ولقد بلغني أن توبة المسلم كإسلام بعد إسلام وقال عبد الله بن سلام: “لا أحدثكم إلا عن نبي مرسل أو كتاب منزل، إن العبد إذا عمل ذنبا ثم ندم عليه طرفة عين سقط عنه أسرع من طرفة عين”. قال عمر رضي الله عنه: “اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة”. وقال بعضهم: “أنا أعلم متى يغفر الله لي. قيل: ومتى؟ قال إذا تاب عليَّ”. وقال آخر: “أنا من أن أحرم التوبة أخوف من أن أحرم المغفرة”، أي المغفرة من لوازم التوبة وتوابعها لا محالة. وقال ذوالنون المصرى رحمه الله: “تعالى إن لله عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب، وسقوها بماء التوبة، فأثمرت ندما وحزنا، فجنوا من غير جنون، وتبلدوا من غير عي ولا بكم، وإنهم هم البلغاء الفصحاء العارفون بالله ورسوله، ثم شربوا بكأس الصفاء، فورثوا الصبر على طول البلاء، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت، وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت، واستظلوا تحت رواق الندم، وقرءوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع، حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا واستلانوا خشونة المضجع، حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة، وسرحت أرواحهم في العلا حتى أناخوا في رياض النعيم، وخاضوا في بحر الحياة وردموا خنادق الجزع، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم، واستقوا من غدير الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة، حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة”. فهذا القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة مقبولة لا محالة .

فإن قلت: أفتقول ما قالته المعتزلة من أن قبول التوبة واجب على الله؟ فأقول: لا أعنى بما ذكرته من وجوب قبول التوبة على الله إلا ما يريده القائل بقوله: إن الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ، وإن العطشان إذا شرب الماء وجب زوال العطش، وأنه إذا منع الماء مدة وجب العطش وأنه إذا دام العطش وجب الموت. وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة بالإيجاب على الله تعالى. بل أقول : خلق الله تعالى الطاعة مكفرة للمعصية، والحسنة ماحية للسيئة، كما خلق الماء مزيلا للعطش، والقدرة متسعة بخلافه لو سبقت به المشيئة. فلا واجب على الله تعالى، ولكن ما سبقت به إرادته الأزلية فواجب كونه لا محالة. فإن قلت: فما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته، والشارب للماء لا يشك في زوال عطشه. فأقول: شكه في القبول كشكه في وجود شرائط الصحة، فإن للتوبة أركانا وشروطا دقيقة كما سيأتي، وليس يتحقق وجود جميع شروطها، كالذي يشك في دواء شربه للإسهال وذلك لشكه في حصول شروط الإسهال في الدواء؛ باعتبار الحال، والوقت، وكيفية خلط الدواء، وطبخه، وجودة عقاقيره وأدويته. فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة، وموجب للشك في قبولها لا محالة.

الركن الثاني: فيما عنه التوبة وهي الذنوب صغائرها وكبائرها: اعلم أن التوبة ترك الذنب، ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته، وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا. فمعرفة الذنوب إذن واجبة. والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل. وتفصيل ذلك يستدعي شرح التكليفات من أولها إلى آخرها، وليس ذلك من غرضنا، ولكنا نشير إلى مجامعها وروابط أقسامها والله الموفق للصواب برحمته.

بيان أقسام الذنوب بالإضافة إلى صفات العبد: اعلم أن للإنسان أوصافا وأخلاقا كثيرة على ما عرف شرحه في كتاب عجائب القلب وغوائله، ولكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات: صفات ربوبية، وصفات شيطانية، وصفات بهيمية، وصفات سبعية، وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاط مختلفة، فاقتضى كل واحد من الأخلاط في المعجون منه أثرا من الآثار، كما يقتضي السكر والخل والزعفران في السكنجبين آثارا مختلفة.

فأما ما يقتضي النزوع إلى الصفات الربوبية فمثل الكبر، والفخر، والجبرية، وحب المدح والثناء، والغنى وحب دوام البقاء، وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول: أنا ربكم الأعلى. وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم يعدوها ذنوبا وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي كما استقصيناه في ربع المهلكات.

الثانية: هي الصفة الشيطانية التي منها يتشعب الحسد، والبغي، والحيلة، والخداع، والأمر بالفساد، والمكر، وفيه يدخل الغش، والنفاق، والدعوة إلى البدع والضلال. الثالثة: الصفة البهيمية، ومنها يتشعب الشره، والكلب، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنه يتشعب الزنا، واللواط، والسرقة، وأكل مال الأيتام، وجمع الحطام لأجل الشهوات. الرابعة: الصفة السبعية، ومنها يتشعب الغضب، والحقد، والتهجم على الناس بالضرب والشتم والقتل، واستهلاك الأموال، ويتفرع عنها جمل من الذنوب.

وهذه الصفات لها تدريج في الفطرة؛ فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولا، ثم تتلوها الصفة السبعية ثانيا، ثم إذا اجتمعا استعملا العقل في الخداع والمكر والحيلة وهى الصفة الشيطانية، ثم بالآخرة تغلب الصفات الربوبية وهي الفخر، والعز، والعلو، وطلب الكبرياء، وقصد الاستيلاء على جميع الخلق. فهذه أمهات الذنوب ومنابعها ثم تنفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح؛ فبعضها في القلب خاصة، كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس، وبعضها على العين والسمع، وبعضها على اللسان، وبعضها على البطن والفرج، وبعضها على اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن.ولا حاجة إلى بيان تفصيل ذلك فإنه واضح.

قسمة ثانية: اعلم أن الذنوب تقسم إلى ما بين العبد وبين الله تعالى، وإلى ما يتعلق بحقوق العباد. فما يتعلق بالعبد خاصة كترك الصلاة والصوم والواجبات الخاصة به. وما يتعلق بحقوق العباد كتركه الزكاة، وقتله النفس، وغصبه الأموال، وشتمه الأعراض. وكل متناول من حق الغير فإما نفس أو طرف أو مال أو عرض أو دين أو جاه وتناول الدين بالإغواء والدعاء إلى البدعة، والترغيب في المعاصي، وتهييج أسباب الجراءة على الله تعال،ى كما يفعله بعض الوعاظ بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف. وما يتعلق بالعباد فالأمر فيه أغلظ، وما بين العبد وبين الله تعالى إذا لم يكن شركا فالعفو فيه أرجى وأقرب