صادق المجلس الوزاري المنعقد يوم الخميس 04/07/2002 على الصيغ التعديلية التي أدخلتها الحكومة في مجلسها المنعقد يوم 02/07/2002 على القانونين التنظيميين لمجلسي النواب والمستشارين، وخاصة البنود التي طعن في دستوريتها المجلس الدستوري في قراره الأخير يوم 25/06/2002. ومن بين أهم القضايا التي طالها التعديل التنصيص على حق اللامنتمين في الترشيح للانتخابات مقابل وضع شروط لازمة لذلك.

وقد حصرت الحكومة في مشروعها، الذي سيناقشه البرلمان بعد ذلك، هذه الشروط في ثلاثة، أولها بيان مصادر التمويل، وثانيها الإدلاء ببرنامج انتخابي مكتوب، وثالثها الإدلاء بوثيقة تتضمن توقيعات مصادق عليها يبلغ عددها 500 توقيعا، 20% منها على الأقل تتضمن توقيعات لأعضاء في المجالس المنتخبة (مجلس النواب، مجلس المستشارين، المجالس الجماعية، الغرف المهنية) في إطار الجهة التابعة لدائرة نفوذها. أما فيما يتعلق باللائحة الوطنية فقد اشترط المشروع نفس عدد التوقيعات، لكن هذه المرة 20% منها على الأقل أعضاء في المجالس المنتخبة موزعة على نصفي جهات المملكة على ألا يقل عدد الموقعين لصالحها في كل جهة عن 5%.

إن هذه الشروط تثير أكثر من سؤال، وتبعث كثيرا من الاستفهامات حول مدى معقوليتها، والخلفية التي حكمت واضعيها، ومدى إسهامها في نجاح العملية الانتخابية كما يتمنى ذلك صناعها. وقبل الخوض في هذه الأمور، لابد من التذكير بأن حق اللامنتمين في الترشيح لا يمكن لأحد أن يصادره بمقتضى تشريعي، ولكن العمل السياسي النظيف في إطار أحزاب شفافة تمارس في دولة تفتح التعددية لكل الآراء والتوجهات هو وحده القادر على وضع حد لهذه الظاهرة التي لا تخدم مستقبل البلاد سيما إن أصبحت هي القاعدة، وتكاثرت حالاتها، لأن الأصل في العمل السياسي أن يمارس من خلال هيئات تتحقق من خلالها المسؤولية التاريخية وإمكانية المحاسبة والمتابعة . ولابد أن نستحضر هنا كيف كانت توظف هذه الترشيحات لترجيح كفة على أخرى، بل كيف تنقلب هذه الحالات إلى حزب حاكم!!.

لكن مع هذا الإدراك، نتناول هذا المشروع الحكومي من زاوية حقوقية لنستنتج هل تشكل بالفعل هذه الخطوات الحكومية إجراءات وقائية؟ وهل هي منطقية؟ وهل هي عامة؟ وهل هي عادلة؟.

إن تفحص هذه المقتضيات الحكومية يجعلنا نستنتج أنها إجراءات تعجيزية وغير عادلة ويتضح طابعها التعجيزي مما يلي:

1. الأصل في الانتخابات هو التنافس، ولهذا لا يسعنا إلا أن نستغرب كيف يتم اشتراط توقيعات لأعضاء المجالس المنتخبة المفروض انتماؤهم لأحزاب، والمتوقع أن يكونوا منافسين لهؤلاء المستقلين!! فهل يعقل أن يحصلوا علىتوقيعات من منافسين لهم؟ وهل يسمح أعضاء المجالس المنتخبة بفتح الباب لمنافسين محتملين؟ إنه مطلب تعجيزي وغيرمنطقي.

2. يشترط المشروع المصادقة على التوقيعات، ووحده هذا الإجراء سيكلفهم مبالغ مالية طائلة، وهذا نوع من التعجيز، ولا يقبله منطق.

3. لسد الباب أكثر على اللامنتمين، وحصر عدد المرشحين منهم في أقل عدد ممكن يؤكد المشروع على أنه لا يمكن لأي عضو في المجالس المنتخبة التوقيع لفائدة أكثر من لائحة مستقلة واحدة أو مرشح مستقل واحد سواء في اللوائح المحلية أو اللائحة الوطنية، وأن تكون قوائم التوقيع موضوع إيداع واحد من طرف المرشحين. وهذا الإجراء تعجيزي، وهدفه حصر العدد، إذ أن 20% من 500 توقيع تشكل 100 توقيع، ولنا أن نتساءل كم عدد أعضاء المجالس في الجهة؟ وكم العدد الذي يمكن أن يغطوه بتوقيعاتهم؟.

