تقديــم

عرف المجال المغربي تحولات ونموا متسارعين نتيجة عوامل متعددة وأسباب متنوعة يمكن إجمالها في عوامل طبيعية مثل الجفاف الذي يتمثل مظهريا في ركود المناطق القروية وبالتالي هجرة ساكنتها إلى المدن، وطبيعة النظام السياسي المغربي الذي يتمثل قي تركيز الملكية على تدعيم هيمنتها السياسية على البلاد على حساب التنمية الاقتصادية والأمن الاجتماعي.

العوامل الاقتصادية تتمثل أساسا في الخيارات القطاعية التي اعتمدت بالخصوص على فلاحة تقليدية هشة وهمشت الصناعة الثقيلة لتظل التبعية الصناعية تمتص مواردنا الفلاحية. والعوامل اجتماعية تتمثل في الفقر والأمية اللذين يشكلان عائقا أمام مساهمة الإنسان في التنمية بشكل فعال وفاعل.

كان لدخول الاستعمار دور أساسي في التحولات التي عرفها المجال العمراني بالمغرب من أبرزها التيه المعماري والعمراني الذين يشكلان سمات حضارية وشاهدة على واقعه الثقافي وهويته، هذا على مستوى النموذج، أما على مستوى الشكل، فان المجال المعماري والعمراني يدل على نفسه وواقعه ومعاناته، فيكفي التجول في مدينة من المدن المغربية أو قرية من القرى أو التحليق في السماء للمس هاته المعاناة. ليس المجال هنا مجال دراسة وتعمق على هذا المستوى وإنما نريد التحليق فوق واقع المجال المغربي لمقاربة أزمته ولو بعجالة.

يمكن اعتبار الهجرة المتزايدة من القرى إلى المدن ومن المدن الصغرى والمتوسطة إلى المدن الكبرى التي ما فتئ المغرب يشهدها منذ عهد الاستعمار، من الظواهر الكبرى المميزة التي عرفها المجال المغربي. بغض النظر عن أسباب هاته الهجرة فإنها تصطدم مع عدم توفر هياكل الاستقبال بالحواضر المقصودة وتزيد من اختلال التوازن الحاصل بين الجهات وتساهم في تأزم وضعية هاته المدن من خلال نمو السكن غير اللائق كدور الصفيح، والرفع من حدة الأزمات الاجتماعية الناتجة عن ذلك.

وخلاصة الوضع أن المدن المغربية، وبخلاف القرى، عرفت نموا هائلا ومتسارعا لم تكن مهيأة له، ولم تستطع المخططات الحكومية تداركه، مع تسارع الاختلالات المجالية وتفشي الفساد على مستوى التدبير الحضري. في غياب إرادة حقيقية وجادة، وفي غياب تخطيط عملي وفعال، وفي انعدام النظرة الشمولية للتراب الوطني.

أولا: مـيثاق إعداد التراب الوطنـي: السياق التاريخـي

رغم اهتمام السلطات العمومية المبكر بمشاكل تهيئة التراب الوطني وذلك منذ نهاية الستينات، فان المغرب يسجل تأخرا كبيرا في هذا الميدان.

بالفعل، فقد تم تكوين اللجنة الوزارية لإعداد التراب الوطني (CIAT) سنة 1968 من اجل ضمان التنسيق بين الفاعلين العموميين على مستوى تداول المعلومات وكذا إنجاز المشاريع. وفي نفس الاتجاه قد تم اعتماد سياسة الجهوية الاقتصادية عبر ظهير 16/06/1971 وكذا المخطط الخماسي 68/72 الذي اعتمد تنظيما جهويا يرمي إلى توزيع الاستثمارات والمشاريع وكذا الموارد المالية الكفيلة بالحد من الاختلالات الهيكلية والتوازنات بين الجهات في مجال تهيئة التراب وتحقيق تنمية متوازنة فيما بينها. بذلك أنشئت الجهة سنة 1971 دون دعمها بالأسس القانونية واللوجيستيكسة اللازمة لإنجاز إطار للتنمية الاقتصادية وخلق مجال للتهيئة.

