التحضير العسكرى والاعلامى والسياسى لضرب العراق هو الحلقة التالية فى حرب أمريكا على الاسلام. ويقوم الاعلام العربى بالرد على الحجج الامريكية المعلنة لشن هذا العدوان بشكل منطقى ولكنه لايكشف فى أغلب الاحوال السبب الرئيسى له لانه يترتب على ذلك اعلان الجهاد على الولايات المتحدة وهو مايعجز عنه أغلب حكام العرب والمسلمين. فبعد تصريحات بوش المتكررة عن الحرب الصليبية وسخرية وزير العدل الامريكى جون اشكروفت مناله المسلمين( ان اله المسلمين يحرضهم على ان يذبح الانسان نفسه وعلى قتل الآخرين بينما الهنا نحن ضحى بنفسه من أجل الانسان )

وصلنا الى تقرير راند وهى مؤسسة معتبرة تابعة للبنتاجون بان السعودية عدولامريكا لانها تمول بناء المساجد والجمعيات الخيرية الاسلامية فى فلسطين وسائر البلاد الاسلامية ولاتزال متمسكة بالمذهب الوهابى الذى يتعارض مع أمريكا ومصالحها لانه يضع هوة سحيقة بين الايمان والشرك ويعلم أتباعه عقيدة الولاء والبراء . ولان أتباع هذا المذهب انتقلوا من الامور التعبدية التى لاتخشى منها أمريكا فى حد ذاتها الى تخريج صفوف من المجاهدين المستعدين للبذل والتضحية دفاعا عن الاسلام والامة الاسلامية وأراضيها المحتلة . وكذلك لان الحركة السلفية فى السعودية وخارجها أصبحت تضع فى مقدمة اهتماماتها طرد الوجود الاجنبى فى جزيرة العرب والصهيونى فى فلسطين . وتسريب دراسة راند ليس على سبيل السهو والخطأ أو من قبيل حرية الصحافة المزعومة فى أمريكا ولكن على سبيل تهديد حكام السعودية بالاستيلاء على نفطهم وأموالهم المودعة فى بنوك أمريكا لانهم لايتعاونون بصورة كافية فى محاربة الاسلام بتغيير مناهج التعليم وتغيير الخطاب الدينى فى المساجد ولا فى التحضير لغزو

العراق .

ان اعلام الحكام لايسلط الضوء على الحملة الصليبية المعادية للاسلام فى أمريكا وينتحلون الاعذار لمسئولى أمريكا بالحديث عن زلات اللسان بدلا من حشد المسلمين لمواجهة طواغيت الارض . فحكام أمريكا من الذكاء بحيث لايهاجمون الاسلام بالاسم صباح مساء ويستبدلون به كلمة : الارهاب أو أسلحة الدمار الشامل !! ولكن من الضرورى لدواعى الحشد والتعبئة أن يقولوها صراحة بين حين وآخر على لسان بوش ( حملة صليبية – الاسلام دين زائف ) أو كتصريح اشكروفت أوبرلسكونى .

أما الحملة المركزة فتكون على لسان الصحافة أو رجال الدين البروتستانت الذين يمثلون ما أصبح يعرف بالمسيحية الصهيونية مثل القس فرانكلين جراهام الذى قال: (ان الارهاب هو جزء من التوجه السائد فى الاسلام وان القرآن يحض على العنف والارهاب لايرتبط بعدد محدود من المتطرفين المسلمين لانه نابع من الاسلام نفسه. واذا اشتريت القرآن فاقرأه وستجد الارهاب فيه ) .

وترى أمريكا ان الاسلام هو الخطر الرئيسى على مملكتها العالمية . ليس اسلام الشعائر ولكن اسلام الاستقلال والجهاد وربط العقائد بالافعال وبناء حضارة مستقلة.

لان ذلك سيكون خصما من هيمنتها وطرحا لنموذج بديل لحضارتها الآفلة المنهارة .

لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تكون البلدان الاسلامية المستقلة الارادة هدف العدوان الامريكى منذ قرابة عقدين من الزمان : الجمهورية الاسلامية فى ايران – نظام الانقاذ فى السودان – النظام الافغانى لطالبان – النظام الماليزى . ثم النظم القومية المستقلة الارادة فى بلاد عربية اسلامية : سوريا – العراق – ليبيا . ثم الحركات الاسلامية المجاهدة التى وضعت على لائحة الارهاب حتى قبل 11سبتمبر وعلى رأسها حماس والجهاد وحزب الله والاحزب الكشميرية . والاحزاب المجاهدة فى البوسنه وكوسوفا ومقدونيا حيث تدخلت القوات الامريكية والاوروبية للحيلولة دون قيامها بتأسيس دولة اسلامية فى عقر أوروبا . والحركات المجاهدة فى الفلبين الساعية لاستعادة الدولة الاسلامية على جزء من أراضى الفلبين التى كانت دولة اسلامية قبل مجيىء الاستعمار الامريكى الى أراضيها 1898 .

والآن جاء الدور على العراق الذى يمثل واحدا من أهم البلدان فى الصراع مع أمريكا واسرائيل والذى دعم الجبهة السورية فى كل حروبها ضد اسرائيل . والذى فقده الغرب منذ عام 1958 . باستثناء فترة الحرب ضد ايران حيث كانت أمريكا تشجع استمرار هذه الحرب المأسوية لضرب الثورة الاسلامية فى ايران وضرب البلدين الكبيرين بعضهما ببعض .

كما ذكرنا فان القوة العظمى تخشى فى المحل الأول من الاستقلالية ثم القوة فى البلدان العربية والاسلامية ، وبالتالى فان القوة العراقية التى استخدمت ضد اسرائيل فى حروب 1956 و1967 و1973 ثم بالصواريخ التى ضربت على اسرائيل فى حرب

1991 هى القوة المرفوضة والمستهدفة فى اطار التحالف الاستراتيجى الامريكى – الاسرائيلى وباعتبار ان اسرائيل هى الحليف الذى يركن اليه فى المنطقة دون باقى الانظمة العربية الصديقة لان هذه الانظمة تقوم فى مجتمعات اسلامية ومعرضة للسقوط ان آجلا أو عاجلا لحساب التيار الاستقلالى الحضارى الاصيل فى المنطقة .

حقا ان أمريكا تحاول تجفيف المنابع وتغيير طبيعة المجتمعات الاسلامية الا تكتشف كل يوم صعوبة أواستحالة ذلك ولذلك فانها تكتفى بالمسخ والاستعباد بالقوة من خلال العملاء المحليين بل أصبحت ترى تزايد احتمالات تدخلها العسكرى المباشر لحماية مصالحها بشكل مباشر ( منطقة الخليج – أفغانستان ) ولان أمريكا حساسة بشكل خاص من احتمالات الخسائر البشرية فان وجود اسرائيل فرصة ذهبية للقتال بالوكالة فعندما سئل مسئول أمريكى عن رد فعل أمريكا ازاء مقتل أمريكيين فى عملية الجامعة العبرية قال : الحمد لله ان اسرائيل ستقوم بالرد نيابة عنا . ويدرك بعض الاسرائليين

هذا الفخ وهذا هو سبب مطالبتهم بتوريط أمريكا فى الصراع بصورة مباشرة عن طريق ارسال قوات للفصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين .

وجود اسرائيل قوية فى المنطقة عمق استراتيجى أساسى لامريكا عن طريق شق العالم العربى الى قسمين منفصلين واستنزاف القوى المحلية فى مواجهة عدو مسلح حتى الاسنان بأسلحة الدمار الشامل ، فمجرد وجود اسرائيل بهذا التسليح يؤدب الشعوب العربية الاسلامية ويشتت قواها فى دائرة تصل الى باكستان شرقا والمغرب غربا وحتى تركيا شمالا والسودان والقرن الافريقى جنوبا .

وهى قاعدة عسكرية دائمة للقوات الامريكية وهى مستوطنة أمريكية فى قلب العالم العربى والاسلامى للتسويق لنمط الحياة الامريكى من خلال مشروع الشرق أوسطية المقبور والذى تحاول امريكا احياءه من خلال شعار التطبيع الكامل مع اسرائيل الذى

ورد فى مشروع بوش المشئوم الاخير .

