إن أي تناول للحركة الأمازيغية، سواء في أبعادها الثقافية التحسيسية أو السياسية المطلبية والاحتجاجية، سيبقى قاصراً ما لم يوضع في السياق العام لهذه الحركة المتعلق أساسا بالمسألة الثقافية في عمومها، وما لم يربط الأمر بمشروع مجتمعي عام يتوخى النهوض بالبلاد في جميع المجالات، ويتأسس على ميثاق توافقي بين جميع المكونات.

فما هي أهمية المسألة الثقافية ؟ وكيف يمكننا تقييم الخطاب الأمازيغي؟ وما عناصر المعالجة الشمولية لهذه القضية؟ …تلكم مجموعة من الأسئلة تحاول هذه النظرات الإجابة عنها مساهمة في النقاش الدائر حول القضية الأمازيغية في الساحة الفكرية والسياسية.

1- مكانة المسألة الثقافية في المشروع التغييري

إن المتتبع لمسار تاريخ الشعوب والحضارات يلاحظ الأهمية القصوى التي تمثلها المسألة الثقافية في التطور والنهوض والإقلاع، باعتبار هذه المسألة الحجر الأساس لهوية الشعوب والأمم، والوعاء الحامل لنظرتها إلى الخالق والحياة والوجود والإنسان، فضلا عما يكتنف هذه المسألة من حساسية بالغة لارتباطها بالوجدان الفردي للمواطن وبالوعي الجماعي للشعوب والأمم.

وبذلك فأي قصور أوخلل في التعاطي مع هذه المسألة لا شك أنه سيكون وخيم العواقب على السلوك الفردي للمواطن والصيرورة التاريخية للشعوب والأمم، وعلى هذا الأساس نجد الأمم. والدول الجادة والمدركة لهذه المكانة تولي اهتماما فائقا للمسألة الثقافية، وتسعى بكل الوسائل إلى جعلها محل توافقها وأساس وحدتها، ومنطلق تحررها، وتنأى بها عن المعالجات التجزيئية والمغالية الكفيلة بتحويلها إلى بؤرة توتر اجتماعي وتوظيف إيديولوجي وتكريس للتبعية والتخلف .

ولا يمكننا، بناء على ما سبق، أن نتصور أي مشروع مجتمعي ناجح إلا من خلال الوعي الشامل بهذه الحقيقة. وكم من الشعوب والأمم دفعت ثمنا باهضا من مقدراتها وإمكانياتها ووحدتها “وجغرافيتها” بسبب سوء تقدير هذه القضية أو معالجة خاطئة لها1.

ولعل تجارب وواقع كثير من بلداننا العربية والإسلامية – ومنها بلدنا المغرب – تقدم لنا نماذج من هذه الإخفاقات في التعامل مع المسالة الثقافية، أولا لأنها عجزت – بوعي أو بغير وعي- عن التخلص من الإرث الاستعماري الذي سعى ويسعى إلى توظيف هذه المسألة في تكريس تخلف وتبعية مستعمراته، وثانيا لأن الحكومات التي تسلمت الحكم بعد الاستعمار بكل الطرق ـ عدا الطريقة الشرعيةـ غفلت أو تغافلت أهمية هذه المسألة ووضعتها في المراتب السفلى من أولوياتها ظانة أن الإقلاع والتحررـ إذا افترضنا أنها حريصة على ذلك ـ رهينان بالتنمية الاقتصادية وتوطيد سلطتها البوليسية بما يتطلبه ذلك من قمع وكبت وتمييع جميع التطلعات الشعبية المرتبطة بالمسألة الثقافية، بدعوى أن ذلك يهدد الوحدة الوطنية.

ولا أخالني مضطرا إلى تتبع هذا المسار الخاطئ للمسألة الثقافية في بلدناالمغرب، فقد تناول ذلك كثير من الباحثين والمختصين والمهتمين بالتحليل والنقد، ولامسوا الأخطاء التي ارتكبتها الدولة والحركة الوطنية في هذا الإطار، وخاصة منها طريقة التعامل مع التعريب الذي وظف في الصراعات الحزبية والسياسوية، والقضية الأمازيغية التي نالها ما نال مناطق المغرب “غير النافع” — – حسب التقسيم الكوليونيالي الليوطي- الذي بقيت الدولة ونخبها أوفياء له في نظرتهم إلى التنمية والإنسان والمجال.