لقد أثبتت هذه التجربة الأولى محدوديتها على مستوى التطبيق وكذا الآفاق والاستشراف. بعد ذلك وفي نفس المجال أنجزت مجموعة من مشاريع ميثاق إعداد التراب على الصعيد المركزي وتم تحيينها عدة مرات وفي مراحل مختلفة، دون أن تأخذ مجراها في مسلسل المصادقة والإنجاز أو التطبيق.

ومع حكومة التناوب أو حكومة التغيير (كما يسمونها)، التي تراهن على هذه القضية التي تعد اعقد ملفات حكومة التناوب، تم اعتماد سياسة جديدة تتجلى في طرح مسالة إعداد التراب الوطني للحوار. استدعي إلى هذا الحوار مختلف القواة الحية بالوطن. الأحزاب السياسية، المكونات النقابية، الوزارات، المؤسسات العمومية، الجمعيات غير الحكومية، المستشارون الجماعيون والجامعيون. وقد عرف المغرب مجموعة من المنتديات تدرجت من المحلية إلى الجهوية لترسي على منتدى وطني يوم 29/01/2001 طرح فيه مشروع الميثاق وتمت مناقشته في ست لجان احتفظ بتقاريرها لتؤخذ بعين الاعتبار وقد كانت انطلاقة هذه السلسلة من الحوارات منذ 26/01/2000 حيث دامت مدة سنة كاملة. والميثاق الآن مطروح على الجهات المسؤولة من اجل دراسته، وبالخصوص اللجنة الوزارية لإعداد التراب الوطني التي ستقرر اعتماد الميثاق كقانون إطار أو مجموعة قوانين على غرار ميثاق التربية والتكوين.

المشروع سيصبح وثيقة هي ميثاق إعداد التراب الوطني. هذا الميثاق هو بمثابة تعهد سيلزم به الجميع لمدة 25 سنة، من إدارة عمومية وجماعات محلية، وقطاع خاص ومجتمع مدني. كما أنه سيشكل أرضية للمخطط الوطني لإعداد التراب.

في الواقع تكمن أهمية الميثاق في كونه إطارا توجيهيا لتهيئة التراب الوطني، يحدد معالم السياسات العامة في مختلف المجالات، ويربط فيما بينها في إطار رؤية شمولية لمجموع التراب وذلك بهدف تحقيق تنمية شاملة ومستديمة تضمن ممارسة ديمقراطية للشأن العام، توزيعا عادلا للثروات والأنشطة الاقتصادية، ويحقق أمنا وهناء اجتماعيين ويضمن للمواطن عيشا كريما يهيئه للمشاركة الفاعلة في التنمية ومحققا لمقاصد استخلافه في الأرض.

فما هو مضمون هذا الميثاق وما هي توجهاته الكبرى؟ وإلى أي حد كانت مقاربة الميثاق واقعية وعملية؟ وما هي الوسائل التي اعتمدها الميثاق من أجل التدخل لإعداد التراب الوطني وتحقيق توجهات الميثاق؟ وما هي الاعتبارات الأولية التي أخذها الميثاق لمقاربة دور الدولة والمجتمع المدني في التنمية؟ وما هي مكانة الإنسان في الميثاق؟ وأي مجتمع يرمي إليه الميثاق وأي مشروع مجتمعي يتبناه؟

ثانيـا: مبادئ ومحددات

1- تعريـف الميثاق

الميثاق تعاقد جماعي ملزم للمتعاقدين، ليست له صبغة قانونية. أي أنه ليس بمثابة قانون بقدر ما له طبيعة أدبية. فالمتعاقدون لا يعاقبون قانونيا بعدم الالتزام ببنود الميثاق.

الميثاق يشكل إطارا توجيهيا، يضم بنودا وخطوطا عريضة تخص الموضوع أو الشأن المتعاقد عليه.

