نحن الآن أمام انتخابات من نوع خاص، هناك ملك جديد وهذه أول استحقاقات تشريعية تكون في عهده … هناك غياب لوزير الداخلية السابق ادريس البصري وسياسته في التعامل مع الأحزاب إبان الانتخابات… هناك طريقة جديدة للاقتراع الهدف منها أن تكون الانتخابات نزيهة، فعلى الأقل إذا لم تشاركوا فيها، فلماذا تقاطعونها؟

أعتقد أن هناك عدة أسباب، أهمها هو غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح والتغيير، هذا هو السبب الرئيسي الذي جعلنا نحجم عن المشاركة في هذه الانتخابات.

ما الذي جعلكم تقولون إن هناك غيابا للإرادة السياسية؟ هل انتم مطلعون على نيات المسؤولين حتى تقولوا مثل هذا الكلام؟

لو كانت هناك إرادة سياسية حقيقية، فإنها ستتجاوز التعبير عن النيات، وتتبلور إلى مبادرات ميدانية حتى يطمئن الرأي العام، وجميع المغاربة، لوجود إرادة للتغيير. ومثل هذه المبادرات لم تتم على الإطلاق. الذي حدث هو العكس، فلو كانت هناك إرادة حقيقية للتغيير لكان قد فتح المجال السياسي أمام الجميع ليعبر عن آرائه، في حين أننا نجد أطرافا وازنة في الساحة السياسية المغربية، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان، ممنوعة من النشاط ومن التعبير ومن التحرك حركة طبيعية، فكيف نطمئن لوجود إرادة سياسية ونحن أمام هذا الواقع؟

! لو كانت السلطة قد أوقفت مسلسل التضييق عليكم ورفعت أيديها عن صحافتكم هل كنتم ستشاركون في الانتخابات؟

أنا قلت هذه واحدة، أما الثانية، فهي أنه كانت هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن تتم من أجل طمأنة الرأي العام وإقناعه أننا أمام حدث له وزنه وتأثيره في المستقبل المغربي.

لنتأمل ما يوجد بالساحة، وما تنقله وسائل الإعلام من تزايد للمحسوبية والرشوة. وهنا يمكن أن أسوق لك مثالا من آخر ما بلغني، ففي آسفي طالب أحد المسؤولين مجموعة من المحسنين أرادوا توسيع بناية أحد المساجد بمبلغ كبير كرشوة مهددا بعدم الترخيص لهم إذا رفضوا..

(أقاطعه) هل سننتظر إلى أن يتم إصلاح جميع القطاعات، ثم نشارك في الانتخابات؟ لماذا لا ندخل إلى المؤسسات ونساهم في هذا الإصلاح؟

أنا قلت هذا سبب، ولكن هناك أسبابا أخرى، ليست هناك ضمانات أن الانتخابات ستكون نزيهة أو أنها ستكون المدخل إلى مرحلة جديدة بالمغرب، لا سيما وأن الدستور لا يعطي للمؤسسات الموجودة إلا صلاحيات محدودة جدا، وعلى فرض أن هناك طرفا نجح بالفعل، فإنه لا يستطيع تطبيق برامجه.

ممكن أن نتفق على هذا المعطى فيما يخص الانتخابات التشريعية، لكن بالنسبة للجماعات المحلية هناك صلاحيات كثيرة لمن يسيرها. فلماذا لا تشاركون حتى في انتخاباتها؟

إذا أردنا أن نخرج بلادنا من الأزمات الخانقة، وإذا أدركنا خطورة الأوضاع بالمغرب، فإن الإصلاح لا يمكنه إلا أن يكون شاملا. وحين أقول شاملا، فإنني لا أتصور أن يتم بين عشية وضحاها. ويجب أن يتم وفق رؤية شاملة. أما إذا اقتصرنا على العمليات الترقيعية، فإني لا أتصور أنها قادرة على إخراج البلد من الأزمات التي يتخبط فيها.

