لست من محترفي الكتابة الصحفية ولا من مدمني قراءة الصحف. لكنني مهتم كسائر الناس بما تنشره الصحافة، لأن لذلك صلة بالحقل الذي أهتم به علميا. ولا أزعم أنني أفهم السياسة، بمعناها المتداول، إلا في حدود ما يعنى به الرجل العادي. ولكنني حين تصفحت الجرائد، استأثر باهتمامي عنوان موضوع الاستجواب الذي أجرته جريدة “الأيام” (العدد 47، 25-31 يوليوز) مع الأستاذ أحمد الدغرني والذي صدرت به الصفحة الأولى، مسطرة أبرز الأفكار التي تناولها.

لقد أحسست بأن الأستاذ المذكور تحذوه رغبة عارمة في تشخيص قضية الأمازيغية، لأنه اعتبرها قضية الأمازيغ وحدهم. وهنا أريد، بدوري، أن أستأذنه في السؤال، من هو الأمازيغي؟ وأستسمحكم في استعمال لفظة بربر بدل أمازيغ، وأنا لا أرمي إلى أي قصد، سوى أنني مهتم بالتاريخ ولا أجد غضاضة في استعمال هذه اللفظة، والتي أفرق بينها وبين لفظة barbares اللاتينية، ذات الدلالة القدحية المعروفة.

من خلال قراءتي للتاريخ المغربي، وتتبعي للقبيلة في المغرب، ترسخت عندي بعض الملاحظات، أورد أبرزها في النقط الآتية:

1. يعرف المهتمون بالتاريخ أن المسلمين فتحوا بلاد المغرب (الكبير)، وجيشوا كثيرا ممن أسلموا من فرس وأقباط وأحباش وسودان وروم وبربر … ومن تم، لا يستطيع أحد أن يزعم بأن المسلمين الذين قدموا إلى هذه البلاد كانوا عربا في غالبيتهم. وحتى على صعيد القيادة لم يكن للعرب السبق إلا في بدء الأمر. فقد برز قادة مسلمون غير عرب في هذا المضمار قبل متم القرن الهجري الأول، ولا حاجة إلى الإتيان بالأمثلة، لأن هذا من باب “ألف باء” المعلومات التاريخية.

ومعلوم كذلك أن سكان المغرب القدامى رفضوا الديانتين، اليهودية والمسيحية.

وعلى الرغم من طول المدة التي احتكوا خلالها باليهود والمسيحيين فلم يتهود أو يتمسح منهم إلا عدد قليل، مع أن المصادر التاريخية ضنينة جدا في هذا المضمار.

ولما قدمت بعض الموجات القبلية العربية في القرون السادس والسابع والثامن لم يكن لها تأثير إلا على الصعيد الثقافي فقط.

وفي السياق ذاته تأسست دول استندت إلا عصبيات قبلية بربرية حكمت البلاد طوال قرون، تراوحت عهودها بين القوة والضعف .. ودون الإسهاب في هذا الموضوع أود أن أذكر سيادة الأستاذ بأن المغاربة، من عرب وبربر، لم يكونوا أبدا في حاجة إلى من يوقظ لديهم أي نعرة من النعرات -سواء منها الإقليمية أو الشعوبية- وإنما انتصر الجميع للإسلام، وعدوه نعمة من النعم شكروا الله عليها في مؤلفاتهم التي تزخر بها الخزانات اليوم. كما تبنوه دينا شاملا، بحيث لم يسجل التاريخ أي رد فعل من قبل هذا العرق أو ذاك، لأنهم جميعا استشعروا “أن أكرمكم عند الله أتقاكم”…، الآية التي نسخت الأنساب والأعراق.

أجل لقد ارتكب بعض قادة المسلمين أخطاء، الإسلام بريء منها؛ منها على سبيل المثال حين أقدموا على “تخميس البربر”.. أو لما اعتبروا بعض الجهات كأنها فتحت عنوة.. وهذه الخروق، التي وجدت من استنكرها في ذلك الوقت، لم تكن لتقلل من أجلها المشاق، وقدموا التضحيات الجسام، ولا ينكرها إلا جاحد أو معاند “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.

إن الذين هولوا تلك النكت -من أضراب روبير مونطاني وهنري طيراس وجورج مارسي، ومن تبعوهم بالخطأ- ونفخوا فيها، لجعل الصراع عربيا بربريا، كانت تحركهم خلفيات استجلاها باحثون مغاربة وتعقبوها منذ زمان، وبينوا أن أقل ما يقال عنها إنها مغرضة.