غير أن الوقوف عند هذه الأخطاء وتشريحها والتشهير بها لن يزيد إلا من الإخفاق والتأزم والتوتر الاجتماعي إذا لم تكن وراء ذلك إرادة جماعية متوافقة ومسلحة بالمنطق ومؤطرة بقيمنا الإسلامية، هدفها التوحيد وتعبئة جميع القوى في معركة التنمية والبناء والنهوض، وإذا لم يكن المنطلق نظرة شمولية تضع القضايا ـ كل القضايا وعلى رأسها المسألة الثقافية ـ في موقعها الحقيقي والطبيعي ضمن معركة الوجود والانعتاق والتحرر، بعيدا عن أي توظيف حزبي أو فئوي أو مخزني.

وعلى هذا الاساس، وارتباطا بما اصطلح عليه بالقضية الأمازيغية، أود أن أسجل بعض الملاحظات حول تعاطي بعض مكونات الحقل الأمازيغي مع هذه القضية، قبل عرض ما أراه تناولا شاملا وإيجابيا لها. فإلى المقالة الثانية من هذه النظرات.

2- ملاحظات حول الخطاب الأمازيغي

مهما حاول مناضلو الحركة الأمازيغية أن يُجذروا خطاباتهم في الواقع المعيش، ومع اتفاقنا معهم في وجود العديد من العوامل الداخلية التي ساهمت في إفراز هذا الخطاب وإعطائه بعدا نضاليا ومطلبيا، وتفهمنا لذلك، وإدانتنا للسياسة المخزنية القاصرة والإقصائية التي ساهمت كثيرا في إفراز المسألة الأمازيغية تماما كما أفرزت الإخفاقات الأخرى2 ـ وما أكثرهاـ في مختلف المجالات التدبيرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية- رغم ذلك كله، ومهما قدرنا وطنية وغيرة وسلامة طوية مناضلي الحركة الأمازيغيية، ـ وذلك كله حاضر ولاشك ـ لا يمكننا غض الطرف في أي تناول شامل للقضية الأمازيغية عن دورالعوامل الخارجية في ظهور ونمو وتطور هذه القضية، والمرتبطة للأسف الشديد بالدوائر الاستعمارية.

سواء وقفنا عند حد الدراسات التقعيدية للمسألة في المجالات التاريخية أو الأركيولوجية أو اللسانية أو السوسيولوجية، ومهما استحضرنا الروح العلمية والنزعة الموضوعية المفترضة في هذه الدراسات، فلا يمكننا الزعم بخلو هذه الدراسات من الروح الاستعمارية بكل ما تختزنه من الرغبة في التشتيت والتشويش على الوحدة الوطنية للشعوب المستعمرة.

وإذا تجاوزنا هذه الدراسات ـ التي لاتزال تشكل المنطلق ” العلمي” للحركة الأمازيغية ومرجعيتها التقعيدية، رغم ظهور مختصين داخل الحقل الأمازيغي في مثل هذه الدراسات والذين بقوا للأسف حبيسي “السقف العلمي” الذي أثلته هذه الدراسات الكولنيالية ـ إذا تجاوزنا هذه الدراسات فلن نعدم مظاهر أخرى سافرة أحيانا لهذا البعد الخارجي للحركة الأمازيغية، مثل الجهود “الأكاديمية”3 التي تبذلها المراكز والأقسام المختصة في الجامعات الغربية، والدعم اللوجستيكي والسياسي والإعلامي الذي تبذله كثير من الدوائر الغربيةـ دولا ومنظمات وشخصيات ـ للمسألة الأمازيغية، وما موقف الحكومة الفرنسية تجاه أحداث تيزي وزو والقبايل بجارتنا الجزائر منا ببعيد.

ولذلك فالمعالجة الموضوعية للمسألة يلزمها استحضار البعدين الداخلي والخارجي ومدى تضافرهما وتأثيرهما في الخطابات التي ينتجها الأمازيغيون وخاصة ذوي النزعة القومية أو الأمازيغوفونية 4، وهذه ملاحظة أولى.

