تجاوز عدد الكتب التي صدرت عن هجمات 11 سبتمبر 300 كتاب في أمريكا وحدها، حسب إحصاء لصحيفة “كريسيان ساينس مونيتر” الشهر الماضي، لكن الكتاب الذي أصدره الصحفي اليهودي الأمريكي المشهور “توماس فريدمان” بعنوان “تطلعات ومواقف: استكشاف العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر” LONGIUDES AND ATTITUDES: Exploring the World After September 11 يستحق وقفة خاصة، لما للكاتب من علاقات وصوت مسموع في دوائر القرار الأمريكي، بحكم ارتباطه باللوبي اليهودي، ولما يختص به هذا الكاتب من اهتمام خاص بالمنطقة العربية والإسلامية.

إن فريدمان الذي أعد نفسه وأعده قومه ليكون مختصا في الشؤون العربية  وفي القضية الفلسطينية تحديدا  بدأ حياته الإعلامية بدراسة اللغة العربية في القاهرة، ثم عمل مراسلا لصحيفة “نيويورك تايمز” في بيروت خلال أعوام الحرب الأهلية اللبنانية، ثم في القدس بعد ذلك. وهو الآن معلق متجول عبر العالم في نفس الصحيفة. ومركز اهتمامه النظري أمران: هما الشرق الأوسط الذي كتب عنه كتابه “من بيروت إلى القدس” والعولمة التي خصص لها كتابه : “سيارة اللكسس وشجرة الزيتون”.

ويتضمن كتاب فريدمان مجموعة مقالاته التي كتبها خلال العام الفارط، حول هجمات 11 سبتمبر ومتعلقاتها (الحرب على أفغانستان، المشكلة الفلسطينية، الأمن الداخلي في أمريكا ..الخ) كما يضم الكتاب مجموعة يوميات الكاتب ذات الصلة بالموضوع.

وليس هذا المقال عرضا للكتاب أو قراءة فيه، بل هو تنبيه إلى أمرين فقط من خلال الكتاب، هما “سلطة الكلمة” الإعلامية الخارجية، ودورها في “صناعة الملوك” داخليا في الوطن العربي.

فريدمان “سائح صاحب موقف”!!

يبدأ فريدمان مقدمة كتابه بهذه العبارة: » قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بكثير، كنت دائما أقول إن وظيفة كاتب في الشؤون الخارجية لدى صحيفة “نيويورك تايمز” هي أفضل وظيفة على وجه الأرض … لأنها تجعلك سائحا صاحب موقف، والقوم يدفعون لك مقابل ذلك« ثم يبين طريقته في العمل مع إدارة الصحيفة، والسر في كون عمله ممتعا: »إني أنا الذي أقرر متى أسافر، وإلى أين أسافر، وأتمتع بحرية كاملة في اتخاذ أي موقف أريده حول أي موضوع أختاره.. لقد قلت إنها وظيفة رائعة حقا« »إنني أتمتع بحرية لا حدود لها، و تحت يدي ميزانية لا حدود لها، من أجل استكشاف العالم من حولي«.

وتنطق هذه العبارات بالشروط الموضوعية التي يحتاجها الكاتب ذو الموقف لتحقيق ذاته وخدمة أمته: حرية كاملة وإمكانات مواتية. ولا بد أن عبارات “فريدمان” هذه تثير الكثير من الشجون في ذهن القارئ العربي المتطلع إلى حرية الكلمة، وهو يسمع عن آخر ما تفتقت عنه أذهان وزراء الإعلام في الخليج العربي: مقاطعة قناة الجزيرة، المحطة التلفزيونية الحرة الوحيدة في العالم العربي.

