– ملاحظات حول الخطاب الأمازيغي

مهما حاول مناضلو الحركة الأمازيغية أن يُجذروا خطاباتهم في الواقع المعيش، ومع اتفاقنا معهم في وجود العديد من العوامل الداخلية التي ساهمت في إفراز هذا الخطاب وإعطائه بعدا نضاليا ومطلبيا، وتفهمنا لذلك، وإدانتنا للسياسة المخزنية القاصرة والإقصائية التي ساهمت كثيرا في إفراز المسألة الأمازيغية تماما كما أفرزت الإخفاقات الأخرى1 ـ وما أكثرهاـ في مختلف المجالات التدبيرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية- رغم ذلك كله، ومهما قدرنا وطنية وغيرة وسلامة طوية مناضلي الحركة الأمازيغيية، ـ وذلك كله حاضر ولاشك ـ لا يمكننا غض الطرف في أي تناول شامل للقضية الأمازيغية عن دورالعوامل الخارجية في ظهور ونمو وتطور هذه القضية، والمرتبطة للأسف الشديد بالدوائر الاستعمارية.

سواء وقفنا عند حد الدراسات التقعيدية للمسألة في المجالات التاريخية أو الأركيولوجية أو اللسانية أو السوسيولوجية، ومهما استحضرنا الروح العلمية والنزعة الموضوعية المفترضة في هذه الدراسات، فلا يمكننا الزعم بخلو هذه الدراسات من الروح الاستعمارية بكل ما تختزنه من الرغبة في التشتيت والتشويش على الوحدة الوطنية للشعوب المستعمرة.

وإذا تجاوزنا هذه الدراسات ـ التي لاتزال تشكل المنطلق ” العلمي” للحركة الأمازيغية ومرجعيتها التقعيدية، رغم ظهور مختصين داخل الحقل الأمازيغي في مثل هذه الدراسات والذين بقوا للأسف حبيسي “السقف العلمي” الذي أثلته هذه الدراسات الكولنيالية ـ إذا تجاوزنا هذه الدراسات فلن نعدم مظاهر أخرى سافرة أحيانا لهذا البعد الخارجي للحركة الأمازيغية، مثل الجهود “الأكاديمية”2 التي تبذلها المراكز والأقسام المختصة في الجامعات الغربية، والدعم اللوجستيكي والسياسي والإعلامي الذي تبذله كثير من الدوائر الغربيةـ دولا ومنظمات وشخصيات ـ للمسألة الأمازيغية، وما موقف الحكومة الفرنسية تجاه أحداث تيزي وزو والقبايل بجارتنا الجزائر منا ببعيد.

ولذلك فالمعالجة الموضوعية للمسألة يلزمها استحضار البعدين الداخلي والخارجي ومدى تضافرهما وتأثيرهما في الخطابات التي ينتجها الأمازيغيون وخاصة ذوي النزعة القومية أو الأمازيغوفونية 3، وهذه ملاحظة أولى.

الملاحظة الثانية، أن طرح المسألة في كثير من هذه الخطابات ينبني على أسس تقدم للقارئ والمتلقي كمسلمات لا يتسرب إليها أدنى شك، في حين أنها لاتزال قيد البحث والتحقيق والنقاش والأخذ والرد، ومع ذلك تبنى عليها استنتاجات ومواقف ومطالب وحقائق، لفرط تكرارها والإلحاح عليها، كاد الجمهور أن يعتبرها مسائل محسوما فيها. ومن ذلك الحديث المستفيض عن الحضارة الأمازيغية ما قبل الإسلام وتصويرها بشيء غير قليل من المبالغة والتضخيم4، مع ما يصاحب ذلك من إشارات إلى طمس الفتح الإسلامي لمعالم هذه الحضارة، على غرار ما قام به الاحتلال الروماني. والحديث المبالغ فيه عن التيفناغ وعن عبقريتها وعن طمس الإسلام لها، وعن أن تعريب المغرب فرض بالحديد والنار من أجل محاربة الأمازيغية المجيدة.

ومن ذلك أيضا تلك المغالطة الخطيرة التي يرتكبها كثير من المتناولين لهذه المسألة، حيث يتحدثون عن أن للمغرب هوية ذات أبعاد كثيرة وهي البعد الأمازيغي والعربي والإسلامي والإفريقي والإنساني. وهم بذلك يساوون بين الإسلام وبقية الأبعاد ويعتبرونه مجرد بعد من هذه الأبعاد. والواقع أن الإسلام أسمى وأجل وأوسع من أن يكون مجرد بعد ثقافي حضاري يتماهى مع باقي الأبعاد. والصحيح أن نقول أن للمغرب هوية إسلامية ذات أبعاد مختلفة، ولا حرج بعد ذلك من استحضار كل الأبعاد السالفة، فموقف الإسلام من الثقافات والحضارات الأخرى معروف، ويقوم على احتضانها وصهرها في بوتقته الجامعة لتصير كلها مكونات متكاملة ومتناسقة ومعبأة في تأكيد عبودية الإنسان لخالقه وتصديه لعمارة الأرض وفق ما تقتضيه تلك العبودية، دون أدنى حرج في توظيف جميع اللغات والثقافات أيا كانت في هذه التعبئة. وهذا ما عرفه التاريخ الإسلامي على امتداد العصور.