2- تعريـف إعداد التراب الوطنـي

الإعداد أو التهيئة عملية تخطيط ناتجة عن دراسة دقيقة وتصور محدد، يأخذ بعين الاعتبار مجموع المعطيات التي لها ارتباط بالموضوع المراد إعداده. والتراب الوطني مجال جغرافي يضم الحواضر والبوادي والمناطق المتواجدة بينها إلى غاية الحدود الترابية.

وإعداد التراب الوطني يقصد به تهيئته وتخطيطه، مدنا وقرا وسهلا وجبلا، وفق توجهات ومحددات معينة، من اجل مواطن اليوم ومواطن الغد والعقود التالية، حتى يتسنى له العيش في أحسن الظروف، في مجموع التراب الوطني.

3- أهداف إعداد التراب الوطنـي

لعل من أهم ابرز نتائج غياب النظرة الشمولية في تخطيط المجال، وكما سلف الذكر، اختلال التوازن الذي تتخبط فيه البوادي والمدن ومجموع التراب، على مستوى توزيع الأنشطة والساكنة ومناصب الشغل…

يأتي إعداد التراب الوطني كأداة لتهيئة المجال الوطني لإحداث وضمان الانسجام على المستوى المحلي، الجهوي والوطني. وهو يهدف إلى ضمان الاستقرار والتوازن على مستوى توزيع الساكنة واليد العاملة، وعلى مستوى الأنشطة الاقتصادية وتوزيع الثروات والإدارة وتدبير المجال، وعلى مستوى المرافق العمومية والبنية التحتية والأنشطة الثقافية… وكذا تحقيق الأمن الاجتماعي وتأهيل المواطن وللانسجام مع وسطه البشري والطبيعي وتفاعله معه… وتحقيق التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في مجموع التراب الوطني.

يهدف إعداد التراب الوطني كذلك إلى تحقيق التوازن بين القرية والمدينة، بين المدينة الصغيرة والكبيرة، بين المنطقة والأخرى. فهو مجال للتنسيق بين التدخلات في مختلف القطاعات من أجل تحقيق الأهداف المسطرة على المستوى الشمولي وتحقيق الانسجام والتوازن المطلوب.

ثالثا: مـيثاق إعداد التراب الوطنـي: قراءة نقدية

1- حوار إعداد أم إعداد حوار: الحوار ضرورة أم مخرج

يعتبر الجميع فكرة الحوار بخصوص مسألة تهم الأمة بأجمعها وهي التنمية، فكرة محمودة. فالحوار الوطني لإعداد التراب ضم غالب الفعاليات الوطنية وليس كلها. والمتأمل في واقع التنمية في البلاد يدرك أن الفاعل الرئيسي في مجمل القطاعات والمخطط الوحيد كان ولا يزال هو الدولة، من خلال إدارتها ومؤسساتها، ونخص بالذكر هنا مجال التخطيط والبرمجة. إن مبادرة وزارة إعداد التراب الوطني بنهج الحوار من اجل التخطيط وتوجيه إعداد التراب وكأنها تبعث على اعتقاد أن فشل الحكومات السابقة في مسالة إعداد التراب يرجع إلى غياب التخطيط وغياب الإشراك.

إن مبادرة وزارة إعداد التراب الوطني تحيلنا إلى الميثاق الجماعي التي جاءت بمفهوم جديد للتدبير الحضري حيث تم إشراك الجماعات المحلية من خلال المنتخبين في التدبير الحضري مع السلطة المحلية فتم خلط الأوراق وبعثر التراب المحلي، وبقيت دار لقمان على حالها بل زاد الوضع تأزما بتسيب المجال الجماعي من جهة في تدبير الشان المحلي وطغيان السلطة المحلية التي في جل الأحيان كانت ولا تزال هي صانعة المجالس المحلية.