وتدرك أمريكا ان بؤرة المشروع الاسلامى الاستقلالى يقع حاليا فى دائرة تبدأ شرقا فى أفغانستان طالبان وباكستان المعارضة الاسلامية والمؤسسة العسكرية التى تمتلك أسلحة نووية( وهى غير راضية أو مطمئنة أو مكتفية بالمواقف التى اتخذها مشرف فى الحرب الافغانية وتتهم المخابرات الباكستانية بحماية أقسام من منظمة القاعدة أو عدم مطاردتهم بشكل جاد ) الى لبنان حزب الله وسوريا وفلسطين الانتفاضة الى القاعدة الشعبية الاسلامية فى الاردن وفى الوسط بين هذين الطرفين ايران والعراق وهما الكتلتين الرئيسيتين والتى يتعين على أمريكا تصفيتهما واخضاعهما بصورة كاملة بعد أن يأست من أن يظلا متحاربتين . ونحن لسنا أمام سياسة جديدة اسمها محور الشر الذى يضم العراق وايران ، فليس هذا الا اسم جديد لسياسة الاحتواء المزدوج للبلدين التى برزت بمجرد الانتهاء من الحرب العراقية الايرانية .

واختيار أن تكون العراق الهدف العسكرى الاول لايعنى بالضرورة انه الهدف الاخطر الا من زاوية قربه الاكثر لمسرح الصراع مع اسرائيل وتداخله الاكبر مع مجرياته .

ولكن الاسباب العملية والاستراتيجية كثيرة فقد قطعت أمريكا بالفعل شوطا كبيرا على هذه الجبهة ومن المنطقى أن تستكمله قبل أن تفتح جبهة كبرى أخرى مع ايران .

كما ان الهيمنة على العراق كما يتوهمون ستجعل ايران موقعا ساقطا من الناحية العسكرية بعد ان تتم محاصرته من كل الجوانب ( العراق – تركيا – أذاربيجان – أفغانستان – مياه الخليج وحيث القواعد الامريكية على طول الساحل بالاضافة للاسطول البحرى ) كما تعول أمريكا بالاساس – وهذا من رأى الاوروبيين – على تدهور مواقف مايعرف بالجبهة الاصلاحية بقيادة خاتمى بحيث يمكن الاستيلاء على القلعة من الداخل. وهو أمر خلافى فى المعسكر الغربى حيث ان اللهجة العدائية الامريكية تجاه ايران تساعد على تلاحم الجبهة الداخلية الايرانية كما ان الحديث بود عن اللاصلاحيين يحرجهم ويحرقهم فى الداخل نظرا للحس الوطنى العالى لدى الايرانيين عموما وهو ما يقوى موقع المحافظين اسلاميا ووطنيا . لذلك يسعى الامريكيون حاليا الى تحييد ايران لحين الفروغ من العراق . ومن الخطورة بمكان أن يتعامل الايرانيون مع العراق بنفس السيناريو الافغانى . فأمريكا لن تسمح لايران أن يكون لها موطىء قدم فى العراق كما هو الحال فى أفغانستان لان الموقع العراقى الاستراتيجى البترولى أكثر أهمية بمالايقاس . وأمريكا لن تهدم النظام العراقى لصالح تمدد ايران فى هذا البلد الهام سواء على صعيد السلطة المركزية أو على صعيد الجنوب الشيعى البترولى ، حيث ستصبح ايران بذلك دولة عظمى اقليمية . وأمريكا مستعدة فى هذه الحالة الى توسيع ضرباتها لايران فى اطار نفس الحرب بعد أن تكون قد أضعفت الجانب العراقى .

واستطيع أن أجزم ان الولايات المتحدة تقوم الان بدبلوماسية سرية وانها تسعى لاقناع ايران بالحياد مقابل الوعد بالحصول على حقيبتين أو أكثر فى الحكومة القادمة المفترضة ولكن نستطيع أن نجزم أيضا بأن القوات الامريكية ستبقى فى البصرة والمناطق البترولية فى الجنوب الى أجل غير مسمى وستبقى قوات أمريكية تركية فى حقول الشمال بالتعاون مع المنظمات الكردية الى أجل غيرمسمى . وان أمريكا ليست حريصة بأى حال على وحدة العراق ولايهمها أن تكون هناك ثمة فوضى فى بغداد ووسط العراق طالما ان كل أومعظم البترول تحت السيطرة .

