في الثاني من تموز/يوليو 2002، أذيع تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية في البلدان العربية. وقد حرّره حوالي ثلاثين مثقفا يمثلون بلدانا واختصاصات مختلفة، ويقدم التقويم الأكثر فجاجة للظروف السائدة في المجتمعات العربية. ويسعى النص في صورة خاصة إلى تفسير النواقص الخاصة بالمنطقة ويصل إلى النتيجة بأن العوائق الكبرى أمام المجتمعات العربية تتمثل في غياب الحريات السياسية وقمع المرأة وعزلة فكرية تخنق عملية الخلق. بالرغم من الثروات النفطية في بعض المناطق، فإن مجمل العالم العربي ما زال في حال من التخلف، مقارنة مع مناطق أخرى من العالم لا تتمتع بهذه الثروات. فالإنتاجية مثلا تراجعت إلى مستويات بالكاد تتجاوز معدلات إفريقيا الواقعة إلى جنوب الصحراء حيث يسود الجوع والأوبئة. ولا يخصَّص للعلم والتكنولوجيا سوى أجزاء زهيدة من الناتج القومي بينما يشعر المثقفون في البلدان العربية كافة أن عليهم الفرار من محيط سياسي واجتماعي خانق إن لم يكن قمعيا. الخلاصة الدراماتيكية الكبرى تتعلق بالمرأة التي تعاني الاختناق في جميع دوائر الحياة المنتجة مع 50 في المائة من الأمية ونسبة وفيات أثناء الوضع تبلغ ضعف الوفيات في أمريكا اللاتينية وأربعة أضعاف شرق آسيا. بالرغم من الانتقادات اللاذعة واللهجة المتشائمة عموما، يقدم التقرير بعض الاستنتاجات الإيجابية بما في ذلك حول الإصلاحات الديموقراطية الأخيرة في المغرب والنجاحات التي حققتها المنظمات النسائية هناك في صراعها ضد المحرمات التقليدية(1). الأمر ليس مفاجئا لمن يتتبع عن كثب أحوال المغرب، البلد الذي أعطى عن نفسه خلال حكم الملك الحسن الثاني (المتوفي عام 1999) وابنه محمد السادس صورة الدولة الحديثة المتطلعة نحو الغرب والتي تمزج بليونة بين الثقافة الإسلامية التقليدية وحاجات المجتمع العلماني ضمن حركة يمكن تسميتها “الحداثة الاقتباسية”. وقد ساهمت الصلات المبكرة والسرية مع إسرائيل والتي تمت بدافع من الدور الخاص جدا الذي يضطلع به اليهود المغاربة، في إرساء صورة متسامحة ومعتدلة. يضاف إلى صورة البلد “المتحضر” هذه، القرب من أوروبا والجاذبية السياحية التي يتمتع بها المغرب والتي لم تفتر قط. في المختصر، وخلافا لجيرانه العرب في المغرب والمشرق، تمكن المغرب من إعطاء صورة عن نفسه تتسم بالتقدم والانسجام الاجتماعي الذي حصنه ضد أشكال التطرف الإسلامي الذي يعاني منه جاره الجزائري وغيره من بلدان العالمين العربي والإسلامي. ويساهم كون الملك زعيما دينيا (أمير المؤمنين) ومدنيا في تركيز الشرعية على التوافق والتعاون ورفض المواجهة العنيفة. في هذا الجو من الثقة ينظر إلى الانتخابات التشريعية على أنها مجرد استمرار لعملية التحول الديموقراطي الجارية بمشاركة جميع الأحزاب… باستثناء الحزب الأكثر تمثيلا للتطلعات السياسية والاقتصادية ـ الاجتماعية الشعبية وهو “العدل والإحسان” المحظور، في حين تُفرض الإقامة الجبرية على زعيمه الروحي والسياسي الشيخ عبد السلام ياسين. إلى أي مدى تتطابق هذه الصورة التي ابتدعها المغرب لنفسه مع واقع الحال؟ ما القول في الهروب الواسع للمغاربة في اتجاه أوروبا وغيرها سعيا وراء العمل والحرية؟