كل هذا يجعلنا نعتقد أن الحوار في مجال يخص تدبير الشان العام مخرج يلجا إليه المسؤولون حين لا يجدون في أنفسهم القدرة على حل مشاكل الشان العام في جوهرها، إما لكونهم لا يدركون جذور وجوهر هاته المشاكل أوانهم لا يملكون الإمكانيات…ثم إن التخطيط على هذا المستوى يتطلب دراسة معمقة مبنية على إحصاءات مدققة في مختلف الميادين، وليس مجرد جمع للأفكار والآراء.

2- حوا رمن ومن يقود الحوار

لقد جاء الميثاق نتيجة حوار بادرت بتنظيمه كتابة الدولة في إعداد التراب الوطني التابعة لوزارة إعداد التراب الوطني والبيئة والتعمير والإسكان (MATEUH) دعي إلى الحوار كافة الفعاليات والمؤسسات العمومية والخاصة. شارك في الحوار إلى جانب الوزارات والمؤسسات العمومية مجموعة من فعاليات المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات وباحثين جامعيين، فكانت المساهمة مساهمة أو مشاركة أشخاص مفوضين من طرف هاته المؤسسات أو مسؤولين عنها إذ لم يتم نقاش الموضوع داخل هاته المؤسسات لتمكين التقنيين من المشاركة بآرائهم على اعتبار كونهم الممارسين الحقيقيين في الميدان.

أكثر من ذلك تقنيو القطاع الخاص لم يتم إشراكهم نهائيا فالدعوات وجهت خاصة إلى المؤسسات العمومية ونصف العمومية ليكون الحوار في النهاية شبه عمومي.اكثر من ذلك أهم الفعاليات السياسية في البلاد لم يتم إشراكها ونخص بالذكر هنا الفعاليات التي لها تجذر في المجتمع المغربي وتعبر عن طموحاته وتطلعاته، الفعاليات التي تؤطر الشعب وتصاحبه وتعيش أزمته ومعاناته اليومية. نقصد هنا الإسلاميين الذين يتم إقصاؤهم بشكل تعسفي من المساهمة في الحقل السياسي الرسمي لكنهم رغم ذلك الإقصاء فإنهم مكون رئيسي في المشهد السياسي مكون فاعل ونشيط، وإذا غاب هذا المكون عن المشهد السياسي الرسمي فانه يظل الفاعل الرئيسي على المستوى الاجتماعي واقعا وعملا.

3- نظرات في الميثاق

تكمن سياسة إعداد التراب الوطني في أن لها تأثيرا كبيرا على مسار التنمية بالمغرب. فالميثاق هو إطار توجيهي يحدد معالم السياسات العامة في مختلف الميادين بهدف خلق الانسجام والتكامل بين مختلف القطاعات والميادين وتوزيع متوازن على مختلف المناطق وهذا ما يعطي للميثاق أهمية كبرى

ووثيقة الميثاق هي مشروع يحاول أن يحدد مسار الشان العام التنموي ومناقشته، والتعليق عليه وتقييمه واجب. لذلك سنحاول أن نستعرض مكامن القوة فيه موجهين الاهتمام لبعض القصور الذي شابه

1- لقد كان المشروع نتيجة نقاش وحوار شبه عمومي، شاركت فبه فئات من المتدخلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين وهو ما يعتبر تجديدا لا يمكن إغفاله إلا أن ذلك جعل الوثيقة ضخمة من حيث المحتوى بحيث أصبحت ملفا كبيرا يحمل في طيا ته مطالب كثيرة اكثر من تصورات. والعديد مما وجد في الميثاق يتم التصريح به في النقاشات السياسية العمومية والخاصة.

2- كان من المفروض أن يحدد الميثاق كل المشاكل الكبرى التي تعرقل مجهود التنمية ويحدد الأسباب التي كانت وراءها وذلك لتجاوزها مستقبلا ثم تحديد المسؤوليات ومواطن الخلل لإصلاحها إلا انه أحيانا تم السكوت عن الأسباب الحقيقية وراء بعض الإشكاليات التنموية رغم انه تمت الإشارة إلى المشكل كإشكالية البطالة والشغل بالوسط الحضري فتم ربط البطالة وضعف سوق الشغل بضعف نسبة النمو وهذا صحيح لكن سياسات الدولة كانت هي المسؤولة عن هذه الآفة نتيجة خيارات سياسية معروفة ضحت بالتوازن الاجتماعي لصالح التوازن المالي.