ولما أفل نجم العصبيات وظهرت الدولة الشريفة جندت العرب والبربر، في ذات الوقت، لإعادة الوحدة إلى البلاد ومواجهة المحتلين .. وحين تمت الإشارة، في حالتين معزولتين، إلى المواجهة التي دبرت لمصادمة البربر مع غيرهم لم يكن يحركها أي هاجس عنصري لدى مهندسيها، ولكنهم كانوا يسعون إلى ضرب عناصر تبين عنادها. وحتى لما أثيرت قضية صنهاجة الأطلس المتوسط لم تكن العنصرية أبدا هي المحرك. وهذا للحقيقة والتاريخ، ودون الدخول في مزايدات “تعالمية” أو إيديولوجية.

لقد نزلت بالمغرب مجاعات هالكة وأوبئة فاتكة قضت على الحرث والنسل، وأنا على يقين أن الأستاذ يعرف هذا الموضوع جيدا. ومن تم فإن كثيرا من القبائل أضحت مضطرة إلى التنقل، إما فرارا من الوباء وإما بحثا عن الغذاء، الأمر الذي أحدث هجرات قبلية واسعة -من الشمال إلى الجنوب، والعكس، ومن السهل إلى الجبل، والعكس-…وهناك محطات تعد علامات بارزة في هذا المضمار منها على سبيل المثال: الطاعون الأسود والمجاعات والأوبئة التي تتالت على المغرب طوال القرون الموالية… فكانت تلك الكوارث سببا في تغيير خريطة الديموغرافيا في بلاد المغرب، عدة مرات… ومن هنا يحق للمتتبع أن يعتقد أن ذلك ترتب عنه اختلاط واسع بين العرب والبربر، وذوبان البعض في البعض الآخر، وانصهار الجميع في بوثقة واخدة. وإذا رجعتم إلى كتب الرحلات سوف تجدون أبا سالم العياشي ومحمد بن سليمان الروداني وأبا مدين الدرعي السوسي ومحمد بن أحمد الحضيكي السوسي لا يميزون بين البربري والعربي، ولكنهم يقولون “أهل مغربنا”، ليميزوا بين المغرب والمشرق، ويتميزوا بهويتهم، طبعا هناك بعض “الجزر”، في أماكن محدودة، حافظت على بعض “الصفاء” يصعب على الباحث أن يضبطها في ظل المعطيات الحالية.

ولعل النتيجة المعتدلة التي يحق الحديث عنها هي أن أهل جهة ما كانوا عربا فأضحوا بربرا، وأهل جهة أخرى كانوا بربرا فتعربوا مع توالي السنين.

3. يعرف الباحثون أن بعض الحكام أقدموا على ترحيل قبائل وفرق من جهة إلى أخرى. وعمد بعضهم إلى تفكيك بعض القبائل، وتشتيتها لكسر شوكتها، وكسر عصبيتها وإضعافها. ولا نعدم أمثلة في هذا المقام. تذكروا معي أولاد جرار وأولاد دليم وتكنة وهشتوكة وجزولة وأيت يمور ومجاط .. ومن هذه الأمثلة اخترت لكم أيت يمور. يذكر التاريخ أن هذه القبيلة انطلقت من مشارف الصحراء لتقضي مدة غير يسيرة في أعالي ملوية، ثم تزحف إلى الأطلس المتوسط بعد ذلك، ليتم إنزالها بقرار سياسي – عسكري في دير تادلة. ومن هنا تم ترحيل فرق منها إلى الحوز. هؤلاء من البربر -صنهاجة- وقد حافظ أحفادهم، الموجودون اليوم غربي مراكش، على كثير من قسمات أيت يمور القاطنين بالجبال، لكنهم لا يتكلمون البربرية، ويجهل معظمهم أصلهم، ولعلهم ليسوا بحاجة إليه لأنهم مغاربة مسلمون كسائر الناس في هذا البلد، ماذا يزيدهم لو علموا أصلهم أو جهلوه؟…

إن هويتنا جميعا هي هوية إسلامية مغربية، وهي، كذلك، ليست في حاجة إلا لمن يدعمها، من عرب وبربر وغيرهم، كما دعمها أجدادنا.