لاأقول ان ذلك سيحدث بل سنجاهد جميعا ضد الاعداء الامريكيين فى كل مكان حتى لايحدث شيئا من ذلك ولكن هذه هى خططهم ونواياهم .

وهذا ينقلنا الى السبب الثالث فى اختيار العراق كهدف للضربة الامريكية القادمة وهو البترول ، فالعراق ثانى وربما أكبر بلد فى احتياطياته البترولية . وأمريكا تريد مواصلة احكامها على هذه المادة الاستراتيجية لها وللسيطرة على مقدرات العالم الصناعى : اوروبا واليابان و الصين وجنوب آسيا . وبدأ الاستراتيجيون الامريكيون وكأنهم يعيدون اكتشاف أهمية العراق من جديد كقاطرة لهيمنتهم على المنطقة فهى البلد البترولى الوحيد الذى يمتلك أنهار وامكانيات زراعية ضخمة ومقومات حضارة متكاملة وهو يمكن أن يكون ركيزة الهيمنة الامريكية فى المنطقة كبديل للسعودية التى

فشلت فى تمثل أسباب الحضارة الحديثة .

أما السبب الرابع فان تقويض استقلال العراق سيجعل سوريا تسقط كثمرة ناضجة وما تعنيه سوريا من ركيزة للمشروع الاستقلالى فى المشرق العربى . فسوريا أصبحت واسطة العقد فى هذه الجبهة المشرقية فحلفها التقليدى المستقر مع لبنان وايران هو الذى ساهم فى صناعة الانتصار على اسرائيل فى لبنان . ثم هى تعيد وصل ماانقطع من خلال العلاقة المتميزة مع العراق وكأنها تحقق التلاحم الايرانى العراقى فى ظل التقدم البطىء فى العلاقات بينهما .

ان أمريكا تستخدم هنا نفس نظرية الدومينو بمعنى ان اسقاط حجر يؤدى الى سقوط كافة الاحجار المتساندة والمجاورة لها . وهى تضرب ما تعتقد انه الحلقة الضعيفة فى هذا العقد كى ينفرط كله . والعراق يبدوالاضعف سياسيا بعد الحروب المتوالية وبعد حصار دام 12 عاما وتجويع للشعب الصامد حتى ان المجرم رامسفيلد يعد الشعب بتوفر الغذاء بعد الاطاحة بالنظام . وهو اعتراف بالتجويع الحالى للشعب العراقى وان برنامج النفط مقابل الغذاء ليس كافيا لوقف المجاعة .

كذلك فان أمريكا نجحت الى حد كبير فى افزاع الحكام العرب من الاقتراب من العراق فلم يزر بغداد أى رئيس أو ملك عربى منذ 12 عاما. وهذه فضيحة بكل المقاييس .

والرسالة التى ترسلها أمريكا اليهم ان هذه المركب غارقة فابتعدوا عنها وانجوا بأنفسكم ! لكل هذه الاسباب يتم التركيز على العراق الآن . وقد قلنا ساعة غزوأفغانستان أن اعطاء شرعية لامريكا لتغيير الانظمة فى البلاد الاسلامية سيصبح سابقة . وكان رامسفيلد وزير حرب أمريكا قد قال فى مقال بمجلة فورين أفيرز يونيو2002 ان أمريكا قد غيرت استراتيجيتها من الاستعداد لشن حربين فى وقت واحد الى اعداد االقوى للتدخل فى أربعة مسارح عمليات فى وقت واحد، ومع القدرة على هزيمة عدوين فى وقت واحد نحتفظ بخيار القيام بهجوم مضاد كثيف لاحتلال عاصمة أحد

الاعداء وتغيير النظام . وهويتحدث عن درجة من الغموض بحيث لايعرف الاعداء المستهدفين من عليه الدور . ( وقد يكون فى ذلك تحذير كاف لايران ) .

ان الولايات المتحدة استهدفت دوما تغيير الانظمة المناوئة لها وقد فعلت أخيرا محاولة فاشلة فى فنزويلا ولكن من الواضح ان تركيزها الاكبر فى هذه المرحلة على العالم الاسلامى باعتبار ان الاسلام هو التحدى الرئيسى لهيمنتها ولنموذجها الحضارى .