3- الميثاق غني بالأفكار العامة التي تمس التنمية الشاملة إلا أن إشكالا يطرح نفسه ويتمثل في أن الميثاق يغطي كافة القطاعات التنموية من اقتصاد ومالية وفلاحة وصناعة…لذلك فهناك تساؤل مشروع يطرح نفسه: هل الميثاق إطار توجيهي ستقبله كل المؤسسات الرسمية من وزارات ومؤسسات عمومية أم انه عبارة عن مبادرة عامة يسهل التنصل منها عند التطبيق وبذلك تطرح هنا إشكالية التنفيذ. بحيث إن ضخامة الأفكار والمقترحات وعمومياتها يجعلنا نشك في مدى مصداقية هذه الوثيقة بل ستبقى كما بقيت الكثير من النصوص القانونية تعرض في المنتديات والمهرجانات المحلية الجهوية فقط أما التطبيق والممارسة فذلك شئ آخر.

4- هناك تهويل بالميثاق غير مفهوم.من وقع بعض العناصر الخارجية الجهوية على البعد التنموي خاصة المحلي. فالميثاق اقر بدون تبرير معقول أن “العولمة ظاهرة لا رجعة فيها” وهو يطالب بالاندراج الإيجابي في مسلسل العولمة بدون أن يكون هناك توضيح لما دعا إليه ونعتقد أن إقرار وثيقة شبه رسمية بذلك، قول لا مبرر له بل تصور سياسي يحمل اكثر من المبالغة كما أن الميثاق أشار إلى ضرورة اخذ البعد المتوسطي بعين الاعتبار ولم يوضح دلالات ذلك ومراميه.

5- لقد اغفل الميثاق معالجة أزمة المدينة المغربية، فالمدينة ليست فضاء لتطبيق سياسات قطاعية كالتصنيع والإسكان والسياحة فقط بل هو مركب معقد ولكن مفهوم من تصورات اجتماعية وثقافية ودينية ساهمت في التخطيط وإنتاج ما عرف بالمدينة المغربية أو التقليدية التي ساهمت في الماضي في إدماج الإنسان المغربي وتلبية حاجياته الدنيوية بل وحتى الدينية إلا أن بناء المدن على النمط الأوربي ولد مشاكل زادت من تهميش المدينة المغربية، والميثاق لم يتعامل مع هذا الواقع.

6- يتميز المجال العام بالمغرب بتعدد المتدخلين الإداريين ناهيك عن المتدخلين الاجتماعيين بل اكثر من ذلك يتميز كل قطاع بتعدد الأجهزة والمؤسسات الإدارية المتدخلة والمتنازعة الاختصاصات مما يشل من فعالية تدخلها ويسمح للسلطات المحلية ووزارة الداخلية بالاستحواذ على كثير من الاختصاصات، ويمكن أن نشير إلى دور السلطات المحلية في قطاع التعمير والإسكان، فرغم تواجد العديد من المؤسسات المتدخلة وكذلك نصوص قانونية تحدد إطار العمل، فان عمل المؤسسات يبقى بدون فاعلية أمام السلطة التنفيذية التي تحتكرها السلطات المحلية. الميثاق عوض أن يحاول حماية اختصاصات المؤسسات ويحد من تدخل السلطات المحلية ويختزل المتدخلين وينسق بينهم دعا إلى إنشاء مؤسسات أخرى لها تدخلات بإمكان أجهزة ومؤسسات أخرى القيام بها ونذكر هنا ما دعا إليه الميثاق من إنشاء مؤسسة وطنية لتنمية مناطق الساحل ووكالات الأحواض ووكالة وطنية للإنعاش العقاري وسيادة المتدخلين لن تكون إلا في صالح وزراء الداخلية الذي ستزداد تدخلاتها كلما تم تهميش المؤسسات الإدارية الأخرى.