وإذا أردنا أن ننبش في الحساسيات يمكن أن نفسح المجال للقول إن المغرب يتكون من أعراق أخرى منحدرة، من برتغاليين وإسبان وسودان ويهود وغيرهم، ممن أسلموا ونسوا أصولهم العرقية الإقليمية، ولربما تظهر، غدا أو بعد غد، أعراق أخرى يكون من حقها أن تتقدم بمطالب لا قبل لنا بها سيما وأن شعارات “الحرية” و”تقرير المصير” و.. و.. غير معدومة، ولا تجد إلا من يسندها ويدعمها سياسيا وعسكريا.

المسألة الثانية التي أرى -إن لم يجانبني الصواب- أنها جديرة بالمناقشة مع الأستاذ الدغرني، هي اللغة العربية.

ليس من باب التزلف أن أصارحكم أنني في حاجة ماسة إلى تعلم البربرية، لأنها بالنسبة لي ضرورية لفهم جوانب من تاريخ بلادنا، سواء فيما يتعلق بأسماء الواقع والأماكن، والنبات والطير، أو سائر مكونات الحياة البيولوجية. والحفاظ على البربرية مسألة لا جدال فيها، لأنها جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية الحضارية، مادام المغرب مسلما حرا موحدا. لكن هيمنة العربية لها مرجعية أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهي لغة الوحي الموجه للعالمين، وليست اختيارا شخصيا لفرض هيمنة عرق على عرق آخر. فالمسلم في الصين وماليزيا وجزر الهواي مدعو إلى تعلمها. وقد تحقق هذا يوم أخلص المسلمون لله. ولنفرض أن العربية كانت مسألة إجرائية فقط، كالقشتالية في إسبانيا والفرنسية في فرنسا والإنجليزية في المملكة المتحدة والروسية… -مع أن القياس مع الفارق طبعا- هل من الصواب ومن العلمي أن نطرحها؟

سيادة الأستاذ، إن العربية هي اللغة التي ولدت كاملة ناضجة، لا تحتاج إلى تعلم وعكوف لفهمها وتذوقها. وأنا أشاطركم الرأي عن دعاة التعريب، لأن العملية لا تعدو تعريب الحرف فقط … وهذه قضية معروفة. وإن من المعروف أن العلماء البرابر قدموا خدمات جليلة للغة الضاد، وأنا على يقين أنكم تعرفون الكثير منهم، بدءا ببوجاج بن زلو، مرورا بالزواوي وابن آجروم، وصولا إلى الإفرانيين، واللائحة طويلة…

وللإشارة كذلك، لم تكن العناية بالعربية قصرا على الرجال من البربر، بل لقد نبغت النساء أيضا. منهن حواء بنت تاشفين، أخي يوسف بن تاشفين لأمه، وهي المدعوة حواء اللمتونية تمييزا لها عن حواء بنت إبراهيم بن تيفلوت. فقد كانت الأولى بارعة في الشعر، ناظرت الأدباء والشعراء، وكانت الثانية مولعة بقراءة القرآن ومحاضرة الأدباء، وكانت لها أخت، اسمها زينب اشتهرت بحفظ الشعر. فارجعوا إلى كتب التراجم والطبقات لتصدقوني أو تكذبوني.

كما لا أشك في أن الأستاذ الدغرني يسلم معي بأن مستقبل الدول في الدعوة إلى تقوية الجبهات الداخلية، للتصدي إلى دعاة التشرذم والتفرقة، ومحاربة الانفصال ودواعيه، مع العمل على بناء دولة قوية يسندها العدل…

أنتم تعلمون جيدا أن البشرية لا يمكن أن تنسى الشرخ الذي أحدثه التحول الذي وضعه أتاتورك حين أقدم على نسف تاريخ بأكمله … والقصة معروفة أيضا. إن التاريخ لا يتكرر ولكن الأخطاء تتكرر. ولا تفوتني الفرصة قبل أن أهمس في أذن الأستاذ، أن اللغة ليست ذات أهمية في تحديد مفهوم الأمة، وأحيلكم على ما كتب في هذا الموضوع. ومن تم، أستسمحكم في رفض مفهوم الأمة الأمازيغية، فاللسان والعرق واللون ليست أبدا محددات أساسية لمفهوم الأمة يا رجل القانون. هل جمعت اللغة بين المملكة المتحدة وإيرلندا؟ وماذا لو انقسمت الدولة الأولى إلى أربع أمم، وفرنسا إلى خمس، وسويسرا إلى ثلاث، وبلجيكا، وكندا … إذا كانت اللغة هي أساس الأمم…

إن ما يجمع أو يفرق هو العقيدة، وهي أقوى الوشائج التي يمكن أن تجعل الصفوف متراصة أمام الأعاصير القوية، التي إن أرسلت على قوم فإنها لا تبقي ولا تذر.