أما أنا فقد ذكرتني عبارات “فريدمان” بقصة عربية قديمة مغرقة في القدم، هي قصة عنترة بن شداد وأبيه الذي كان يتنكر له لسواد بشرته، فلما جد الجد واحتاج الأب إلى الدفاع عن حياض أسرته وقبيلته استنجد بعنترة قائلا:”كُرَّ يا عنترة”، لكن عنترة رد على الفور: “إن العبد لا يحسن الكر والفر، وإنما يحسن الحليب والصر”، وأدرك الأب أنه أخطأ في حق ولده، حينما حرمه شرف الأبوة واحترام الذات، فبادر إلى تصحيح الخطإ قائلا: “كر وأنت حر” .. وكر عنترة بعد أن استعاد قيمة ذاته، وأبلى في المعركة بلاء حسنا، جعل منه بطلا في المخيال العربي عبر القرون.

إن حملة القلم في البلدان العربية اليوم يعانون من العبودية المادية بالحرمان والمقاطعة، ويعانون من العبودية المعنوية بالتسكيت والتبكيت، ومع ذلك يراد منهم الكر والفر في مواجهة أعداء الأمة. وينسى الذين يريدون منهم ذلك أن “العبد لا يحسن الكر والفر” لأن أول آثار العبودية وأسوأها هو أنها تفقد الإنسان احترام الذات، فأنى له الإحساس بالندية مع عدوه، فضلا عن الإحساس بالقدرة على هزيمته؟

لقد تسلح “توماس فريدمان” بالحرية وبالإمكان، وحرم الكاتب والصحفي العربي منهما، فكان لا بد من اختلال ميزان القوة والنفوذ. فرغم أن فريدمان صهيوني معتز بصهيونيته، “عاشق لإسرائيل رغم مساوئها” كما يقول في كتابه “من بيروت إلى القدس” .. فإنه ملء سمع وبصر المسؤولين العرب، فهذا وزير الإعلام الكويتي يطارده بالهاتف في محطة المترو ليخبره بأنه (أي معالي الوزير شخصيا) يوزع مقالاته على الصحفيين المحليين ليترجموها إلى العربية، وهذا الملك عبد الله في الأردن يستدعيه في بيته دعوة أسرية، وينبهه إلى خطورة المؤسسات الخيرية الإسلامية ودورها في الإرهاب !! وذاك وزير الإعلام السعودي يتصل بالهاتف ليعتذر له عن كلمة لأحد الصحفيين السعوديين أشار فيها إلى النفوذ اليهودي في أمريكا.. واللائحة تطول.

رحلة إلى “المملكة السحرية”

وتبقى قصة لقاء فريدمان مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله وجره له إلى التطبيع مع إسرائيل أبلغ الأمثلة في هذا المضمار. فلكي ندرك سلطة الكلمة المسلحة بالحرية والإمكان – سواء كانت محقة أم مبطلة – يكفي أن نراجع المقالات التي كتبها “توماس فريدمان” عن السعودية منذ هجمات 11 سبتمبر، والأثر الذي خلفته تلك المقالات على السياسة السعودية الخارجية. وقد وردت كل تلك المقالات ضمن الكتاب الجديد، مشفوعة ببعض اليوميات التي كتبها فريدمان عن رحلته إلى السعودية التي يدعوها “المملكة السحرية”.

بدأ فريدمان حملة عنيفة على السعودية بعيد هجمات 11 سبتمبر 2001، وكتب سلسلة مقالات في “نيويورك تايمز” تطعن في السعودية دولة ومجتمعا، سياسة وثقافة، مع نقد لاذع للأسرة المالكة بالذات. أحد هذه المقالات عنوانه “عزيزتي العربية السعودية”! وهو في شكل رسالة خيالية إلى صالح الشيخ الوزير السعودي للشؤون الإسلامية من الرئيس جورج بوش، باعتباره »أول رئيس أمريكي يرغب في أن يكون صديقا للسعودية لا مجرد زبون لها«(ص129) حسب تعبير الرسالة.