الملاحظة الثانية، أن طرح المسألة في كثير من هذه الخطابات ينبني على أسس تقدم للقارئ والمتلقي كمسلمات لا يتسرب إليها أدنى شك، في حين أنها لاتزال قيد البحث والتحقيق والنقاش والأخذ والرد، ومع ذلك تبنى عليها استنتاجات ومواقف ومطالب وحقائق، لفرط تكرارها والإلحاح عليها، كاد الجمهور أن يعتبرها مسائل محسوما فيها. ومن ذلك الحديث المستفيض عن الحضارة الأمازيغية ما قبل الإسلام وتصويرها بشيء غير قليل من المبالغة والتضخيم5، مع ما يصاحب ذلك من إشارات إلى طمس الفتح الإسلامي لمعالم هذه الحضارة، على غرار ما قام به الاحتلال الروماني. والحديث المبالغ فيه عن التيفناغ وعن عبقريتها وعن طمس الإسلام لها، وعن أن تعريب المغرب فرض بالحديد والنار من أجل محاربة الأمازيغية المجيدة.

ومن ذلك أيضا تلك المغالطة الخطيرة التي يرتكبها كثير من المتناولين لهذه المسألة، حيث يتحدثون عن أن للمغرب هوية ذات أبعاد كثيرة وهي البعد الأمازيغي والعربي والإسلامي والإفريقي والإنساني. وهم بذلك يساوون بين الإسلام وبقية الأبعاد ويعتبرونه مجرد بعد من هذه الأبعاد. والواقع أن الإسلام أسمى وأجل وأوسع من أن يكون مجرد بعد ثقافي حضاري يتماهى مع باقي الأبعاد. والصحيح أن نقول أن للمغرب هوية إسلامية ذات أبعاد مختلفة، ولا حرج بعد ذلك من استحضار كل الأبعاد السالفة، فموقف الإسلام من الثقافات والحضارات الأخرى معروف، ويقوم على احتضانها وصهرها في بوتقته الجامعة لتصير كلها مكونات متكاملة ومتناسقة ومعبأة في تأكيد عبودية الإنسان لخالقه وتصديه لعمارة الأرض وفق ما تقتضيه تلك العبودية، دون أدنى حرج في توظيف جميع اللغات والثقافات أيا كانت في هذه التعبئة. وهذا ما عرفه التاريخ الإسلامي على امتداد العصور.

وسبب تأكيدنا على هذه المسألة هو أن الانطلاق من المغالطة السالفة من شأنه أن يقحم الإسلام في ساحة الصراع الثقافي بين مختلف المكونات والأصل أن يكون الإسلام حلا لهذا الصراع ومحتويا له وليس طرفا فيه. كما أن هذه المغالطة أدت إلى ظهور تيارات داخل الحركة الأمازيغية تعادي الإسلام والفتح الإسلامي، وتنادي بإحياء الأمجاد الأمازيغية لما قبل الفتح الإسلامي.

نعبر كذلك عن تحفظنا على ما ينزع إليه كثير من مناضلي الحركة الأمازيغية من قطع جذور الأمازيغية لغة وحضارة مع الإسلام والعربية، من خلال الدعوة إلى اعتماد خط التيفيناغ في تدريس الأمازيغية والتأليف بها، مع العلم أن نسبة هذا الخط للأمازيغية لم يحسم فيها أركيولوجيا وتاريخيا، فضلا عن أن هذا المنزع من شأنه أن يقطع صلة الأمازيغ مع خمسة عشر قرنا من تاريخهم أبلوا فيها البلاء الحسن في ترسيخ الإسلام ونشره بالمنطقة وخارجها في الأندلس وغرب وجنوب إفريقيا.

والإشكال الذي يتناساه أصحاب هذا الطرح أن تعريب المغرب هو قرار تلقائي اتخذه أجدادنا لما وجدوا في العربية من فضائل فهم الإسلام من أصوله وعلى رأسها القرآن الكريم المنزل بلسان عربي مبين حكمة من الله وتشريفا لهذه اللغة، وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ولأن المغرب كباقي بلدان الشمال الإفريقي لم يكن من العراقة الحضارية والكثافة البشرية5 في مستوى يجعله مت