4. أما فيما يتعلق باللائحة الوطنية، فقد اشترط المشروع أن تكون الـ20% من توقيعات أعضاء المجالس المنتخبة موزعة على نصفي جهات المملكة على ألا يقل عدد الموقعين في كل جهة عن 5%، وهذا إجراء وقائي يتوخى التعجيز، إذ كيف يمكن للامنتمين أن يجمعوا هذا الكم من هذه التوقيعات في رقعة جغرافية بهذه الشساعة؟ إلا إن كان هؤلاء اللامنتمون منتظمين في إطار خاص بهم، وبهذا نصبح عمليا أمام حزب للامنتمين، وعمليا أحزاب للامنتمين!!!

5. يشترط المشروع على المرشحين اللامنتمين الإدلاء ببرنامج مكتوب، وهذا أمر صعب حتى على الأحزاب بهيئاتها وأجهزتها وخبرائها، وكلنا يتذكر تبادل التهم بين الأحزاب إبان انتخابات 1997 حول سرقة البرنامج بعدما اتضح أن نفس البرنامج يتداوله الكل في الساحة، إنه مطلب تعجيزي آخر.

6. أضف إلى ذلك أن ترشح لا منتمين في لائحة بناء على برامج فردية يتطلب اتفاقا على برنامج حد أدنى فيما بينهم، وبهذا سنصبح عمليا أمام حزب!!.

كما يتضح طابعها غير العادل مما يلي:

1. ينص المشروع الحكومي على ضرورة إدلاء المرشح اللامنتمي ببيان لمصادر تمويل حملته الانتخابية مسبقا، وهو الإجراء الذي لم تشترطه في الأحزاب رغم أن المنطق يفرض هذا خاصة بعد المصادقة على مشروع مرسوم رقم 188/02/02 في شأن مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية بمناسبة الانتخابات العامة الجماعية والتشريعية، والذي نصت فيه علىصرف الدعم على شطرين 50% تبعا لعدد الأصوات المحصل عليها، و50% تبعا لعدد المقاعد المحصل عليها من طرف كل حزب، ولذلك فلن يصرف أي مبلغ إلا بعد الإعلان عن النتائج، ألا يتطلب هذا الإجراء القانوني تعميم شرط تبيان مصادر التمويل على الجميع؟ لماذا يتم استثناء الأحزاب؟ هل لأنها تتوفر على موارد كافية؟ ما هي هذه الموارد والكل يعلم أن القانون المنظم لعمل الأحزاب (أي ظهير 15/11/58 المعدل في 10/04/1973) متخلف في هذا الصدد ويحرم على الأحزاب الحصول على موارد غير انخراطات أعضائها؟ هل تكفي هذه الانخراطات؟.

إن هذا الشرط يكرس نوعا من اللامساواة بين اللامنتمين والمنتمين.

2. اشترط المشروع الحكومي، كما أسلفنا، جمع توقيعات، ولا ندري لماذا يعمم هذا الشرط على الأحزاب، خاصة أن عددا كبيرا منها حديث النشأة، والأكيد أنه لا يتوفر على هذا الشرط، بل إن عددا من الأحزاب القديمة لا تتوفر على هذا العدد المطلوب.

إن تطبيق هذا الشرط قد يؤدي إلى إقصاء أزيد من نصف الأحزاب فما السبب في عدم تعميم هذا الشرط؟

نذكر دائما بأن هذا الكلام لا يعني اتفاقا مع هذا الإجراء أو معارضته، ولكن نورده لنرى مدى انسجام المشروع الحكومي، ومنطقيته، وعدالته.