تدعو الرسالة الوزير السعودي إلى إعادة النظر في البرامج الإسلامية المقررة في المدارس والجامعات السعودية، لأن »عصر الترابط الدولي الذي جعل الأفراد قادرين على امتلاك أسلحة الدمار الشامل، يجعلنا بحاجة إلى تأويل لتعاليم الإسلام بما يخدم التسامح والسلم«(ص128) مع تهديد صريح بأن السعودية إذا لم تستجب لذلك فإن أمريكا ستعتبرها وريثا للاتحاد السوفياتي، فهي مصدر التمويل والأديولوجيا والطاقة البشرية للإرهاب، كما كان الاتحاد السوفييتي مصدرا لهذه الثلاثة بالنسبة للشيوعية.

وقد تضمنت الرسالة إقرار مهما، ربما لم يكن فريدمان بحسه التحفظي المعهود ليصرح به، لولا أن الحادي عشر من سبتمبر أسقط الكثير من الأقنعة. فقد ورد في الرسالة: »لقد كنا نتعامل مع السعودية باعتبارها محطة بنزين عملاقة، يتم ضخها وحمايتها، بدون أن نحسب لها أي حساب جدي باعتبارها مجتمعا بشريا«(ص127). ثم رجع وعمم الفكرة، فقال: »لقد سمحنا لقادة الدول العربية والإسلامية بأن يصادقونا سرا .. الواقع أن علاقتهم بنا كانت دائما علاقات غير شرعية« (ص147).

وتلك حقيقة مُرة خرجت من قلم الكاتب في ساعة مكاشفة، لكنه نسي أن لم يتوقف عند مدلولها الأخلاقي والإنساني، ليدرك أن التعامل مع حكومات غير شرعية بمنطق الغنائم، وتجاهل الشعوب صاحبة الشأن والمصلحة، هو موطن الداء وسر البلاء في العلاقات الإسلامية الغربية الملتهبة. وحينما توقف الكاتب عند هذه الفكرة في مقال آخر كانت وقفته مشحونة بالعنجهية المطعَّمة بشيء من البراغماتية الأمريكية المعهودة، فمحطة البنزين العملاقة التي تسمى “العالم العربي” تستحق الآن أخذها في الاعتبار، لا لكونها مجتمعات بشرية من لحم ودم، بل لأن »محطة البنزين بدأت ترشح، وكل من حولها الآن يتقاذفونها بأعواد الثقاب« (ص110).

وبعد سلسلة من المقالات والتصريحات تصب في نفس المجرى، وتسعى إلى تهييج الرأي العام الأمريكي ضد السعودية، قرر فريدمان أن يزور السعودية. أما دافع الزيارة كما قال فريدمان فهو الألم: »إنما يؤلمني حقا هو أن خمسة عشر مواطنا سعوديا جاءوا إلى بلدي واشتركوا في قتل ثلاثة آلاف أمريكي« (ص188) وأما هدفها – كما قال فريدمان أيضا  فهو »محاولة لفهم القوة التي أفرزت هؤلاء الخاطفين السعوديين الخمسة عشر« (ص349).

إلى هذا الحد يبدو كل شيء منطقيا، فالكاتب مواطن أمريكي، وقد جاء مستفسرا عن أمر مهم يمس أرواح بني وطنه.. لكن ذلك لم يكن كل شيء، فقد مزج فريدمان حملته على السعودية بمطالبة السلطة السعودية في أحد مقالاته بالتقدم بمبادرة سلام مع إسرائيل!! وحينذاك فقط بدأت البواعث والخلفيات تتضح.

توماس فريدمان والأمير عبد الله

بعدما وصل فريدمان إلى السعودية والتقى بالأمير عبد الله، عرض على الأمير موضوع المبادرة: مقترح بالتطبيع الشامل تتبناه السعودية مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967. وسرعان ما قال ولي العهد السعودي أن هذا المقترح موجود في درج مكتبه منذ فترة من الوقت، فهل هو توارد الخواطر؟ وكيف استطاع فريدمان “قراءة ذهن الأمير”؟

