ الصهيونية.

اللادينية تريد أن نتعايش معها على مواثيقها، بدون أن تتشاور معنا في أي بند من بنودها، وتلكم ذهنية متخلفة لم تكن حتى في الجاهلية الأولى، أحرى أن يقبلها العصر الحديث.

ميثاق التربية والتعليم … ميثاق إدماج المرأة … ميثاق الاستثمارات الاقتصادية…ميثاق الشرف… ميثاق اللعبة السياسية …ميثاق توزيع الكعكة الاقتصادية… مواثيق من السهل التعرف على مرجعيتها وغايتها ووسائلها ودعاتها وأنصارها…

اللادينية تصمم على التحكم فينا بقوانين منافية لشرعنا، وتحاول بإصرار مراوغتنا ببند من الدستور يقول دون أن يفعل بإسلامية الدولة .

واليوم وقد صحا الشعب من سكرته، واستقام الجواد من كبوته، وتيقن كل ركاب السفينة أنهم مهددون بالغرق، فما المطلوب لتدبير الاختلاف؟ كيف يمكن صرفه إيجابيا ليصير تنافسا بناءا للمستقبل المشترك ؟ كيف يساهم الجميع في البناء كل منطلق من معسكره ومن مرجعيته ووجهته التي ارتضاها لنفسه؟

حتى لا تغرق السفينة المشتركة…ولكي نتقي فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منا خاصة…فتنة كون الدين بعضه لله وبعضه لقيصر، كما يدعون … لا بد من ميثاق للتعايش السلمى بين الفرقاء الذين من حقهم أن يختلفوا، لكن ليس من حقهم أن يستبدوا. من حقهم أن يتنافسوا، وليس من حقهم أن يحتكروا ويفرضوا رؤيتهم و شرعتهم التي ابتدعها لهم من تولوهم من أعداء الدين.

ألا وإنه استبداد غير مسبوق في دار الإسلام : فرض قوانين تتناقض مع شريعة الإسلام. ألا وإن من آكد الواجبات الدينية والدنيوية التصدي له لدحضه وتسفيه أحلامه بقوة المعارضة السلمية وصرامة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وقد آن الأوان لذلك لما اتضح الأمر وانقشع الضباب .

اللائيكية حققت كل ما وكل لها تحقيقه، بحكم انتمائها ومرجعيتها وولائها ووجهتها ومصالحها وبيعتها وهويتها…

1- نجحت في بسط سيطرتها على المسلمين في ديارهم، والتحكم فيهم بغير دينهم؛

2- جردتهم من سلاح الدفاع عن أنفسهم، إلا ما يأتيهم من خردة من مصانع الغرب وشريطة أن لا يشهر إلا في وجوه المسلمين؛

3- أخضعت اقتصادهم للتبعية الغربية، وألزمت ميزانهم التجاري موقع العجز الدائم بحكم ميكانزمات الاقتصاد الربوي الجشع.

4- أفلحت في استنزاف ثرواتهم بأبخس الأثمان.

5- أبعدتهم عن كل ما من شأنه أن يقويهم ويساهم في نهضتهم وخاصة في مجالات التصنيع وتنمية شبكة السكك الحديدية وبناء الأساطيل البحرية، وشجعت عوض ذلك الصناعات المخربة للدين كصناعة الكحول والمخدرات والسياحة الجنسية.

6- مكنت للشركات العالمية والرساميل الصهيونية احتكار سوق المواد الأساسية.

7- أفلحت في تجريد الأمة من طاقاتها الإبداعية الشابة وبذرت بذور تفشي العطالة وتنوعها وديمومتها لكي ترتاح الشركات المتعددة الجنسيات للعمالة الرخيصة المضمونة.

8- غضت الطرف عن تسرب يهود ودعاة التطبيع لمراكز التربية والثقافة والإعلام ليلوثوا الهوية ويتسوروا حصون المناعة والقوة، بينما المنطق السليم يقتضي اختبار صدق مواطنتهم بتكليفهم بجلب التكنلوجيا المتطورة وبناء الصناعات المصنعة.

9- أفلحت في قلب موازين القيم بنشر الميوعة وهدم الأسرة وعقوق الوالدين والإجرام المالي والأخلاقي…

واللائحة السوداء لا تنتهي… والسلبيات لا تحصى… والإخفاقات لا تنسى…

فما العمل للتساكن مع اللادينية؟ إنها تستبد اليوم وتقصي من لا يدين بدينها، وتتساءل عن مصيرها تحت الحكم الإسلامي، وتلقي عليه باللائمة على نواياه المبيتة في إقصائها. كيف يمكن نبذ هذا التصابي الفكري ؟ هل اللادينية مستعدة لميثاق يمنع الاستبداد على كل الفرقاء ويمهد للتعددية الحقيقية التي لا تقصي أحدا؟ كيف يمكن إدارة الاختلاف بالشكل الذي لا يفضي للعنف ويمكن في آن واحد بناء البلد وتنميته تنمية حقيقية تبعث الأمل للأجيال الحالية والمقبلة؟

كاد الفقر أن يكون كفرا… عجبت لمن لم يجد قوت يومه، ولم يقم للناس بسيفه… توشك حكمة سيدنا علي وسيدنا أبي ذر رضي الله عنهما، أن تترجم في واقعنا المزري في صورة شباب ملفوظ يائس يقوم لانتزاع الحقوق بالسيوف المهندة، وبالصيغ والمسوغات التي توفرها له اللاييكية /المافيا، والمؤسسات المنبثقة عنها، التي تدين بدين الاحتكار والرشوة، ولا تطيق من ينافسها ولا من يراقبها في طغيانها واستبدادها وضعف أدائها وسوء تدبيرها…

فلربما مهدنا للميثاق الإسلامي السياسي بميثاق اجتماعي اقتصادي ، يمنع انزلاق شبابنا في ويلات العنف المتولد عن الموبقات التسع التي أشرنا لها آنفا.

