كنا قد بدأنا في الحلقات الماضية سلسلة عنوناها “حوار مع الغرب”، وتأبى الأقدار الإلهية إلا أن تضعنا على المحك هذه الأيام بعد الأحداث التي شهدتها منطقة البحر الأبيض المتوسط وتحديدا الأزمة التي نشبت بين المغرب وإسبانيا بخصوص جزيرة ليلى أو “تورة”.

إن أهمية الحدث وخطورته في نفس الوقت تكمن في أن طرفي النـزاع يشكلان بحد ذاتهما قطبين رئيسيين من أقطاب هذا الحوار الحضاري الإنساني المنشود الذي طالما اشرأبت له أعناق العلماء والمفكرين وكل الفاعلين الإنسانيين من الضفتين، وإذا كنا غير ملزمين لأسباب كثيرة للخوض في تفاصيل هذا النـزاع التاريخي والذي يمكن إجماله في انعدام التوازن بين البلدين وبالتالي بين الضفتين، مما يجعل القوة المادية والعسكرية والأمنية هي الحكم والفصل في مثل هذه النـزاعات، فإننا بالمقابل لا بد من إبداء بعض الملاحظات بخصوص هذه المشكلة التي تعتبر كما عبر عن ذلك أحد المتخصصين بمثابة الشجرة الصغيرة التي تخفي الغابة الكبيرة من المشاكل التاريخية بين البوابتين الحضاريتين العظيمتين.

لن نكون مثل السياسيين الزمنيين الذين تتحكم فيهم نزوات الحملات الانتخابية الضيقة، ولا مثل الذين يرقصون على جراح شعوبهم كلما أتيحت لهم الفرصة؛ للوصول إلى الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذا الدرس الخطير والذي دشنا به الألفية الثالثة وللأسف الشديد.

الملاحظة الأولى التي تطفو على السطح هي: أن كل قنوات الاتصال بين الحضارات عبر أنحاء العالم، وكل المعابر الحدودية الكبيرة تعرف اللاستقرار الدائم والنـزاع السرمدي، ولعل جزءا من خلفية هذه النـزاعات الحدودية يرجع إلى المرحلة الاستعمارية الحديثة -دون إغفال جوانب تاريخية أخرى هامة-. وفي رأيي أن أم البدايات تكمن في نقل هذه النـزاعات من توترات حدودية عقيمة إلى “توترات” فكرية تصب في أعمال أكاديمية وثقافية تكون فيها الغلبة للإبداع الإنساني وتحقيق أكبر قدر من المنفعة المادية والروحية والثقافية لكل بني البشر على اختلاف مشاربهم واعتقاداتهم.

الملاحظة الثانية: التي يثيرها هذا النـزاع هي أن التجربة أثبتت إلى حد كبير فشل المنظمات الإنسانية الدولية كالأمم المتحدة مثلا، في المقابل تركت الساحة كلية لدول عملاقة تًُُُُُُُشرع حسب مصالحها وتتدخل لفض النـزاعات كلما كان هناك ربح استراتيجي مضمون، ولعل الوساطة الأمريكية بين المغرب وإسبانيا بخصوص مشكل جزيرة “ليلى” لا تخرج عن هذه القاعدة وهنا تكمن الخطورة !!.. كيف ذلك؟؟

إن مجموعة كبيرة من دول لها تاريخ عريق في الحضارة الإنسانية مثل المجموعة الأوربية والتي كنا نعتقد أنها ستقوم بدور حاسم في نزع فتيل النزاع بين المغرب وإسبانيا:

أولا: لأنها معنية مباشرة بنتائج هذا النـزاع كيفما كانت.

ثانيا: بحكم الجغرافيا.

ثالثا: للعلاقات التاريخية التي تربط دولا كثيرة منها بالمغرب وبإفريقيا.

رابعا: لأن إسبانيا عضو في المجموعة الأوربية … فالأولى أن يكون تدخل المجموعة الأوربية قويا مع العدل والإنصاف.

قلت: كل هذه المعطيات تراجعت أمام وساطة أمريكية أثبتت لنا أن البعد الجغرافي لدولة عظمى ليس له كبير قيمة في الدبلوماسية الحديثة أمام هذا النفوذ القوي في البحر الأبيض المتوسط .. لنتساءل:

– لماذا هذا الضعف الأوربي لحل قضايا مشتركة مع أقرب ضفة تبعد بـ14 كيلومترا؟؟

– هل تراجع دور الأمم المتحدة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية مؤشر قوي لنهاية حلم هيئة عالمية يخضع فيها الجميع لقوة القانون وليس لقانون القوة؟

إن إثارتنا لهذه الأسئلة يأتي في سياق تحديد مربع الحوار الذي نقترحه على الغرب لضمان حوار جدي فاعل مستمر ومتكافئ. وبغير هذا التكافؤ، وبغير محو كل الخلفيات العالقة في أذهان هذا الطرف أو ذاك، سيبقى الحوار صناعة الضعفاء والأمم الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، سيبقى الحوار عملة لا قيمة لها في حد ذاتها اللهم إلا إذا كانت مسنودة بملايين المقاتلين المتدربين أحسن تدريب، وآلاف المدرعات بالغة الحصانة والقوة، ومئات الطائرات الشبح أو المقنبلات التي تمطر الموت والرعب والدمار فوق رؤوس بني البشر البؤساء.

كلمة أخيرة في الموضوع.. إذا كانت للسياسيين حساباتهم، وللعسكريين أهدافهم، وللوبيات المتحكمة مصالحهم، فإننا نذكر العالم أن للشعوب أيضا كلمتها مهما كانت ضعيفة … أكثر من ذلك إن الله عز وجل هو الذي يدبر الأمر ما له من شريك، وستبقى لقصة داود وجالوت الخالدة الكلمة الفصل في انتصار عدالة السماء والحق والخير على البغي والظلم وقهر البلاد والعباد، “فاعتبروا يا أولي الأبصار” صدق الله العظيم.

وإلى لقاء…