ولكن لماذا تبدو أمريكا فى عجلة من أمرها ؟ ولماذا تحرج حلفاءها وأصدقاءها ؟

لسببين الاول ان العراق بدأ بالفعل من التخلص من الحصار الخانق بتوسيع علاقاته السياسية والاقتصادية مع جيرانه والعالم ، وبدأت أمريكا تشعر بهزيمة محققة وان تكن بطيئة . ان عدم قدرة أمريكا على الاطاحة بالنظام واقامة نظام عميل على مدار 12 عاما هزيمة محققة فبالاضافة لعدم تحقيق الاهداف المشار اليها فان هيبة الدولة العظمى مهمة لانه بدون هيبة ستفقد كل شىء . وكان هذا من أهم أسباب غزو أفغانستان ولاتزال أمريكا قادرة على اخفاء هزيمتها هناك من خلال التعتيم الاعلامى الذى يشارك فيه الاعلام العربى باستثناءات قليلة . فقواعد أمريكا تضرب كل يوم بالصواريخ والجنود يتساقطون والجنود الانجليز هربوا من الجحيم ( اعترفت محطة أمريكية أول أمس بسقوط طائرتين فى أفغانستان ولم ينشر الخبر فى وسائل الاعلام العربية ) ولكن أمريكا لاتستطيع أن تخفى عدم قدرتها على اعتقال اسامة بن لادن أو الملا عمر اوكثير من قيادات طالبان والقاعدة ومازالت تتحدث عن انتظار ضربات كبرى فى عقر دارها . ويثبت كل يوم عجز حكومة قرضاى عن السيطرة على بقعة فى أفغانستان . وأمريكا فى حاجة لنصر كبير لتعزيز مركزها العدوانى فى العالم الاسلامى والعالم أجمع . ويرددالبعض أن النظام العراقى قد بقى طوال هذه المدة برغبة الولايات

المتحدة القادرة على كل شىء ، تركته لكى تبقى قواعدها فى دول الخليج وكأن أمريكا تحتاج لحجة لاقناع الحكام الواقعين تحت سيطرتها أو لكى تبيعهم الاسلحة ، والحقيقة انها قادرة على استنزاف أموالهم بكل السبل والوسائل ولاتحتاج لأى حجج وجيهة .

الواقع ان أمريكا عجزت عن اسقاط النظام العراقى لاسباب عديدة ، فالامر يستدعى حربا برية وهذه نقطة تردد مزمنة عند الامريكيين لخسائرها البشرية ، عدم وجود قوى معارضة مسلحة كافية وتحت السيطرة الامريكية الخ الخوف من وقوع العراق تحت السيطرة الشيعية الموالية لايران . والآن تحاول أمريكا المغامرة والتغلب على هذه المصاعب وهى لهذه الاسباب لم تتخلص من التردد حتى الآن .

السبب الثانى هو ماتناولناه فى المقال السابق والخاص بتدهور المركز الاقتصادى لامريكا على المستوى العالمى وهو تدهور من المرشح أن يستمر وأمريكا تقاوم هذا التدهور بالتفوق العسكرى أى تحسن وضعها الاقتصادى والاستراتيجى بالبلطجة العسكرية وهذا حدث فى تاريخ كل القوى الاستعمارية فى فترات هبوطها . ذلك ان القوة الاقتصادية هى أساس الهيمنة الاستعمارية ولكن هناك فاصل زمنى بين الهبوط الاقتصادى والهبوط العسكرى فحينما يسبق الاول الثانى يتم استخدام الثانى لتحسين الشروط مع أوهام فى امكانية تجاوز الكبوة الاقتصادية .

وحكام أمريكا وصناع القرار فيها أكثر من يدرك هذا المأزق. وسنوالى الحديث فى هذا المحور مستقبلا باذن الله .

ولكن هذه النقطة تصل بنا الى توصيف الوضع الراهن فأمريكا فى عجلة من أمرها وتقول أشياء مضحكة لتبرير ذلك كقدرة العراق على تدمير أمريكا فى القريب العاجل !

