عن الإيمان إن شاء الله نتحدث، وعن شعب الإيمان، وعن كيف نربي هذه الخصال الإيمانية؟ وعن كيف نترجم هذه الخصال الإيمانية عملا جهاديا؟

العمل الجهادي يبدأ بالتربية، التربية ليست تربية خارجية فقط، ليست تربية فكرية علمية فقط، ليست تربية عملية حركية فقط، بل أساسُ كل ذلك تربية النفوس الجهاد لنصرة الإسلام يعني الجهاد لتغيير ما بالمسلمين من فساد وما بينهم منْ تظالم، وما بينهم من كفر، وما بينهم من إلحاد ونفاق.

وإن الله عز وجل أعطانا القانون “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” سورة الرعد، الآية جاءت هذه الآية ومثيلاتها الأُخرى في سيَاقِ عَدِّ نِعَمِ الله عز وجل على الكفار ثم تفسير ما أصابهم من نقمة الله عز وجل بأنهم أعرضوا عن الله، ونصَّت أيضا في المعنى الآخر المُقابل، وهو المعنى الإيجابي، أن الله عز وجل لا يغير ما بقوم من فساد حتى يغيروا ما بأنفسهم من شر، كما أنه لايغير ما بقوم من خير حتى يغيروا ما بأنفسهم من خير. فإذا أعرضوا عن الله عز وجل أصابتهم النقمة، وإذا أقبلوا على الله عز وجل حلت بهم بركة إقبالهم وطاعتهم لله ورسله، واستحقوا بذلك نصر الله سبحانه وتعالى.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو:”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما حرَّم الله عليه”. حديث آخر رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”المؤمن من أمِنَهُ الناس على دمائهم و أموالهم”. وفي حديث عند الترمذي وأحمد والطبراني:”والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله”.

جهاد النفس في ذات الله يعني حملها على الإقبال على الله عز وجل وهجرها ما طُبِعَت عليه من الغفلة. فجهاد النفس هو جهاد الهوى، وجهاد ما في بواطننا من خبائث، وتزكيتها لكي تسلم من الآفات فيُطلق عليها عند ذاك اسم القلب. وقد اختلف العلماء في مدلول اسم النفس والقلب، فقال بعضهم: إن نفس المعنى يطلق على النفس إذا كان مَعطِناً تَوَطَّنَت فيه المعاصي، والغفلة، والكفر، والظلمة. ويُطلق عليه اسم القلب إذا كان سليما من هذه الآفات.

لكننا نجد في القرآن ما يخالف هذا المعنى. وعلى كلٍّ لا مدخل لنا نحن في هذا الخلاف. يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن نَبِيِّهِ إبراهيم عليه السلام :”ولا تُخْزِني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلب سليم” {سورة الشعراء، الآيات 87-89}. لم يقل أتى اللهَ بعلم ولا أتى الله بعمل، لكن أتى الله بقلب سليم. حركة وسير، فالقلب هنا يسير إلى الله

وقال الله سبحانه وتعالى: “وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يُلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسيةِ قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد” سورة الحج، الآيتان 50-5

قلب سليم ثم قلب فيه مرض ثم قلب فيه قساوة. وبالطبع لا يسير إلى الله سبحانه وتعالى إلا القلب السليم، بدليل هذه الآية :”إلا من أتى الله بقلب سليم”. أما القلب الذي فيه مرض والقلب الذي فيه قساوة فهو قلب لا يعرف الله عز وجل ولا يمكن أن يعرف الله عز وجل.

في صدد الحديث عن الجهاد، وعن إقامة دين الله، وعن خلافة الله في الأرض نتحدث عن القلب وآفاته في سيره إلى الله، ونعيد السؤال الذي طرحناه: ما علاقة سير القلب بسير جند الله في ساحة الجهاد؟ ما العلاقة بينهما؟