لكن الشعب في حاجة إلى أناس نزهاء لا يقومون باختلاس الميزانيات، وأنتم تقولون إن تربيتكم تعطي هذا النموذج، فلماذا لا تساهمون على الأقل بتوفير مسؤولين لا ينهبون أموال الشعب؟

يا أخي؟ الشروط التي تجري فيها الانتخابات والظروف التي نعيشها لا تترك أبدا المجال لمن يريد أن يصلح. هذه المعاناة يعبر عنها كثير من الناس، فهناك أناس مستقيمون بالإدارات ولكنهم يواجهون ويحاربون ويضيق عليهم .. هم يريدون المساهمة في إصلاح أوضاع بلادهم، ولكنهم يجدون أنفسهم محاطين بعدد من الظروف تمنعهم من العمل. لذلك فالكثير منهم إما يجد نفسه أصبح يساير التيار، أو يصاب بالإحباط، وإما أن العديد يضطر لحمل حقائبه فيهاجر إلى دولة أخرى، ولازالت أفواج من الأطر تهاجر .. فلماذا تهاجر وهي تتوفر على أجور جيدة وعمل قار..؟

! ألا ترون أن بموقفكم هذا، تقومون بعرقلة مسلسل الديمقراطية الذي هو في بدايته بالمغرب؟ وأنكم تنـزعون الثقة عن المؤسسات بالبلاد مما قد يجعل الأزمة تستفحل أكثر؟

نحن لا نعرقل أبدا، كان بودنا أن تسير الأمور على أحسن وجه، لكننا نرى أن العكس هو الذي يقع، ونحن نتأسف على ذلك.

وهذا الموقف ليس موقفنا خاصة، فقد عبر عنه أكثر من واحد، وقد اشتكى الجميع من الطريقة التي يتم بها تدبير الشأن العام بالمغرب، بما في ذلك أطراف تشارك في الحكومة.

نحن نعتقد أن هناك أطرافا وعقليات لازالت هي المتحكمة في الأوضاع، ولازالت تصر على أن يبقى هذا البلد على ما كان عليه.

أنتم الحليف الموضوعي لحركة التوحيد والإصلاح وعبرها حزب العدالة والتنمية، ألا تعتبرون أنكم تضعفون حظوظه في النجاح بالانتخابات حينما تقاطعونها؟

الإخوة في حركة التوحيد والإصلاح يتوفرون على موقف واجتهاد خاص بهم لا نوافقهم عليه، وهم بأنفسهم يصرحون بكونهم لا يريدون مشاركة واسعة، لأنهم أدركوا أن الظروف المحلية والدولية غير مهيأة لمشاركة الحركة الإسلامية.

وهل العدل والإحسان بدورها تعتبر أن الظروف الدولية والداخلية غير مواتية للمشاركة؟

ربما نحن كنا أول من صرح بهذا. قلنا إننا نخشى أن يتكرر سيناريو الجزائر، لأنه لو كانت، حقيقة، هناك ضمانات حقيقية لنـزاهة الانتخابات، وشاركنا فيها، فإننا مقتنعون بأن النتائج ستكون هامة جدا، وإذا حصل هذا، فسيكون الباب مفتوحا لتدخل أطراف أجنبية. ونحن نريد أن نجنب البلد هذا الأمر، وهذا ما صرح به الأستاذ عبد السلام ياسين في أول ندوة صحفية بعد رفع الإقامة الجبرية عنه.

وما الذي جعلكم متأكدين من كونكم ستكتسحون الانتخابات إذا كانت نزيهة وفتحت أمامكم؟

هذا أمر هين وسهل جدا، فالأحزاب السياسية في جلها فقدت مصداقيتها لدى الشعب، وحتى تلك التي كانت لا زالت تحتفظ بها فقدتها في التجربة الحكومية الحالية. ورأينا كيف كثرت الانشقاقات في صفوفها، وكيف أن مناضلي الأحزاب المشاركة غير راضين عن تجربة المشاركة، فما بالك بعامة الشعب. وبالتالي فإن كثيرا من الأحزاب لم تعد تمثل إلا نفسها. وأي إنسان له مصداقية، وتقدم للانتخابات، فبالطبع بإمكانه أن يكتسح الساحة.

ولماذا لا نعكس الآية ونقول إنكم لا تشاركون في الانتخابات لأنه لديكم تخوفا من الحصول على حصيلة غير مشرفة؟

هذا غير وارد، وبشهادة الجميع، فجماعة العدل والإحسان هي الجماعة الأولى والأكثر تنظيما، وهي الجماعة التي لها وجود على طول المغرب وعرضه. وهو ما يشهد به العدو قبل الصديق.