والحقيقة ان امريكا تدرك ان ترك العالم الاسلامى وحاله لمدة عشر سنوات ستجعل منه قوة عالمية مقدرة ولذلك فهى تضرب فى كل الاتجاهات وباسرع مايمكن كذلك التدخل الفظ فى شئون السودان والذى بدأ النظام السودانى يضعف أمامه وان كان من واجبنا فى مصر أن نشد من أزره لا أن نكتفى بمهاجمته لان النظام السودانى تعرض للاضعاف من قبلنا وهاهويسير على نهج الشقيقة الكبرى فى الاعتراف بالاشراف الامريكى على العالم !

ونفس المأساة حدثت على الجبهة الليبية التى تركناها تضعف أمام الضغط الامريكى أما الصمود العراقى فانه لايزال يتلقى التقريع من الحكومة المصرية وكتاب افتتاحيات صحف الحكومة الذين يطالبون العراق بالاستسلام والانحناء للعاصفة والسماح بالمفتشين الدوليين وان كانوا والشهادة لله يتوسلون من أمريكا عدم ضرب العراق.

المهم ان قادة أمريكا أكثر من يدرك الهبوط المتوالى للدولار ( خلال التسعينيات هبط بنسبة 30 % ) وان انفجار فقاقيع البورصة كان متوقعا وفضائح الشركات ليست ظاهرة عابرة . لذلك يريدون استغلال فترة غياب المنافس العسكرى الرئيسى فى العالم لكسب أكبر قدر من الارض ، أرض السيطرة.

وهذا يفسر عدم حماس العالم لهذه المغامرة الامريكية فى العراق فالكل يدرك المغزى الحقيقى لهذه العجلة . فى الادارة الامريكية نفسها هناك من يقدر خطورة المغامرة ، ولااقصد بالادارة كولن باول مثلا ولكن أقصد أوساط الطبقة الحاكمة ككل ، فكل معوقات غزوالعراق التى كانت منذ 12 عاما مازالت مستمرة بل وازدادت لذلك يرون الاكتفاء بمواصلة حصار العراق . خذ مثلا شوارتسكوف قائد القوات الامريكية فى حرب الخليج الثانية الذى حذر من أن غزو العراق سيتسبب فى اشعال حريق كبير فى الشرق الاوسط مما سيؤدى الى هزيمة واشنطن فى حربها ضد الارهاب .أما فى أوروبا فحدث ولاحرج ، هم يتحدثون عن الرعونة الامريكية ولكنهم يقصدون فى الحقيقة تصعيد أمريكا فى السيطرة على مقدرات العالم وعلى حساب المصالح الاوروبية . والخلاف الاوروبى الامريكى تحول الى حملات اعلامية متصاعدة الشدة . واعتبر البعض ان الخلاف الامريكى الاوروبى الحالى أسوأ خلاف منذ نهاية الحرب الباردة . ويقول فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ فى مقال أخير بعنوان تفكك الغرب ( العولمة أحدثت صدعا بين الغربيين الاوروبيين والامريكيين . وهاهى استراتيجية أولوية الحرب على الارهاب تحدث شقا أعمق بين الفريقين بالاضافة لمواقف واشنطن الاخرى من برتوكول كيوتو وميثاق ريو ومعاهدة الصواريخ النووية وبناء الدرع الصاروخى وهى مواقف انتقدتها اوروبا

ولم تخف معارضتها لها . ان الامريكيين يعتقدون اليوم بان الخطر الاول الذى يهددهم هو حصول الارهابيين الاسلاميين على أسلحة الدمار الشامل بينما لايشاركهم الاوروبيون فى هذا الرأى ويعتقدون ان تصحيح سياسة أمريكا فى الشرق الاوسط من شأنه أن يخفف كثيرا ان لم يقض على الخطر الارهابى ) .

مواقف ألمانيا وروسيا وفرنسا والصين وايطاليا معلنة وواضحة ومواقف الانظمة العربية فى العلن ليست بدون مدلول لانه لايوجد حاكم عربى واحد يستطيع أن يواجه شعبه بتأييد البلطجة الامريكية السافر ولاشك هناك دول ستتعاون سرا . ولكن الموقف العلنى يقيد هؤلاء الحكام ولعلهم يطلبون من الامريكان سرعة انهاء المهمة قبل افتضاح أمرهم. لكن بلا شك فان الموقف المصرى السورى السعودى هو الاكثر جدية فى محاولة اثناء الامريكان عن فعلتهم . كذلك فان الموقف التركى يعانى من اضطراب كبير فرغم الموفقة وطلب الحصول على مقابل مادى ومشاركة فى الكعكة العراقية فان