(2) كيف نفسر العدد الكبير من المغاربة المنضوين في شبكة “القاعدة” بمن فيهم زكريا الموسوي، الفرنسي من أصل مغربي والمتهم بالمشاركة في اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 والذي تجري محاكمته في الولايات المتحدة؟ أو الدور الذي اضطلع به عبد الغني مزودي، شريك غرفة محمد عطا، أحد الذين خطفوا الطائرات ووجهوها نحو برج التجارة العالمي وقد اعتقل مزودي مؤخرا في هامبورغ؟ وما القول في اكتشاف مخطط لـ”القاعدة” في المغرب في حزيران/يونيو 2002؟ والكراهية الشديدة حيال الولايات المتحدة والغرب، كما عبرت عنها التظاهرة الشعبية الضخمة في 7 نيسان/ابريل 2002 حيث أتاح التضامن مع الفلسطينيين الفرصة أمام الجماهير للتعبير عن غضبها تجاه عالم تتآمر قواه من أجل قمعها؟ كيف التوفيق بين الصورة الإيجابية عن التنمية الاجتماعية المغربية وواقع سوء معاملة المرأة وعمالة الأطفال والرقيق المنـزلي الذي يطال أحيانا فتيات في السادسة أو السابعة من العمر، أو مع الأمية التي تغرق فيها الغالبية من أهل البلاد؟ هل يمكن أن نصف بالدمقراطية نظاما لا يزال يترأسه ملك مطلق الصلاحية بالرغم من وجود سلطات مضادة؟ أخيرا هل ننعت فعلا بالديموقراطي نظاما تمنع فيه حركة معارضة أصيلة وغير عنيفة تمثل الطموحات السياسية للجماهير من المشاركة في انتخابات قيل إنها حرة، وهذا ما يحصل حاليا لحركة الشيخ ياسين؟ من أجل فهم الهوة الفاصلة بين صورة المغرب وواقعه، يجب البدء بتحليل الفروقات بين الأجيال التي ظهرت في البلاد خلال العقدين المنصرمين. فقد تلقى الجيل الحاضر من الراشدين سلسلة من الوعود الخائبة والآمال الوهمية والانتظارات اللاواقعية والتردد الثقافي والتلاعب السياسي. فالفساد والرشوة يهيمنان في أعلى مراتب السلطة السياسية، ويشكلان نموذجا تسعى جميع الفئات الأقل نفوذا إلى الاقتداء به. بالرغم من بعض الإشارات على تقدم تدريجي نحو الديموقراطية و”التناوب” السياسي ـ تطلق الحكومة الحالية على نفسها اسم “حكومة التناوب التوافقي” ـ لا تزال الطبقة الحاكمة تنشر ثقافة العجرفة والاحتقار والفساد. وهذا ما يؤثر على مواقف الطبقات المتوسطة وسلوكها السياسي، وخصوصا أن التعليم بالنسبة إلى هذه الطبقات ليس سوى وسيلة لتقدم المصالح الفردية وتحسين الأوضاع المادية والامتيازات الخاصة. أما الذين لا سبيل لهم إلى التعليم الثانوي أو الجامعي المطلوب للنجاح في دخول سوق العمل المعولم حيث التنافس على أشده فأمامهم خياران: الهجرة أو ممارسة الاقتصاد غير الشرعي والخروج على القانون. إن الاستثناء الوحيد في ظل اللامبالاة السياسية يتمثل في الإسلاميين الممثلين في أوساط المتعلمين والأقل علما. ويشكل التوجه الإسلامي ـ والمعروف هنا بأنه نشاط سياسي يسعى إلى تغيير الدولة والمجتمع عبر مرآة الإسلام ـ في المغرب أول قطيعة جدية مع الماضي. فخلافا لباقي التوجهات الإيديولوجية والسياسية ـ القومية، الاشتراكية أو الشيوعية ـ ترفض الحركة الإسلامية عددا كبيرا من القيم التي تنادي بها النخب الحاكمة بما في ذلك الازدواجية الثقافية واللغوية والعلمنة والتغريب واستبداد السلاطين.