ومن باب الإحماض أقول لكم إن دول العالم لو سارت في نفس المسار لارتفع عدد العواصم والعملات والأعلام إلى حد لا يجوز تصوره، فكم ستدوم دورات كأس العالم القادمة في ظل هذا التعدد؟

المسألة الثالثة التي لا يجوز التعامل معها بعدم المبالاة هي قضية السيبة. والملحظ الذي يستوقف أي باحث قبل الخوض في المسألة يتعلق بمفهومها. فما يتبادر إلى الذهن أنكم تقرنون بينها وبين البربرية، أي السيبة البربرية، وهي عبارة ارتبط تداولها بالإستوغرافيا الاستعمارية، حين كان المنظرون من الكتاب الفرنسيين أمثال إدمون دوتي وميشو بيلير وروبير مونطاني وأودينو يضعون اللبنة فوق الأخرى لبناء صرح المسألة التي اعتقدوا -خاطئين- أنها تكون سببا في نسف وحدة المغرب..

ولنسلم معكم جدلا بالسيبة مفهوما متعارفا عليه، وواقعا في نظر الرعايا وفي نظر الحكام على حد سواء، فهي ليست قصرا على البربر، فقد عرف التاريخ “سيبة” قبائل غير بربرية، بل ماذا يمكن القول عن المدن التي رفضت بيعة بعض السلاطين؟ أين تضعون “سيبتها”؟

إن الحديث عن السيبة ينبغي أن يتسم بالاحتياطات المنهجية التي لا يساورني شك في أن الأستاذ الذغرني يضعها في الحسبان. والسبب معروف، يجب ألا ننساق في النبش في بعض القضايا التي لا يفضي البحث فيها إلا إلى الالتقاء مع رواد الاستغروفيا الاستعمارية، من علماء اجتماع وإثنوغرافيين وإثنولوجيين… وقد تصدى الكتاب المغاربة للرد عليهم طوال الثلاثة عقود الماضية، ونقضوا آراءهم عروة عروة…

أفيدوني أيها الأستاذ، هل عرفتم قبيلة بربرية واحدة -عبر التاريخ- أعلنت رفضها اللغة العربية، أو رفضها للإسلام. نعم كانت بعض القبائل ترفض الخضوع وتتمرد، وقد تقدم على مواجهة ممثلي المخزن بالسلاح. وهذا ليس قصرا على القبيلة البربرية، بل عرف التاريخ قبائل عربية فعلت هذا أيضا .. ففي عبدة ودكالة والشاوية والرحامنة، إلخ … وحتى في الجزيرة العربية، مهد العرب. لكن القبيلة -سواء منها البربرية أو العربية- لم تجاهر بالردة، أو رفض الحاكم لأنه من هذا العرق أو ذاك. لقد صارعت القبيلة من أجل الماء والمرعى والمجال، ومن أجل التحرر من ثقل الجباية واستبداد المخزن، ومن أجل ذلك، أيضا، دخلت في نزاع مسلح أحيانا مع جيرانها، وحتى مع المخزن في وقت توازن القوى. ولا إخالكم تحملون كلامي على عواهنه، فإنني أخاطب عقلا نيرا لا أحتاج معه إلى التوضيح الفاضح.

ومن ثمة، فالسيبة لم تقتصر على البربر، لكن يمكن التمييز بين السهل والجبل. كما ينبغي إدخال مسألة السيبة هنا، حيث يختلف الأمر من سلطان إلى آخر، ومن عهد إلى عهد آخر. أما انعدام سلطة المركز، وخضوع البربر للسلطة الدينية فقط، هكذا مطلقا، فهذه كلها من مخلفات النظرة الاستعمارية التي عفا عليها وعلى أصحابها الزمان. لقد كانت الإدارة المغربية بعيدة كل البعد عن أن تراقب كل القبائل، وأن تتحكم فيها، مثلما هو الشأن اليوم. لقد كانت قبائل كثيرة متروكة إلى نفسها، في السهول والجبال، بله قبائل الأطراف البعيدة. لكنها تخطب باسم سلطان الوقت وتتعامل بالعملة الرائجة في العاصمة، وتستجيب إذا طلب منها أداء واجب الدفاع عن حوزة البلاد. وهذا واقع شهد به التاريخ، من الانطلاق إلى الأندلس سنة 92/711 إلى التوجه إلى الصحراء، في المسيرة الخضراء سنة 1975. ولازال المغاربة مستعدين لتقديم التضحيات، بل يعتبرون ذلك من الواجب، للدفاع عن حياض وطنهم. ولطالما أثار المغاربة إعجاب الشعوب الأخرى بتمسكهم بوحدتهم وهويتهم، لا لشيء إلا لأنهم متمسكون بدينهم. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومن أراد العزة في غيره أذله الله.

