أزيد من 110.000 مغربي بئيس يحاول كل سنة عبور مضيق جبل طارق قصد الالتحاق بأرض الوعود، وينتهي هذا الحلم نهاية مخزية لكل المغاربة.

والغريب أن غرق الآلاف من أعز ثرواتنا البشرية لا يثني البقية الباقية من إعادة الكرة. والأكيد أن وراء هذا التهافت على الموت أسبابا كامنة.

هناك معطيان بارزان:

الأول: إن البلد يحضن ـ أو يحتضن لا فرق ـ مؤسسات عتيقة متهالكة لا تقدم للأجيال الجديدة معالم حقيقية واضحة للمستقبل.

الثاني: التدفق الطوفاني للمزابل الاعلامية الغربية الواعدة بجنة على الأرض لا يفصل عنها سوى قطع 12 كلم بحرا وفي ليلة واحدة !

يُجمع المختصون أن هذه المأساة المخزية احتدت مباشرة بعد توقيع اتفاقية فضاء شنكل Espace Schengel سنة 1990 والتي حدت من التأشيرات الممنوحة الأمر الذي أعطى لشباب البلد الانطباع بالاختناق مما حذا بهم إلى العبور “السري” نحو إسبانيا خصوصا من مضيق جبل طارق، واستطاعت هذه الظاهرة أن تصبح أهم محاور ومعالم علاقة المغرب بالاتحاد الأوربي. فما بين سنوات 1991 – 1999 تلذذت السلطات الإسبانية باعتقال 32000 مهاجر حسب تصريح الوزير الأول الإسباني “أثنار” أمام البرلمان بتاريخ 24 أبريل 2002. ويضيف أن سنة 2000 عرفت وحدها ضبط 15000 مهاجر. وسنة 2001 رقم 18517 مهاجر (منهم 14405 عبر المضيق و 4112 عبر جزر الكناري). وهي أرقام لا تحتاج إلى تفكير لملامسة التضاعف المهول في أعداد المهاجرين. وبخصوص هذه السنة فإن الإسبان تمكنوا من حجز 1060 قاربا مخصصا للتهجير، وتفكيك 302 شبكة للتهريب واعتقال 1223 من مكونيها، حسب المصدر نفسه. والجدير بالذكر ـ والحسرة ! ـ أن السلطات المغربية تؤكد هذه الأرقام بأخرى تضاعفها وتزيد؛ إذ تفيد مصالح الأمن في تقاريرها بهذا الصدد أنها تمكنت من ضبط 25613 مرشحا للهجرة سنة 2000 وأزيد من 21000 آخرين، فقط ما بين شهري يناير ويوليوز من سنة 2001 ـ وهو ما يقارب 80 معتقلا كل يوم من الجانب المغربي وحده ! ناهيك عن الإسبان الذين أدلوا بأنهم طردوا من الأراضي الاسبانية 22984 سنة 2001 منهم 21000 مغربي. والأدهى أن المغرب صار يعرف نوعا أفظع من الهجرة، وهي الهجرة الجنسية !

حقائق وأرقام تدمي القلب، لكنها تدعونا مع ذلك إلى التفكير الذي يستحث التحرك والقيام لكن بعد وعي عميق بالأسباب الدافعة إلى الاتفاق التلقائي والاضطراري لشباب البلد ـ وهم الصفوة ـ والذي لايمكن أن يكون اتفاق خطأ على أن العيش في المغرب جحيم لا يطاق ! ولعل التصريح البسيط والعميق في آن لأحد الشباب المغاربة أمام القناة الثانية بتاريخ 16/04/2002، ملجم لكل صادع، قال: “وددت لو قطعت إربا ورميت بالضفة الأخرى”

إن الحل مستعص لكنه ممكن شريطة استحضار النقط المستعجلة التالية:

ـ الكف عن المزايدة والمناورة بملف المهاجرين في المفاوضات المغربية الأوربية.

ـ كفل الكرامة الحقيقية لكل المغاربة في الداخل، قبل طلبها من الخارج.

ـ ضرورة مشروع مجتمعي صلب يلتف حوله المغاربة.