وسبب تأكيدنا على هذه المسألة هو أن الانطلاق من المغالطة السالفة من شأنه أن يقحم الإسلام في ساحة الصراع الثقافي بين مختلف المكونات والأصل أن يكون الإسلام حلا لهذا الصراع ومحتويا له وليس طرفا فيه. كما أن هذه المغالطة أدت إلى ظهور تيارات داخل الحركة الأمازيغية تعادي الإسلام والفتح الإسلامي، وتنادي بإحياء الأمجاد الأمازيغية لما قبل الفتح الإسلامي.

نعبر كذلك عن تحفظنا على ما ينزع إليه كثير من مناضلي الحركة الأمازيغية من قطع جذور الأمازيغية لغة وحضارة مع الإسلام والعربية، من خلال الدعوة إلى اعتماد خط التيفيناغ في تدريس الأمازيغية والتأليف بها، مع العلم أن نسبة هذا الخط للأمازيغية لم يحسم فيها أركيولوجيا وتاريخيا، فضلا عن أن هذا المنزع من شأنه أن يقطع صلة الأمازيغ مع خمسة عشر قرنا من تاريخهم أبلوا فيها البلاء الحسن في ترسيخ الإسلام ونشره بالمنطقة وخارجها في الأندلس وغرب وجنوب إفريقيا.

والإشكال الذي يتناساه أصحاب هذا الطرح أن تعريب المغرب هو قرار تلقائي اتخذه أجدادنا لما وجدوا في العربية من فضائل فهم الإسلام من أصوله وعلى رأسها القرآن الكريم المنزل بلسان عربي مبين حكمة من الله وتشريفا لهذه اللغة، وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ولأن المغرب كباقي بلدان الشمال الإفريقي لم يكن من العراقة الحضارية والكثافة البشرية5 في مستوى يجعله متمسكا باللغة الأمازيغية كما كان الشأن بالنسبة للغة الفارسية في إيران مثلا. وعليه فالحديث عن تعميم الأمازيغية ودسترتها وغيره من المطالب لابد له أن يستحضر هذا الأمر، وإلا فنحن أمام ضرورة مراجعة اختيارات مضى عليها خمسة عشر قرنا مهما اختلفنا في تقويم تلك الاختيارات، وهذا أمر عسير وصعب المنال ويحتاج منا إلى بذل جهود نحن أحوج ما نكون إليها في معارك بناء دولة الحق والقانون ومواجهة العولمة والتصدي لمهمتنا الرسالية التي تنتظرها منا البشرية المعذبة ببعدها عن شرع ربنا القويم.

والملاحظة الثالثة، أننا حين نتحدث عن المسألة الأمازيغية، فنحن لا ننطلق من نظرة خارجية عدائية أو منفصلة عن الهم الأمازيغي، بل إننا نعتز بتراثنا الأمازيغي الثري وبمساهمته الرائدة في بناء هذا الوطن وترسيخ الإسلام فيه، ونستعمل الأمازيغية في دعوتنا على نطاق واسع دون مركب نقص أوغيره.

والملاحظة الرابعة أننا نعبر عن تحفظنا من الطابع الذي تضفيه بعض المكونات الأمازيغية على المسألة، حينما تعالجها في إطار قومي مغلق يطرح نفسه مناقضا لهويتنا الإسلامية، مع تفهمنا للظروف التي أفرزت هذه المعالجات الخاطئة كما أسلفنا والمتمثلة أساسا في سياسة التهميش والإقصاء واحتكار السلطة التي مارسها المخزن المغربي وساهمت بعض فصائل الحركة الوطنية في التأسيس لها للأسف الشديد. فنحن نعتبر مثل هذه المعالجات لعبا بالنار وخطرا يتهدد مستقبلنا.

1- انظر تفصيل هذا الموقف في كتاب حوار مع صديق أمازيغي، للأستاذ عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق

2- من تلك الدوائر” العلمية” مثلامعهد الدراسات الشرقية بباريس والأكاديمية البربرية بباريس

3- المصطلح للاستاذ عبد السلام ياسين في كتابه السالف ويقابل به مصطلح العربيفون الذي يشير إلى القوميين العرب

4- انظر مثلا كتاب” أربعون قرنا من تاريخ الأمازيغ” للأستاذ محمد شفيق

5- أرجو الا يفهم أنني أنكر تاريخ الأمازيغ وأمجادهم، وأنا منهم بل أذكر حقائق تاريخية