لكن فريدمان في يومياته  حيث يسقط بعض التحفظ الذي نجده في مقالاته المنشورة – يشكك في دعوى الأمير عبد الله هنا عن المقترح الموجود في درج المكتب، فيقول: »هل كانت المبادرة في درج مكتبه حقا؟ أم أنه التقط الفكرة من مقالي ثم قرر .. أنه بتنبيها وإخراجها من خلال المقابلة معي سيكون قادرا على تحويل السعودية من دولة راعية للإرهاب، إلى دولة صانعة للسلام، وبدون أي ثمن، لأنه يدرك أن أرييل شارون لن يقبل المبادرة؟ لست أدري.. « (ص349)

وأخيرا أذن الأمير لفريدمان بكتابة مقال في “نيويورك تايمز” عن مبادرته، وفيما يشبه المقايضة شفع فريدمان ذلك بثناء خاص على الأمير عبد الله في نفس الصحيفة، قال فيه: »إن القائد الوحيد من بين أفراد الأسرة السعودية المالكة الذي يحمل هموما إصلاحية ولم يتلطخ بالفساد هو ولي العهد الأمير عبد الله«(ص185) »إن الأمير عبد الله هو المكافئ لرئيس الوزراء الصيني الإصلاحي..«(ص191).

وكان للمقال أثر واسع، حيث استنسخته الصحف المحلية في السعودية، وتداول خبره مليونا مسلم كانوا حاجين يوذاك. لقد كانت المملكة يومئذ تعج بالزوار :»مليونا مسلم ويهودي واحد« كما يقول فريدمان.

ومما يلفت النظر هنا أن فريدمان نسي موضوع الخاطفين الخمسة عشر بعد وصوله إلى السعودية، وانشغل بموضوع آخر، مما يدل على أن دماء الأمريكيين لم تكن هي الباعث الحقيقي على الزيارة ولا كانت أولوية الكاتب. بل إن فريدمان نفسه أقر في النهاية بالباعث الحقيقي فقال:»أما أنا فيكفيني أني ساعدت على استصدار إعلان من قائد المملكة العربية السعودية  أهم دولة مسلمة في العالم  يعبر فيه لأول مرة عن استعداده لتطبيع العلاقات مع الدولة اليهودية..«(ص348).

وأخيرا يعتقد فريدمان أنه قدم للأمير عبد الله شيئا في المقابل، فيقول: »لا شك أن أحد أهدافه [الأمير عبد الله] هو تحسين صورة بلده في أمريكا بعد أن تشوهت كثيرا جراء اشتراك عدد كبير من السعوديين في هجمات 11 سبتمبر… لكن ذلك لم يكن كل ما في ذهنه، فإعلانه كان بمثابة انقلاب عسكري داخل البلاد… أعتقد أن عبد الله أصبح أخيرا ملكا بإصداره ذلك الإعلان… لقد جعل من نفسه لاعبا أكبر من ذي قبل في السياسة العربية والعالمية، ورسخ من مكانته في الخارج ليزيد من سلطته في الداخل، وجعل من نفسه رجل القرار في بلده«(ص347). ومما يدلل به فريدمان على أن الأمير عبد الله بقرار التطبيع أصبح ملكا حقيقيا انفراده بالقرار على مذهب “إنما العاجز من لا يستبد”: »لقد بدا لي واضحا أن الأمير عبد الله لم يخبر أحدا من أسرته المالكة أو من أعضاء حكومته أنه سيصدر هذا الإعلان، ولا أخبر سفارته في واشنطن بذلك« (ص346).

ومنذ ذلك الحين أوقف فريدمان هجماته على الأسرة السعودية المالكة، ليبرهن على أن صحفيا ناجحا يستطيع بقليل من الابتزاز أن يسحب “أهم دولة إسلامية في العالم” إلى ما يريد، ويبيعها كلامه حينا وصمته حينا في صفقة سياسية مربحة له ولقومه. وليبرهن على أن القيادة التي تستمد شرعيتها من الخارج هي قيادة هشة مهما بالغت في التمظهر بغير ذلك.

إن سلطة الكلمة مع “حرية لا حدود لها، وميزانية لا حدود لها” تصنع الملوك وأكثر..