7- يعتبر الشباب قاعدة سكانية مهمة بالمغرب وكان لزاما على الميثاق أن يفكر في العنصر الشاب في المشروع التنموي الذي يجري التفكير فيه رغم أن الميثاق تكلم عن أن الإنسان عنصر مهم في التنمية فان الشباب كان غائبا في نصوص الميثاق ونعتقد أن أي سياسة تنموية إذا لم تأخذ بعين الاعتبار هذا العنصر ستكون تنمية فاشلة وهذا ما انتهجته الدولة منذ عقود،حيث همشت بالفعل الشباب وجعلته عرضة للاغتراب والاستلاب، فواقع المخدرات والانجراف ما هي ألا نتائج مباشرة لسياسة الدولة التهميشية، فيجب على الميثاق أن يعيد النظر في العناصر التي بإمكانها تلبية حاجيات الساكنة الشابة بالحضر وكذلك داخل المجال القروي.

8- دعا الميثاق إلى ضرورة إعادة النظر في دور السلطات المجلية خاصة دور العامل حيث أكد على ضرورة أن تتم هيكلة اختصاصاته ودوره مع ما يتلاءم مع مفهوم السلطة الجديدة وتعتبر أن هذا المفهوم غامض، به نوع من التمويه والتشويش الذي تمارسه السلطات فالعامل يستحوذ على الاختصاصات التنفيذية وحتى التقريرية وبإمكانه فعلا إن يشرف على سياسة تنموية وما دعا إليه الميثاق من تغير لمهامه مفهوم ولكن أن يطلب أن يؤخذ بمفهوم غامض ومخزني وسياسي اثبت الواقع انه سلبي، فالميثاق كوثيقة توجيهية يجب أن يبتعد عن المزايدات المجانية ويجب وضع المصطلحات والمفاهيم في مكانها المناسب لكي لا تؤدي إلى كوارث يتم تحميل الميثاق السبب فيها. إن عمومية الميثاق وغزارة المقترحات تجعل الحكم عليه مسالة صعبة ولكن ممارسة الماضي والحاضر تجعل أن الواقع سيبقى على ما هو عليه إلى إشعار آخر.

4 – المـيثاق: المحددات والمرجعيـات ( الخفية )

يعتبر إعداد التراب الوطني آلية وأداة للتخطيط والبرمجة للمجال الترابي الذي يعيش وينشط ويترعرع فيه المواطن، فردا ومجتمعا.

تواجد الفرد والمجتمع في المجال الجغرافي يجسده النشاط الاقتصادي والممارسة السياسية والاندماج الاجتماعي والإبداع الثقافي كلها مجالات تعكس حضارة هذا المجتمع، مرجعيات إيديولوجية، فكرية،دينية نابعة من المجتمع فيتبناها، أو مفروضة عليه فيذوب فيها أو يقاومه.

لذلك فإعداد التراب الوطني لابد أن يحدد معالم المجتمع والمواطن الذي يهيئ له المجال لمدة 25 سنة. لا بد أن يضم مشروعا مجتمعيا واضح المعالم، فلأي إنسان يهيئ المجال ? أهو المجتمع المسلم أم المجتمع المادي اللائكي أم الخليط من هذا وذاك ? في الواقع المشروع قادته أحزاب يسارية لا يغيب عنها هذا البعد الحضاري فإذا كان الميثاق يحيل في صفحاته تارة إلى الاندراج الإيجابي في العولمة والى البعد المتوسطي تارة أخرى فانه يحمل في طيا ته مشروعا خفيا نتأكد من هويته إذا رجعنا إلى مرجعيات هذه الأحزاب وإذا تصفحنا بعض مقالات جرائدها الداعية إلى التخلص من قيود الدين والتقاليد لركوب مدارج الحداثة الموصلة إلى التقدم والرفاهية.

