لقد كانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أول من نصح منظمة التحرير الفلسطينية وبين لها مخاطر المنزلق المتمثل في دخول نفق أوسلو، والذي بموجبه تخلّت السلطة التي كانت ولا زالت تتحدث باسم منظمة التحرير الفلسطينية عن كل ثوابتها الوطنية، وبدأت تسير في خطوات تنازلية متسارعة حتى أوصلتنا إلى اتفاق “غزة – بيت لحم أولا”، الذي لن يكون بكلّ تأكيد نهاية المطاف ولا آخر التنازلات، ولما كانت أوسلو تمثّل أقصى آمال السلطة رغم أنها مرفوضة من الشعب الفلسطيني، لكونها اتفاقية كارثية جرّت عليه الويلات، وجرّدته من حقوقه التاريخية في كامل ترابه، وجعلته على حافة حرب أهلية طاحنة، فنستطيع القول اليوم إن آمال السلطة هذه قد تحطّمت على صخرة الأهداف الاستراتيجية للصهاينة والتي دفعت شارون إلى الإعلان بوضوح تام أنه لم يعد ملتزما بأوسلو ولا بما تلاها من اتفاقيات .

و لم يعد اليوم أمام السلطة إلا واحدا من مسلكين؛ إما أن تعلن فشلها وتطوي صفحة ما يسمى زورا وبهتانا بـ(الحل السلمي) وبالتالي تعيد الأمانة إلى الشعب الفلسطيني القادر بعون الله أولا، ثم بعزيمته التي لا تلين، وإرادته التي لا تقهر، واستعداده لمواصلة الجهاد والتضحيات أن ينتزع حقه، أو أن تواصل مسلسل التنازلات الذي سيؤدي حتما إلى تصفية القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، والمتتبع لتاريخ منظمة التحرير الفلسطينية وما تمخض عنها من سلطة أوسلوية يكتشف المنحدر الخطير الذي انزلقت فيه السلطة على طريق التنازلات المدمر .

فقرار التقسيم الذي تم رفضه في الدورة الثانية للمجلس الوطني الفلسطيني (31/5 -4196) والذي عندما دعا لقبوله الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وصفت تصريحاته بـ( الخيانة العظمى)، تم قبوله رسميا في الدورة 19 للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، بل تم تجاوزه في اتفاق أوسلو والقبول بسقف منخفض جدا وهو قرار (242) .

و قرار (242) الذي تم رفضه في الدورة الرابعة للمجلس الوطني عام 1968 لأنه ينص على إنهاء حالة الحرب مع الكيان الصهيوني وإقامة حدود آمنة متفق عليها والاعتراف بـ(إسرائيل) وعدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه، تم قبوله مشروطاً بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في الدورة (19) 1988، وبعد شهر واحد تماماً (15/12/1988) أعلن أبو عمار في خطاب أمام الأمم المتحدة في جنيف قبوله غير المشروط بالقرار، وفي مؤتمر مدريد (30/10/1991) قبلت المنظمة التفاوض باعتبار القرار أساساً للحل وليس قراراً للتطبيق الملزم .

و في الوقت الذي اعتبر فيه الميثاق الوطني الفلسطيني الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، جاء البرنامج الوطني الفلسطيني (1974) ليعتمد النضال بكل الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وفي عام 1995 جاء إعلان القاهرة لوقف العمليات الخارجية واعتبارها “إرهابا”، وفي عام 1988 أعلن أبو عمار في خطابه أمام الأمم المتحدة عن نبذ “الإرهاب”، وفي مؤتمر مدريد تعهدت المنظمة بوقف العمل العسكري بالكامل، وفي اتفاق أوسلو تعهّدت المنظمة بمنع المقاومة ضد العدو وحاربتها بشراسة من خلال قوات الشرطة الفلسطينية، وتطور الأمر إلى حظر الأجهزة العسكرية لتنظيمات المقاومة الفلسطينية واعتبار المقاومة “إرهابا”، وبلغ التنازل مداه بالتعاون الأمني مع العدو لضرب المقاومة الفلسطينية وإحباط العمليات الجهادية، والتفاخر بذلك على شاشات التلفزة من قبل مسئولي الأجهزة الأمنية .

و بينما تم في الدورة الرابعة عام 1968رفض مشروع الدويلة الفلسطينية واعتباره كياناً مزيفاً، عاد البرنامج المرحلي وقبِل بقيام السلطة المقاتلة على أي جزء يتم تحريره، واعتمد المجلس الـ19 عام 1988 إعلان الدولة على أساس قرار التقسيم، وقبل بالكونفدرالية مع الأردن، وتم تقزيم أسس الدولة وشروطها إلى قراري 242 و338 في نفس العام، وفي عام 1993 تم القبول بالحكم الذاتي على جزء من الضفة وغزة ضمن الحل الانتقالي دون الحصول على تعهّد واضح بتحوّله إلى دولة حقيقية في الحل النهائي، وتم القبول في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 بتعديل حدود الـ67 وجعل الدولة منزوعة السلاح محدودة السيادة، وفي العام 2002 تم القبول بخطة غزة – بيت لحم أولاً .

و بينما كانت م.ت.ف ترفض كل أشكال التسوية التي تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في كامل ترابه، إذا بها تقبل بمبادرة (بريجينيف) ومشروع السلام العربي (1982)، وكلاهما يتحدث عن حدود الـ67 ويعترفان بالكيان الصهيوني، وفي عام 1988 تم تقديم مبادرة تسوية فلسطينية تتنازل عن الـ48، وتنبذ “العنف والإرهاب”، وتعترف بدولة (إسرائيل)، وتوافق على الكونفدرالية مع الأردن، والمشاركة في مؤتمر مدريد ضمن وفد فلسطيني أردني، واعتماد التسوية السياسية كاستراتيجية (اتفاق أوسلو)، ومحاربة المقاومة الفلسطينية والقبول بدور وظيفي يتمثل في حماية أمن المحتل.

بعد هذا العرض لمسلسل التنازلات لا نرى عيبا في إعلان منظمة التحرير الفلسطينية والممثلة الآن بسلطة الحكم الذاتي عن فشلها، ولكن العيب كل العيب في التمادي في مواصلة السير في طريق التنازلات إلى ما لا نهاية، فالشعب الفلسطيني لم ولن يفوض أحدا للتنازل عن حقوقه المشروعة.