أعتقد أن الأستاذ الدغرني قد انساق وراء بعض الكتابات ذات النـزعة الأنتروبولوجية، أو علم الاجتماع السياسي، واستهوته حتى أعجب بها، فظن أنه وجد فيها ضالته … ما هكذا يا سعد تورد الإبل …

وليسمح لي سيادة الأستاذ لأقول له إن ذلك من باب الإرجاف الذي تكون له تبعات خطيرة على مستقبل الأجيال القادمة، التي “قد تبتلع كل ذلك على الريق”، ولا يعود على البلاد إلا بالوبال…

المسألة الرابعة ترتبط بعلاقة الدولة بالدين، وهي مسألة جوهرية. حين يقول الأستاذ الدغرني إن البربر لم يكونوا على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه، يرتكب خطأ تاريخيا فادحا، ويجني على أناس سوف يأخذون بتلابيبه يوم الحساب اقتصاصا منه. ومن أجل ذلك أسائلكم عن المذهب الذي تبناه المرابطون، أول أكبر دولة بربرية في المغرب.. هل تجدون من هام بكل ما هو مدني -نسبة إلى المدينة المنورة- من المسلمين أكثر من المغاربة، حتى غالوا في ذلك؟ فنظموا المدائح الطويلة وأعدوا أسنى الهدايا، وبجلوا كل من انتمى إلى الجناب النبوي، بل لا أظن أن سكان قطر من أقطار الدنيا تسموا بالمدني أكثر من المغاربة، وهذا أيضا سر من أسرار اعتنائهم بقراءة ورش، شيخ الإمام مالك في القراءات .. ولي كامل اليقين أنكم تعرفون كل هذا.

لكن حيث تقررون أن البربر تبنوا مذاهب الإباضية والخوارج والشيعة تسقطون في الرؤية الضيقة ذات النـزعة المغرضة الواضحة. وهذا أيضا خطأ علمي فادح في تقديري، ذلك أن الكيانات السياسية التي تبنت مؤقتا المذاهب غير السنية كانت محدودة في المجال والزمان، والأمثلة معروفة: بنو مدرار في سجلماسة، وبنو رستم حوالي تلمسان، والفاطميون في أفريقيا، أما الأدارسة والموحدون، فلم يكن تشيعهم واضحا، وحتى إذا سلمنا بذلك، فإنه لم يكن مستمرا. وعلى فرض أن تلك المذاهب قد سادت في مرحلة ما، فإنها بادت ولم تخلف ما يذكر. وقد اختار المغاربة -من عرب وبربر- أحد مذاهب أهل السنة والجماعة، بل منهم من دعا إلى تجاوز المذهبية.

إن المذاهب التي تدعون إليها لم تكن أبدا متفتحة كما زعمتم، بل العكس هو الصحيح، فالمذهب المالكي أقل تشددا من التشيع والإباضية. ففي الوقت الذي قبل فيه مالك كل حديث صحيح، وقولته في هذا الباب مشهورة، رفضت المذاهب المذكورة أحاديث صحيحة، لا لشيء إلا لأنها مروية عن صحابة معروفين. وقبل المذهب المالكي بالعرف، على أساس ألا يصطدم مع الشرع، أما المذاهب التي تدعون إليها فقد تشددت حتى كانت سببا في تشتت الأمة، بل أدخل بعضها إلى الإسلام من التعاليم ما أثار سخرية الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

وفضلا عن هذا وذاك، قولوا لي متى ترتب عن تطبيق المذهب المالكي في بلاد المغرب حيف تجاه البربر؟

لقد لحق الظلم جميع المغاربة، وهذا ناتج عن السياسات الخرقاء التي نهجها الحكام، وما تعرضت إليه بعض الجهات، كان ناتجا عن بيئة المخزن الهشة، وعن الضغوط التي عانى منها هذا البلد من لدن الجيران… ومن ثم، فلا يمكن فصل المسائل عن السياقات التي انتظمتها، والملابسات التي أحاطت بها.

