يعرف العالم في السنوات الأخيرة، خاصة في أوربا ميلا شعبيا كبيرا لدعم وتقديم الحكومات الاجتماعية ـ أو الاشتراكية بالعبارة السياسية ـ ففوز شيراك للمرة الثانية على غرار فوز توني بلير الاشتراكي البريطاني والمستشار الألماني مرورا بأثنار الإسباني، كلها مؤشرات على تهافت الشعوب الأوربية على الحكومات الاشتراكية اتقاء وخوفا من طوفان العولمة وتحرير السوق، وأملا في الأمن الاقتصادي.

وللمغرب في حكومته الحالية انتساب لهذه الظاهرة مع متغير جوهري، وهو أن الوعي بالعولمة وخطرها كان في أوربا وغيرها اختيارا اضطراريا شعبيا بعكس الحالة في بلادنا. ولعل هذا المتغير هو المؤثر ـ بحسب المؤشرات الآتية ـ على التنافر بين طبيعة الحكومة الموسومة بالاجتماعية وبين الملامح والحصيلة.

قبل التعرف على الحصيلة الاشتراكية لا بد من استحضار المعطيات التالية:

يبلغ عدد سكان المغرب اليوم 29 مليونا و 631 ألف نسمة ـ حسب مركز الأبحاث والدراسات الديمغرافية ـ وهذا الرقم أفرز ملامح سكانية لا بد من أخذها بالاعتبار عند كل مخطط اجتماعي واقتصادي. ولعل أهمها انتقال البلاد من تركيز غالبية سكانه بالأرياف. وينضاف إلى هذا الملمح معطى آخر وهو التوزيع الجهوي؛ فمجموع سكان ثلاث جهات وحدها تضم ثلث سكان المغرب، ويتعلق الأمر بجهات سوس ماسة درعة التي تضم 10% من مجموع السكان، وجهة مراكش تانسيفت الحوز نسبة 10,5 % ، وأخيرا جهة الدار البيضاء بنسبة 11,9 %.

ويبقى توزيع السكان حسب الجنس أهم المؤشرات السكانية. وهكذا تفيد التوقعات لسنة 2002 تسجيل 14 مليون و 889 من الذكور مقابل 14 مليونا من الإناث. أما على صعيد السكان البالغين 20 سنة فأكثر فيحددون لسنة 2002 في 17 مليونا و 238 ألف نسمة.

أمام هذه الأرقام المنذرة بالثبور لكل محلل أرضي لا يؤمن إلا بالنتائج المترتبة على المقدمات يكون بديهيا أن تكون الحكومة الاجتماعية المغربية أعدت آليات وفق برامج منسجمة. لكن الحصيلة كانت هي الأخرى أرقاما ومؤشرات نوردها كالتالي:

سجل برسم الموسم الحالي (2002) معدلا للأمية يناهز 48,3 %. ومعدلا للبطالة عاما يصل 12%، وتبلغ نسبته الحضرية 20 %، والقروية 43%، ويصل هذا المعدل وسط حاملي الشهادات في هذه الأشهر الأخيرة للحكومة الاجتماعية الحالية نسبة 28.5% منها 26.5% بالوسط الحضري و 15.1% بالوسط القروي. وبلغ معدل التمدرس رغم كل الجهود المبذولة ورغم اعتبار تعميم التعليم وإصلاحه أولى الأولويات نسبة 84.6% سنة 2001، وفي العالم القروي نسبة 76.7%.

أما على مستوى الخدمات الصحية فما زال المغرب لم يراوح نسبة طبيب واحد (بقطاعيه العام والخاص) لكل 2309 نسمة، ومؤسسة واحدة للعلاج الضروري لكل 12662 نسمة، وممرض واحد لكل 12662 (ممرض واحد لكل مؤسسة! ) وهذا ما انعكس على أمل الحياة عند الولادة إذ لم يبلغ نسبة 69.5% إلا بالكاد سنة 2001.

كما بلغت نسبة السكان الذين يوجدون تحت عتبة الفقر بالمغرب 19% سنة 2000.

وبالنسبة للدور المزودة بالكهرباء فإنها لم تجاوز 56% سنة 2000 منها فقط 15% بالعالم القروي رغم كل الحركة التي ظهر بها المكتب الوصي في السنوات الثلاث الأخيرة. وبخصوص الماء الشروب فإنها لم تتعد 43% سنة 2001.

إنها مؤشرات تعكس وضعا اجتماعيا صعبا، وإذا كانت صعوبته ناتجة عن الضعف التاريخي لنمو لم يتجاوز 3% على امتداد عقود فإنه ناتج أساسا عن غياب مشروع مجتمعي ممنهج ومنسجم. والحال أننا الآن نعيش غياب برامج اجتماعية وهي أقل خطورة بكثير من غياب المشروع المجتمعي.