ونحن قلنا غير ما مرة إننا لا نزعم أننا وحدنا قادرون على إخراج البلد من أزماته، نحن واعون بحجم الفساد وعمق الأزمة، لذلك قلنا إننا نريد أن نكون طرفا، وليس الطرف الأوحد، لنساهم مع آخرين ونتعاون معهم من أجل إنقاذ بلادنا.

(أقاطعه) ولماذا تفشلون لحد الآن في الدائرة السياسية في إقناع باقي الأطراف السياسية بمقترحكم؟

كثير من الأحزاب السياسية الآن هي منشغلة باليومي ولا تنظر بعيدا ولا تقدر حجم متطلبات الإصلاح والتغيير الحقيقي. ففكرتنا آمن بها العديد من الأفراد، لكن التنظيمات السياسية فلا. ونحن نترك المسألة للزمن، والأيام المقبلة ستؤكد صواب طرحنا. فيما قبل كنا نقول إن حكومة التناوب لن تصنع شيئا يذكر، والآن تأكد الأمر لدى الجميع.

بمعنى أنكم تنظرون إلى أن هذه الانتخابات بدورها لن تغير شيئا؟

بالتأكيد، المسألة ليس مسألة انتخابات، وإنما هي أكبر منها. الأمر يحتاج إلى مقاربة أخرى، غير المقاربات المعتمدة الآن، التي هي مقاربات ترقيعية فاشلة عمليا. نحن نطرح مقاربة أخرى تكون جماعية من أجل تغيير حقيقي.

حتى نبقى في موضوع الانتخابات، هل ستدعون الشعب لمقاطعتها أم لا؟

سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع، وقلت إن الشعب فاقد للثقة وغير مهتم ولا مكترث أساسا. وهذه اللامبالاة تتعمق يوما بعد يوم.

(أقاطعه) لكن في الانتخابات السابقة بلغت نسبة المشاركة 50%؟

هذا حسب المصادر الرسمية، لكن غير الرسمية تؤكد عكس ذلك، فالمشاركة كانت ضعيفة وضعيفة جدا، نحن لا نتوفر على مصادر مستقلة توضح حجم المشاركة الحقيقي.

المشاركة ضعيفة، ولا يمكنها أن تكون سوى ضعيفة، ورغم هذه الإجراءات الجديدة ورغم الأموال التي رصدت لذلك، ورغم كل شيء فأعتقد أن المشاركة في الانتخابات الحالية ستكون أيضا ضعيفة.

وهل ستدعون إلى المقاطعة؟

الشعب، كما قلت، غير مكترث، وهو يقاطع أصلا. ونحن قد عبرنا عن وجهة نظرنا، وفي موقعنا على الانترنيت تفصيل له قد يطلع عليه جميع الناس، وهذا أعتقد أنه كاف، وكما قلت إن الشعب أصلا مقاطع ولا يحتاج إلى دعوة للمقاطعة.

تطرقنا لحد الآن لعدد من المرتكزات التي تبنون عليها قراركم القاضي بالمقاطعة، إذا سألتك عن السبب الرئيسي لهذا الموقف، بم تجيب؟

أهم هذه الأسباب هو غياب الإرادة السياسية للتغيير. ولو كانت هناك إرادة سياسية لتجلت في مبادرات عملية وواقعية وملموسة يمكن أن تطمئن الشعب أننا بالفعل في مرحلة جديدة، وهذا لم يتم، وإنما الذي وقع هو العكس، هناك تراجع في أكثر من مجال وفي أكثر من ميدان. نحن كنا نقوم بعدد من الأنشطة في العهد السابق، لم نعد نستطيع مزاولتها في العهد الذي ينعث بالجديد.

والسبب الثاني هو حرماننا الممنهج وبإصرار من الحركة والنشاط إسوة بباقي التنظيمات، أما السبب الثالث، فليس هناك ضمانات حقيقية لتكون الانتخابات نزيهة. ووسائل الالتفاف على الانتخابات والتحكم فيها كثيرة ومتعددة. وحتى نمط الاقتراع الذي أشرت إليه، فقد تم تهييئه وتحضيره من أجل التحكم في الخريطة السياسية وضمان النتيجة التي لن تؤثر على الواقع السياسي، وإنما ستكرس الاستمرارية وليس العكس.