سيادة الأستاذ، أنتم تدعون إلى الظاهرية، فماذا تقصدون؟ إن علماء المسلمين قد حاولوا وضع حد للمذاهب والنـزعات والملل والنحل خوفا من التفرقة، فدعوا إلى السنة والجماعة؛ وقد سبقت الإشارة إلى أن بعضهم دعا إلى تجاوز المذهبية ما دامت كلها تلتمس من الوحي، وانحسر الأمر في العصر الحاضر حين سخرت التقنيات الحديثة لخدمة الشرع، فتبين السليم من السقيم.

هذا بالإضافة إلى أن الدعوة إلى التشيع والمذاهب الأخرى -في المغرب الكبير- هي دعوة تبناها أعداء الإسلام من مستشرقين وباحثين غربيين، لمحاربة الإسلام السني لأنه هو الأوسع انتشارا، وهو الأقرب إلى الوحي .. بدعوى محاربة التطرف والأصولية، وما شاكل ذلك من مصطلحات ومفاهيم أريد بها باطل. كما أن الدعوة إلى تلك المذاهب -فضلا عن ذلك كله- هي من قبيل الفرار إلى الأمام .. أما الحقيقة، فلا يعلمها إلا الدعاة، حتى لا أقول إن وراء الأكمة ما وراءها.

فالإسلام واحد، يدعو إلى التوحيد والتوحد، ولا يقبل التقسيم أو التبعيض، فهو دين الفطرة واليسر والتسامح، والعيب ليس فيه ولكن في المسلمين بمختلف أعراقهم، وهذا شأن آخر.

وأعتقد أن ما دفع ويدفع باستمرار إلى التقول على الإسلام ناتج بالدرجة الأولى عن مواقف مبدئية، لأنه يشكل خطرا على أصحاب المصالح الضيقة، وبالدرجة الثانية عن سوء فهم.

إن الدعوة إلى التشيع والخارجية والإباضية، وربما الرجوع إلى برغواطة، لا يفيد بلدا تتربص به الدوائر، ويرسف في قيود الأمية والبطالة وقلة وسائل التطبيب وفساد الإدارة وغياب العدل.

إن المغرب في حاجة إلى من يبنيه على أسس سليمة قوية ويدعم وحدته ضد المتربصين، أما إحياء النعرات فهو يندرج في سياق إيقاظ الفتنة .. وهو أمر منهي عنه طبعا وشرعا.

المسألة الخامسة، وأعتبرها من الدواهي الكبرى، لأنها قضية جميع المسلمين، بل قضية الإنسانية جمعاء، وهي القضية الفلسطينية.

إن المرء ليقف مشدوها أمام الموقف الذي عبرتم عنه، في آخر شيء تم استجوابكم حوله، حتى خيل لي أنكم سحرتم، أو ألم بكم صارف صرفكم عن الطور، سيما وأنتم رجل قانون لا ينبغي إلا أن يقف إلى جانب الحق والمشروعية. قد يخيل إلى المرء حين يسمع ما قلتم بالحرف: “لا قضية لنا نحن الأمازيغ في الشرق الأوسط ولا أرض لنا نتفاوض عليها مع اليهود…”، ولا أعتقد إلا أنكم غيرتم هويتكم بهوية أخرى.

وهذا أمر مستغرب منكم لأن المسلم مأمور بألا يسلم أبدا أخاه المسلم أو يخذله، مهما كانت الخلافات في الرأي، ما دامت العقيدة واحدة.

ثم كم تمثلون أيها الأستاذ؟ هل قمتم باستفتاء خولكم أن تتحدثوا باسم البربر؟ ومن منحكم صلاحية الحديث باسم الآخرين؟ أعتقد أنكم تزيدتم على أناس لا يشاطرونكم الرأي، وأنتم تعبرون عن مواقف أقل ما يقال عنها إنها رعناء.

اتقوا الله أيها الأستاذ، وتوبوا إلى بارئكم مما صدر عنكم غفلة، فإن الظرف دقيق والمسلمين في وضع لا يحسدون عليه، وإن الفتنة نائمة…