هناك أزمة سياسية واقتصادية تعصف بالبلاد وهناك انتخابات على الابواب يمكن أن تحمل الاسلاميين الى السلطة من جديد أوعلى الاقل المشاركة فى حكومة ائتلافية وهناك مخاطر تدخل جديد للجيش فى صورة انقلاب . اذن تركيا مقبلة على دوامة قد تكون مغامرة العراق احد مفجراتها . والاردن يجرى الآن مناورات مع الجيش الامريكى ولكنه يقسم بالايمان المغلظة بانه لن يسمح بضرب العراق عن طريقه .

والحركة الوطنية والاسلامية هى التى ستتأكد من تنفيذ هذا القسم باختصار شديد الطريق ليس مفروشا بالورود للقوات الامريكية ( ربما باستثناء الكويت) وأمريكا تخوض فى حقل ألغام ومستنقع على كل المستويات : العراقية حيث امكانيات كبيرة للصمود عسكريا وشعبيا وعلى المستوى العربى والاسلامى والعالمى من الناحية المادية العسكرية البسيطة يمكن للولايات المتحدة أن تخوض الحرب وحدها ولكن ليس هكذا يضار الصراع العالمى بصورة ناجحة . ونحن لانعول على الخلافات الدولية ولكن يجب ان نأخذها فى عين الاعتبار فى اطار تقدير الموقف ، ولانعول كثيرا على الموقف الرسمى العربى (عدا سوريا ) ، رغم أن أمريكا أرسلت رسالة رعب للجميع فحملاتها على النظام السعودى وعلى النظام المصرى وعلى مبارك بشكل خاص رسالة تهديد واضحة من أجل الامتثال والتعاون الكامل والعلنى والصريح .

وكانت مجلة نيوزويك الامريكية قد ربطت فى تقرير لها بين الاطاحة بصدام حسين وبين المطالبة باطاحة عرفات . وأشارت الى أحد معاونى بوش وهو يقول بعدم صلاحية كل حكام ايران محافظين واصلاحيين وأن أمريكا ستدعم الشعب الايرانى .

ونقلت عن مسئول آخر تصريحا عن دراسة سبل انهاء الحكم السعودى. ثم يأتى الدور بعد ذلك على كل من سوريا ومصر وكوريا الشماليةوبورما

. ومن جانبه قال كينث كاتزمان أحد خبراء شئون ايران فى الكونجرس ( بدأت الادارة الامريكية فى الاتجاه نحو فكرة جديدة ألاوهى تنمية الديمقراطية فى العالم العربى والاسلامى بالكامل على أساس تغيير أنظمة تلك الدول بدلا من التعامل معها كما هى الآن ).

اذا عدنا الى واقعنا العربى نقول ان التهديدات مع هذه الانظمة قد تجدى نفعا وان كنا نطالبها بالصمود واحترام ارادة الامة . اننا نعول على الصحوة الشعبية التى قامت لمساندة الانتفاضة فى فلسطين والتى قاطعت البضائع الامريكية . نحن أمام مواجهة جديدة مع العدو الكافر، ومع كل موجة جديدة من العدوان يجب أن تكون هناك جولة أشد من المقاومة بعد أن أيقنت الشعوب من هو العدو الحقيقى ( الحلف الصهيونى الامريكى ) ونحن لن ننتظر حتى يجيشون الجيوش ويعتدون على العراق ، فهم يحاصرون العراق بالفعل ويعتدون عليه كل يوم . ولن نقبل من أى حاكم عربى أن يوالى هؤلاء المجرمين بعد اليوم. ولتكن من اليوم حركة مقاومة شعبية ضد الوجود الامريكى فى كل شبر على الارض العربية الاسلامية . فلندفن جميعا تحت الارض ولانقبل بهذا الذل والهوان فى دنيا ندعى كمؤمنين بانها دنيا فانية فاذا كنا مؤمنين حقا بوعد الآخرة فلماذا نقبل الذل من أعداء الله ومن يلوذ بهم من حكامنا .

( قاتلوهم يعذبهم الله يأيديكم ويخذهم وينصركم عليهم ويشفى صدور قوم مؤمنين )