فضلا عن كوننا نعيش في ظل دستور ممنوح، يعرف تخويل صلاحيات ضيقة جدا للمؤسسات سواء التنفيذية أم التشريعية لا تسمح لأي كان بتنفيذ برنامجه. وفي ظل تفتيت لمكونات المشهد السياسي من أجل التحكم في اتخاذ القرار.

أمام موقف مقاطعة الانتخابات، لا نجد العدل والإحسان لوحدها، بل نجد كذلك الطليعة والنهج الديمقراطي وعددا من الجمعيات الأمازيغية، لماذا لا تنسقون فيما بينكم لبلورة عمل لتقديم بديل لهذه الانتخابات؟

هل ننسق في إقناع الناس بالمقاطعة، هذا أمر حاصل، ولا يحتاج …

(أقاطعه) تنسقون من أجل تقديم بديل.

نحن طرحنا مقترحنا، وقمنا بمبادرة، وينبغي على الأطراف الأخرى أن تتجاوب معها أو تطرح مبادرات أخرى، وهذا لم يحدث.

لكن الاختلافات الإديولوجية المطروحة لا تسمح لهذه الأطراف بالموافقة على مقترحكم بالشكل الذي قدمتموه؟

هذا يكون سببا آخر في عدم تعبيرها عن رغبتها في عمل مشترك، فهناك أطراف ربما يكون الخلاف بيننا وبينها كبيرا وجذريا.

حين تجد في دائرتك مرشحا صالحا وآخرين غير ذلك، وأمام هذا الواقع الذي لا يرتفع حيث أن الانتخابات ستتم وستنبثق عنها مؤسسات، ألن تشعر بالندم إذا ما أصبح الرجل غير المناسب هو البرلماني وليس ذلك الصالح الذي لم تدعمه؟

سأقول لك شيئا أعتبره في غاية الأهمية، إن بلدنا يمر من منعطف تاريخي هام، ومسؤولية جميع العاملين بالمشهد السياسي مسؤولية كبيرة جدا. ولا نريد أن يسجل علينا، وخاصة في هذا الظرف، أننا ساهمنا في تغليط الشعب وخداعه. لانريد أن نقنع الناس بشكل أو بآخر بأننا يمكن أن ننتظر من هذه الانتخابات أي شيء يذكر، والواقع غير ذلك. فالنتيجة في الأخير واحدة، سواء نجح هذا أو الآخر، فلن يغير من الواقع شيئا.

وعلى افتراض أننا دعمنا هذا الذي قلت افتراضا أنه إنسان صالح، فإننا سنكون قد ساهمنا في تغليط الناس، حيث سيعتقدون أن هذا الإنسان يمكن له القيام بشيء يذكر، في حين أننا نعلم جيدا أنه لن يستطيع القيام بأي شيء. لهذا أولى له أن يحافظ على مصداقيته، عوض أن يعد الناس وهو يعرف أنه لن يستطيع أن ينفذ وعده.

إذا لم يستطع البرلماني أن يحقق شيئا على المستوى التشريعي، فإنه على الأقل يستطيع أن يحل للناس عددا من المشاكل عبر صفته المؤسساتية التي تخول له التوسط عند عدد من الجهات، وهذا أمر تحقق في عدد من الدوائر؟

الذين يشاركون يشتكون من ضخامة المشاكل، ولم يستطيعوا أن يلبوا حتى الشيء اليسير منها. وكما قلت غير ما مرة نحن نرى الآن ميدانيا أن هذه الأساليب المتبعة لا تصنع شيئا للناس ولهذا البلد. والعاقل هو من يستفيد من غيره، فكيف يراد لنا أن نتبع أسلوبا ثبت عمليا أنه فاشل؟

! لكن ألا تؤمنون بأن الذي لا يدرك كله لا يترك جله؟

بلى، نؤمن بأن التغيير ليس أمرا سهلا، وهو مسألة أجيال ويحتاج إلى التدرج، ولكننا نريد بداية صحيحة، ومن سار على الدرب وصل.