الإسلاميون يتخطون الحدود

المغزى الذي يعبر عنه الشيخ ياسين يظهر جليا في: السياسة تمكن من ربط الطموحات الشعبية بطريقة متماسكة اجتماعيا وحساسة ثقافيا. فالإسلاميون مجموعة أفراد يتخطون الحدود بين الأجيال والأجناس والمناطق ويمثل خطابهم وبرنامجهم تحديا للوضع السياسي الراهن. ومع أنهم لا يمثلون الغالبية من الشبان الراشدين في المجتمع فإنهم يبرهنون عن مستوى عال من القناعة السياسية والإرادة والنشاطية، يفرض على الآخرين احترامهم وحتى التخوف منهم. فهم حددوا مفهوما للالتزام وعلى الآخرين أن يتموقعوا بحسبه، ومع أن تفاصيل برنامجهم ما زالت غامضة فإن لهم قدرة حقيقية ولافتة على التعبئة. ولو لم يطبق النظام خططا لاحتوائه، لكان هذا التوجه عرف انتشارا أكثر اتساعا. لكن الجهود التي بذلتها النخبة لتدمير التعبير السياسي الإسلامي أدت إلى طحن السياسة في شكل عام. وهذا ما يفسر انتشار اللامبالاة في كل مكان وما يشير إليه بشكل لافت استفتاء الرأي الذي أجرته صحيفة “لو جورنال” في الرباط) تموز/يوليو 1998) والذي بموجبه لا تثق سوى نسبة 3,1 في المائة من المغاربة بالسياسيين و3,9 بالشرطة! (3). بعد مضي حوالي أربع سنوات سيتم التعبير عن نفس الإحساس في استقصاء آخر للرأي حيث نسبة 9 من أصل عشرة غير قادرين على التعرف على شعارات الأحزاب السياسية الراهنة وتمييزها بعضها عن البعض إيديولوجيا (4). لا يفرض حزب “التوحيد والإصلاح”، الحزب الإسلامي الوحيد المسموح له بالمشاركة في الانتخابات ولا رئيسه الحالي السيد عبد الإله بنكيران، الاحترام نفسه أو الدعم الشعبي نفسه الذي يفرضه حزب “العدل والإحسان” بزعامة الشيخ ياسين. على مثال زملائه المغاربة يتمتع الشيخ ياسين، بالرغم من بلوغه الرابعة والسبعين، بـ”هالة” روحية. كما بالنسبة لعباسي مدني (زعيم “جبهة الإنقاذ الإسلامية” المعتقل) في الجزائر أو لراشد الغنوشي (الزعيم المنفي لحركة الاتجاه الإسلامي) في تونس، فإن اللحية المرسلة والعينين اللامعتين ترمز إلى العطف الأبوي أكثر منه إلى التعصب الديني (5). الشيخ ياسين معروف منذ العام 1974 من خلال توجيهه “رسالة مفتوحة” إلى الحسن الثاني بعنوان “الإسلام أو الطوفان؟” يحذر فيها الملك من غضب الله إذا لم يتب ويرجع إلى الصراط المستقيم. وفي العام 1981، أصدر ياسين بالفرنسية كتاب “الثورة في زمن الإسلام” (La Révolution à l”heure de l”Islam ) معتبرا إياه “كتاب دعوة” و”كتاب صراع”. يقول في المقدمة إن المطلوب “أسلمة الحداثة وليس تحديث الإسلام” حيث يكون التحدي الكبير تخطي الجاهلية(6) حيث يسود “الجهل والعنف والأنانية، عالم بدون أي مبدأ روحي”. من هذا المنظور لا تكون المجتمعات الجاهلية إسلامية بل تعاني على العكس السيطرة الغربية(7). في نظره يجب أن تحل الأنظمة الإسلامية الداعية إلى “الديموقراطية الإسلامية” محل هذه المجتمعات الجاهلية. وستفضي هذه الديموقراطية إلى نظام يحكمه العقلاء وليس الماكرون. وتقوم قواعده الجديدة على مرتكزات ثلاثة: إعادة العدالة من جديد من خلال القانون، إعادة الاعتبار إلى الأخلاق بالتربية وبعث “الحسبة” (سلطة المراقبة). الديمقراطية الإسلامية تعني التمثيل (انتخابات على كل المستويات) والمسؤولية والرقابة وبالتالي المحاسبة. الديمقراطية الإسلامية تعني التمثيلية (انتخابات في كل مرحلة) تعني المسؤولية والمراقبة وبالتالي المعاقبة. القاعدة هي المشاركة السياسية والمشاركة في حكومة الأغلبية. لا يمكن محاربة الجاهلية إلا بالجهاد لكن الجهاد هو العمل وليس العنف. ليس المطلوب خوض حرب ضد العدو بل الدعم الفاعل لـ”التربية والممارسة السياسية حتى التغلب التام على أفكار الجاهلية وعاداتها”.