ولعل من ابرز معالم المجتمع الذي ترمي إليه هاته الأحزاب ما يشهده المغرب على مستوى وسائل الإعلام من تفسخ خلقي ودعوة إلى الانحلال تحت غطاء الديموقراطية وحرية التعبير وكذلك الترخيص لمختلف المشاريع الهدامة كالكازينوهات والمجمعات الشاطئية وأماكن اللهو الماجنة بحجة تشجيع الاستثمار خاصة الأجنبي.

كل هذا سيجعلنا نتصور معالم المجتمع الذي يرمي إليه مشروع ميثاق إعداد التراب الوطني الذي سوف يكرس هذا الواقع الذي تضعه نفس المؤسسة الساهرة على الميثاق.

5- ما بعد الميثاق: الإطار القانوني والمؤسساتي

يعتبر الميثاق إطارا توجيهيا يحدد المعالم الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني وهو بمثابة أرضية المخطط الوطني لإعداد التراب كإطار قانوني عام فالميثاق ليست له صبغة قانونية بقدر ما هو تعاقد وتعاهد. ويأتي المخطط لترجمة هذا التعاقد إلى نصوص قانونية عامة ستفصلها إطارات قانونية أخرى على المستوى الجهوي والمحلي وستخلق مؤسسات ولجان مركزية ومحلية للسهر على مدى احترام وتطبيق بنود المخطط الوطني والمخططات الجهوية والمحلية لتنضاف هذه القوانين إلى الترسانة القانونية الموجودة حاليا والتي تعاني مشكل التنفيذ وتنضاف المؤسسات واللجان إلى ما هو موجود وغير فعال بالشكل المخطط له.وكان البلاد تعاني من خصاص في المجال القانوني والمؤسساتي. فهل يا ترى كلما جاءت حكومة إلا زادت في التضخم الهيكلي والقانوني للبلاد؟

6- إعداد التراب مسالة إرادة، تخطيط، تدبير، أو ممارسة

تشكل تهيئة التراب إشكالية معقدة ومتعددة المستويات، ويتجلى تعقدها في ارتباطها بميادين متعددة وكثيرة وقطاعات تجسد الأزمة فيها على طول مراحل التخطيط والإنتاج والتدبير والإدارة…تشكل إسقاطات سياسية، اقتصادية، اجتماعية وثقافية.

وترجع فكرة إعداد التراب الوطني إلى الستينات حيث شكلت لجنة مركزية خاصة لم تستمر طويلا وقد تم تبرير ذلك الفشل اليوم بكون الفكرة تمت على المستوى المركزي وان التخطيط كان يتم بشكل عمومي لذلك جاءت فكرة حوار اليوم حتى يكون التخطيط أفقيا. إلا أن المتأمل في صفحات ميثاق إعداد التراب الوطني يدرك أن نفس الأفكار والعقليات لا زالت تسيطر على مستوى التخطيط فالخلل الحقيقي يكمن في الهوة السحيقة بين الواقع والممارسة من جهة والتخطيط من جهة أخرى تتجلى في انعدام الواقعية والإجرائية والتتبع الدائم لما يخطط له.

واشد ما نخشاه هو أن يكون إعداد التراب الوطني اليوم تشتيتا جديدا للتراب الوطني عبر الجهوية وتضخيما هيكليا على غرار ما وقع للتنظيم الجماعي لا يرجى منه سوى إحكام السيطرة الأمنية على التراب الوطني وعلى المواطن.

التخطيط لابد أن يعتمد على دراسات ميدانية معمقة تضع الإصبع على المشاكل الحقيقية للتنمية وتنطلق من إرادة حقيقية للإشراك ونيات صادقة في التخطيط بعيدا عن الهواجس الأمنية والأهداف الطبقية.

التخطيط يجب أن يراعي معطيات الواقع والممارسة ولا يتجاهلها ولا يمكن للتخطيط أن يتحقق إن لم يكن هناك تدبير عقلاني ومحكم.