3. هناك العديد من الأحزاب التي لا تتوفر على امتدادات جغرافية تشمل كل جهات المغرب، وبالتالي فلن يمكنها تقديم مرشحين في اللائحة الوطنية. فهل سيتصدى المجلس الدستوري لهذا الشرط بناء على هذه الحيثيات؟

لابد، قبل ختم الحديث عن هذه التعديلات الحكومية، أن نتطرق لبعض السلبيات والآفات التي سيؤدي إليها هذا المشروع، ويمكن اختزالها في:

1. البحث عن التوقيعات سيفتح المجال لنوع من المضاربة، وسيشكل مصدرا لإثراء غير مشروع بالنسبة لأعضاء المجالس المنتخبة من خلال المتاجرة في بيع التزكيات، وسيؤكد هذا الطلبات الكثيرة التي ستتقاطر عليهم لأنهم لا يمكنهم التوقيع لأكثر من مرة، وهذا ما لم ينتبه له المشروع، وحتما سيفسد المشهد الانتخابي.

2. قد يعلل البعض صحة ما قرره المشروع الحكومي بكون الأحزاب ستتحكم في أعضائها حتى لايضاربوا في منح التزكيات، ولا يعطوها إلا لمن يستحق ذلك، ولكن لابد من الانتباه إلى أن هناك خزانا مهما من أعضاء المجالس المحلية المستقلين والذين لا يمكن التحكم فيهم على الإطلاق.

3. سيفتح المشروع الحكومي الباب على مصراعيه لميلاد تشكيلات سياسية من نوع جديد، قد تسمى هذه المرة أحزاب اللامنتمين، وهي قد تتميز من حيث الشكل عن اللامنتمين الذين كانوا يشكلون حزبا مباشرة بعد فوزهم كما حصل في انتخابات 1977، أو عن اللامنتمين الذين يسبقون الأحداث فيؤسسون حزبا قبيل الانتخابات كما حصل مرات عديدة، لكنها من حيث المضمون قد لا تختلف سوى أنها في منـزلة بين المنـزلتين.

4. أما فيما يتعلق بشرط الإدلاء بالبرنامج، فإنه سيفتح المجال مرة أخرى لتبادل التهم حول السرقة، وهذه المرة ليس فقط بين الأحزاب، ولهذا فلابد من اتخاذ إجراءات وقائية. تمكن الجميع أحزابا ومنتمين من الإبداع حتى تشكل الحملات الانتخابية محطات لتوليد الاقتراحات، ولعل من بين الإجراءات اشتراط تقديم البرامج قبل نشرها علىالعموم في تاريخ محدد من قبل الجميع.

فهل يمكن أن نتكهن ببعض خلفيات هذه الإجراءات؟.. لن نحاكم النيات، ولكن يمكن أن نستنتج أن الأمر يتعلق بـ:

1. تخوف الأحزاب من تأثير اللامنتمين في صنع الخريطة السياسية، بل التخوف من اكتساحهم لجل المقاعد، خاصة أن المواطنين جربوا الأحزاب بكل تشكيلاتها وتصنيفاتها بدون جدوى.

2. تخوف الأحزاب من الغاضبين من أعضائها الذين قد يحرمون من حق الترشيح في اللائحة الحزبية، خاصة في ظل الصراع المنتظر على من سيتقدم هذه اللوائح.

ولا يسعنا إلا أن نذكر بأن الإجراءات الوقائية الطبيعية تكمن في:

1. فتح الباب أمام تعددية حقيقية يفسح فيها المجال لكل الآراء والتوجهات على أساس شروط قانونية واضحة دون ابتزاز أو مساومة أو…

2. مراجعة طريقة عمل الأحزاب، أو ما صار يصطلح عليه بالديمقراطية الداخلية وسط الأحزاب،وذلك بفتح المجال لكل الطاقات لولوج مناصب المسؤولية، واحترام القوانين الأساسية والداخلية، واعتماد معايير موضوعية لاختيار المرشحين…

3. توعية المواطنين وإشراكهم في المراحل كلها سواء أثناء الإعداد أو التصويت أو التطبيق، فلا يعقل أن يغيب النقاش المجتمعي أثناء الإعداد، ونحمل الشعب تبعات ما تم إقراره بين النخب الحزبية، ونلقي باللائمة عليه وحده، ونحمله وحده مسؤولية حمايته.

جدير بمن يوزع الاتهامات على المواطنين، واللامنتمين، أن يلقي باللائمة على الأحزاب كذلك التي عجزت عن تأطير المواطنين، ولطخت سمعة العمل الحزبي، حتى أصبح لدى العديدين رديفا للانتهازية والوصولية