يعتمد أتباع الشيخ ياسين المحرومين من شبكة المساجد لنشر دعوتهم على التواصل الشفوي والكاسيتات والانترنت والمجلات والجرائد ذات التوزيع المحدود، كما على المجموعات الإسلامية في الخارج لبث أفكارهم. وفي حين يتوسع الفارق بين صورة المغرب وحقيقته. فشروط اللجوء إلى العنف باتت متوافرة: ضخامة المشاكل الاقتصادية، القلق العميق في أوساط العاطلين عن العمل من الشبان البؤساء في المدن الكبرى، انعدام الأمل لدى المتخرجين من الثانوي كما الجامعي في إيجاد فرص عمل ذات أجر حسن ومناسب لمؤهلاتهم. بالإضافة إلى أن التحديات الثقافية والأخلاقية التي يثيرها الحضور الطاغي للغرب من خلال السياحة والمنوعات والأفلام والتلفزيون والموسيقى والأدب، تطرح أسئلة مقلقة على المحافظين والمتمسكين بالتقاليد والمؤمنين في المغرب. في جميع هذه المجالات يقدم التيار الإسلامي الشعبي -الذي يطرح رسالة ذات مغزى سياسي وأخلاقي وثقافي كما هو ديني- أملا في التغيير وسيستمر في التأثير على تفكير الشباب وعلى الفقراء في المدن من خلال الخطاب الديني كما بواسطة الخدمات في ميادين التوظيف والسكن والخدمات الصحية المستعجلة والغذاء الرخيص الثمن والدعم المدرسي. وإذا ما قامت دولة متلاعبة بوضع حد لهذه الجهود الشعبية أو تخريبها، يمكن أن تطفو على السطح خيارات أكثر تطرفا ومتضاربة إيديولوجيا وموجهة سياسيا من طرف تنظيمات من نوع “القاعدة” أو غيرها من أبناء الاتجاه الإسلامي المشابه.

* أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة فوردهام (نيويورك) ورئيس تحرير Journal of North African Studies لندن.

1. New York Times, 4/7/ 2002.

2. Pierre Vermeren ? Les Marocains rêvent d?Europe ?, Le Monde diplomatique, juin 2002.

3. Moroco ?, Economic Intelligences Unit, Londres, 1998.

4. Le Monde, 3 décembre 2001.

5. Henry Munson, Jr., Religion and Power in Morocco, Yale University Press, New Haven, CT, 1993, p.162

6. Jean-Claude Vatin, ? Seduction and Sedition : Islamic Polemical Discourses in the Maghreb ?, in William R. Roff (sous la direction de), Islam and the Political Economy of Meaning :Comparative Studies of Muslim Discourse, University of California Press,