عرفت جماعة العدل والإحسان خلال العقدين الأخيرين توسعا كبيرا شمل جميع فئات المجتمع المغربي، وداع صيتها في العالم. ويظهر أن هذا التوسع في ازدياد مطرد، الشيء الذي حير كثيرا من الباحثين والمراقبين، خصوصا وأن آليات التحليل لم تسعفهم في إدراك كنه حقيقة ذلك، في الوقت الذي عاشت جل التنظيمات السياسية والمجتمعية تدهورا واضحا، سواء على مستوى أدائها الميداني المتجلي في مستوى قدرتها على تأطير الجماهير، أو على مستوى بنياتها التنظيمية، إذ يلاحظ ركود كبير في كثير من هياكلها الفرعية ومؤسساتها الوطنية، أو على مستوى أجوبتها عن أسئلة الواقع.

ومع أن هذه الحقيقة الواقعية ليست هي موضوع حديثنا، فإن الضرورة تقتضي التنبيه على حقيقة قائمة، قليلا ما ينتبه إليها، وهي أن هناك فرقا بين الحركات الاجتماعية والسياسية، عموما، وبين حركة الدعوة في واقع الناس. فإذا كانت الحركات الاجتماعية والسياسية ترجع، في أصول عملها، إلى نتاجات العقل البشري المتراكمة على مر الأزمنة والعصور، غالبا، فإن حركة الدعوة ترجع، في أصولها، إلى أصول حركة الأنبياء عليهم السلام، كان خاتمهم سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وموضوع دعوة الأنبياء بين بني آدم هو قيام العبودية الكاملة لله وحده ورعايتها. أي أن معرفة حقيقة حركة الدعوة لا تتم إلا من خلال إدراك حقيقة الأصول والمفاهيم التي تؤطرها والغاية التي تعمل لأجلها، وليس من خلال استيراد آليات غريبة عنها لرسم الصورة كما يحلو للتحاليل المتحايلة، أو المزاجية، أو المرتبكة في منهجها ووسائله. كما ينبغي التمييز بين من يشتغل على الفكرة الإسلامية في هذا الميدان أو ذاك، وبين من يشتغل على قضية الدعوة إلى الله تعالى وبها، إذ يمكن أن تجد حتى غير المسلم يدافع عن الفكرة الإسلامية، في هذا المجال أو ذاك، ويدعو لها- وقد حصل هذا كثيرا في تاريخ المسلمين- لكنه لا يمكن أن يكون بهذا رجل دعوة. مما يعني أن هناك فرقا بين رجل الدعوة وبين رجل السياسة أو الفكر وإن كان مسلما حقا. ويزداد الفرق شساعة حينما يكون رجل الدعوة مُوفّقاً في عرض الإسلام عرضا شاملا وكاملا، وبالمعنى النبوي؛ حين يقع الاختيار الإلهي فيكون ممن بعثوا لمهمة التجديد.

لقد انتبه بعض الكتاب المهتمين بشأن حركة الدعوة إلى هذه الفروق، لكن هذا الانتباه لم يكن مكتملا، إذ أخفق هؤلاء في اكتشاف أدوات التحليل القادرة على إدراك جوهر العمل الدعوي. وقد ساهمت عوامل عدة في صناعة هذا الإخفاق، منها ما يرجع إلى اعتبار المفاهيم السائدة، اعتبارا مطلقا، بسبب هيمنة الحضارة الغربية، بأنها آخر ما توصل إليه العقل البشري في رصد ما يجري من ظواهر في عالم الناس، ومنها ما يرجع إلى عدم القدرة على التخلص من ثقل الفهومات التي هيمنت على واقع المسلمين خلال عقود انحراف الحكم وتشتت الإرادة والأرض والفقه والعلم.

فالحقيقة الساطعة أن العمل الدعوي ليس عملا اجتماعيا سياسيا حركيا وكفى حتى تسعفنا في فهمه أدوات التحليل من خارج ممارسته، ذلك أن القضية الدعوية قضية قلبية تنعكس من خلال سلوك يومي معيش في تفاصيل الحياة الفردية والجماعية. وعليه، فلا يمكن أن يعبر عن هذه القضية إلا الوسائل والأدوات التي صنعتها هي نفسها وصنعتها لنفسها بنفسها ليبقى الوارد المنهجي مكملا بمعيار النظر الأصلي المستند على الوسائل الأصلية.

لذلك، فهذا الامتداد والتوسع يدعوان إلى مقاربة الصورة الحقيقية من خلال رصد العوامل الأساسية.

ونظرا للموقع الذي أصبحت تحتله حركة الدعوة، فإنه قد آن الأوان أن تعالج هذه الحركة من خلال مقاربة شمولية تعتمد نقل المعاني الدعوية التي تختزلها المفاهيم والمواقف التي قد تحجبها في بعض الأحيان إذا لم تدقق زاوية النظر.

وجماعة العدل والإحسان، التي عجزت الدولة في المغرب عن احتوائها بأي شكل من الأشكال، وهي الخبيرة في أشكال الاحتواء وميقاته، وسخرت كل أنواع الحصار والقمع، وحرصت حرصا شديدا، في عملية تآمرية، على أن تظهرها للعام والخاص في صورة الشاذ الخارج عن الإجماع الوطني، والبعبع المخيف المهدد للأمن والاستقرار-هذه الجماعة لماذا تتسع قاعدتها يوما بعد يوم، وتتجذر حركتها لتنتقل من هذا المجال إلى ذاك ومن هذا الميدان إلى آخر وقد رسخت قدمها وقويت شوكتها في زمن قياسي بالمقارنة مع جل الحركات التغييرية؟ هل الأمر تبادل لمصالح الدنيا بين المقبلين عليها؟ أم هو عقد مبرم من العقود الخالدة والعظيمة بعظم القضية التي تعرضها هذه الجماعة على الناس، كل الناس، من خلال السلوك والكلمة والخطاب والموقف، وكل ذلك في وضوح وهدوء ومسؤولية وتؤدة ؟

في بداية السبعينات بدأ رجل، هو الأستاذ عبد السلام ياسين،وقد تعاون معه رجلان من صالحي هذه الأمة هما:الأستاذان محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ، حفظهما الله، يعرض اجتهادا لمعالجة الوضع القائم. نادى كل المسلمين بصوت عال: “يوم يكتشف المسلمون المنهاج النبوي فقد اكتشفوا إسلامهم”، وعانى الكثير لجهره بهذا النداء، وكذلك أخواه الأستاذان محمد العلوي وأحمد الملاخ، وحرص كل الحرص أن يبلغ كل المعنيين. وبعد رجل ورجلين صار العدد عشرة ومائة وألفا وآلافا، ثم ها هو النداء يسخر اللهُ له من جنوده ما لا يعلمه إلا هو ليبلغ بقاع الدنيا.

هل كان ذلك من ذكاء الأستاذ الذي خبر الحياة وحركة الناس والجماعات والأمم، وهو المجرد من كل وسيلة مادية؟ أم في الأمر شيء آخر؟

ذلك ما سنسعى إلى اكتشافه، على طول فصول هذا الكتاب، معتمدين على ما قدمه هذا الرجل عبر الكلمة المكتوبة والشريط المسموع والمرئي والسلوك اليومي.