والحل الذي يفرض نفسه على النظام حتى وإن كان له حلف ومودة وتعاطف مع اليسار المنصب حاليا ومع مرتزقة الاستعمار الجديد، بقايا مسامير الإدارة الأوفقيرية، الحل هو فتح باب التنافس لبناء المستقبل المشترك والمسارعة في العمل الصالح الذي يمكن أن ينجينا جميعا من الهلاك.

فلربما هندسة التغيير السلمي تفلح حيث فشل الغاوون الذين يحتكرون ويقولون ما لا يفعلون، وينظرون من بروج عزلتهم عن الشعب المسلم وهم يعمهون في تصميمهم على إبعاد أصحاب الأرض من المشاركة في البناء، وفتح الباب على مصراعيه للاستعمار الجديد، كما فتحوه له في القرن الماضي، ولربما من نفس المكان الذي دشن فيه نظام الحماية: مدينة الدار البيضاء حرسها الله بحفظه، وحماها مما يحاك ضدها من شر(…).

ينخرط في ميثاق التساكن ورعاية الحقوق ، كل من أراد عصمة ماله واستجاب للتوبة و العفو الاقتصادي ، تأليفا للقلوب…و الجيوب.

ميثاق التساكن والتنافس في بناء المستقبل المشترك ربما يكون فرقاؤه أصحاب الميثاق الإسلامي من جهة، والذين لا يقبلون حكم الشريعة، واختاروا التحلل من فرائضها، وكذلك أصحاب الملل والنحل من أبناء البلد، من جهة أخرى.

فهي دعوة حضارية لإدارة الاختلاف، وللتنافس في العمل المجدي الذي يصلح ما أفسده زمن الزور، الذي فقد كل مصداقية. نتفق جميعا على منطلقاته، وغاياته، والطريق الموصلة إليه، والوسائل المرصودة له، ومصادرها، وطرق مراقبتها. أسلوب للتفاهم وكسر العزلة ومد جسور الحوار الهادئ المسؤول.

يمكن أن ينطلق من الاتفاق على آليات التنافس الطبيعية باعتماد مبدأ القطبين أو الأقطاب المتنافسة في العمل الصالح، في جميع المجالات الحيوية، وخاصة في المجالات التالية:

في المجال الاقتصادي والمالي: التنافس بين الاقتصاد الربوي والاقتصاد الإسلامي- توطين التكنلوجيا الغربية يتنافس مع توطين التكنلوجيا الإسلامية أو المحايدة – بيت مال الزكاة والخراج والصدقات و الوقف وغيرها من مصادر مال الدولة الإسلامية، يتنافس مع صناديق الجبايات والضرائب والرسوم. والتنافس يكون في مجالات التحصيل والصرف – صفقات وأوراش تتولاها شركات إسلامية ممولة من بيوت التمويل الإسلامي تتنافس مع الشركات العالمية – وقس على ذلك من مشاريع النماء الحقيقية والاعتماد على الذات .

في المجال الاجتماعي: يتنافس الناس في اختبار مقترحاتهم لحل المعضلات الاجتماعية بالنسبة للمرأة والعاطل والطفل والمعوق والمشرد ، وفي محاربة الأمية والرشوة والفساد والميوعة، وفي مجال حماية البيئة والنظافة…الخ

في المجال الإعلامي والثقافي: القنوات الفضائية اللاييكية تتنافس مع قنوات فضائية إسلامية – جمعيات ثقافية لاييكية تتنافس مع جمعيات إسلامية في تأطير الشعب وتربيته وتوجيهه – تعليم لاييكي يتنافس مع تعليم إسلامي- …الخ

في المجال الحقوقي والقضائي: ضمان الحريات العامة والتصدي للاستبداد من خلال آليات الشورى والديمقراطية، واعتماد خيار ازدواجية القضاء وضمان حرية التقاضي للمحاكم الإسلامية أو المحاكم اللاييكية التي لا تعتمد الشريعة الإسلامية…

وقس على ذلك من الإبداعات التدبيرية للاختلاف، التي ستبقى مجرد حلم، ربما يتحقق في سنغافورة أو كوالالمبور أو جكرتا أوطهران، لكنه تحت أجوائنا، ينتظر رجالا وارثين لميراث التغيير، يكون لهم قدم السبق في إيقاظ الهمم وشحذ العزائم، لنكون قدوة صالحة للمسيرة البشرية، في مقومات وقيم التكريم والاستخلاف الآدمي على الكون كله، عوض أن نكون نموذجا للخمول في مؤخرة الأمم، ومثالا للتنافس في الشر