قامت قيامة الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين والمثقفين، ولمّا تقعد، بسبب ما أقدمت عليه السلطات المخزنية يوم 6 ماي 2000 من سطو على 8000 نسخة من مجلة “وجهة نظر” وهي في المرحلة الأخيرة من الطبع في مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء.

وحُقّ لقيامة رجال المغرب ونسائه أن تقوم بسبب هذه الأعمال الإجرامية- وهذا هو الوصف القانوني لمثل هذه الأعمال- التي باتت أسلوبا عاديا من أساليب المخزن الجديد/القديم لقمع الرأي المخالف ومنعه من الوصول إلى الناس.

حُقَّ لقيامة الشعب أن تقوم وألا تقعد بسبب هذا النوع من الإجرام الذي ينفذ تحت غطاء الدولة وباسم سلطتها القهرية من غير أن تراود المنفذين أدنى خشية من أية مراقبة أو محاسبة أو متابعة جنائية.

كيف يريد الخطاب الرسمي أن يقنع الناس بأن هناك فعلا إرادة عازمة من أجل تكريس القطيعة مع عهد “تازمامرت”، ومثل هذه الممارسات الإجرامية في حق حقوق الناس وحرياتهم وممتلكاتهم واستثماراتهم وأسباب رزقهم ما تزال تُعتمد أسلوبا في مواجهة الفكر والرأي والكلمة.

إن هذه الأعمال الإجرامية المتكررة، التي ترتكب باسم الدولة وفي حماية سلطتها، تعطي الدليل القاطع، لمن لا يزال يحتاج إلى دليل، أن دولة الجبر والمخزن والتعليمات هي، بطبيعة الفلسفة التي تقوم عليها والروح الذي به قوامها، نقيض دولة الحقوق والحريات والقوانين والمؤسسات في كل زمان ومكان.

وبعد، فقد قامت قيامة الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين والمثقفين، وأعلن بعض هؤلاء عن نيتهم في تأسيس “لجنة وطنية لحماية الحريات الصحافية والأكاديمية”، وتوالت بيانات التنديد ومواقف التضامن من منظمات وطنية وعالمية. وهذا كله، ولا شك، من صميم النضال الحقوقي الذي يسعى إلى تكسير شوكة عقلية الاستبداد والظلم وسلب الحقوق وانتهاك الحريات، وإقرار مبادئ العدل والمساواة وحماية حرية الرأي والتعبير. ولا يملك الإنسان الملتزم بمبادئ حقوق الإنسان إلا أن ينخرط في هذا النضال.

لكن أين كان معظم هؤلاء الفضلاء، الذين قاموا اليوم لمناصرة مجلة “وجهة نظر”، حين نفذت السلطات المخزنية عمليات مشابهة، بل وأكثر إجرامية، في حق مؤسسات ومطبوعات لها قرابة بجماعة العدل والإحسان؟

أين كان معظم هؤلاء الفضلاء حينما قامت عصابة من مجرمين “مشبوهين”، قبيل فجر يوم 30/01/2001، باقتحام مقر شركة(SAFAA-PRODUCTIONS)، بالدار البيضاء، والسطو على تجهيزات وبضائع من بينها 800 نسخة من كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين المعنون بـ”العدل- الإسلاميون والحكم”؟ وأين كانوا، في شهر فبراير التالي، حينما نُشرت العريضة الشعبية التي تدعو “المواطنين الأحرار” لإدانة هذه العملية المشبوهة وإدانة من وراءها من المجرمين الجبناء، وتحذر “من مغبة الانزلاق خلف الأهواء وتجريب الأوهام واللعب بالنار”؟

أين كان معظم هؤلاء الفضلاء حين سطت السلطات المخزنية-على الطريقة نفسها التي تمت بها عملية مطبعة النجاح- في يوم 06/04/2001، على أكثر من 8500 نسخة من العدد 34 من جريدة “رسالة الفتوة” من مقر شركة توزيع الإرساليات (SDTM) من غير أن يسلم “المجرمون” لإدارة الشركة شيئا يثبت مسؤوليتهم عما قاموا به؟

وللتذكير، فإن جريدة “رسالة الفتوة” ما تزال إلى حد كتابة هذه السطور ممنوعة من الطبع والتوزيع بتعليمات مخزنية ظالمة لا علاقة لها بالقانون، مع أنه لم يصدر في حقها أي قرار إداري أو حكم قضائي بالمنع. وإذا كانت إدارة مدير مجلة “وجهة نظر” قد تسلمت، فيما بعد، من ولاية الرباط وثيقة تثبت مسؤولية الدولة عن السطو الذي تعرضت له المجلة، فإن إدارة “رسالة الفتوة” لم تتسلم أي شيء، وبالتالي فإن كل ما ارتكب في حقها يعتبر عملا إجراميا محضا.

أين كان معظم هؤلاء الفضلاء، يوم 22/05/2001، حين أعادت عصابات السلطة المخزنية الكَرَّة في حق جريدة “رسالة الفتوة” وسطت على حوالي 5200 نسخة من العدد المزدوج 35-36 من مقر شركة التوزيع(CAREE)؟

أين كان معظم هؤلاء الفضلاء، يوم 04/01/2002، حين اقتحمت عصابة مشبوهة- ولنتذكر حادث اقتحام مقر شركة(safaa-productions) في يناير 2001- مقر شركة(SAFAA-GRAFIC) للطباعة والنشر، بالدار البيضاء، وسطت على تجهيزات قُدّر ثمنها ب150000 درهم، فضلا عن وثائق وشيكات بنكية تخص زبائن الشركة؟ والمعروف أن هذه الشركة هي التي كانت تتولى طبع “رسالة الفتوة” على طريقة(الأوفسيت)، كما كانت تتولى، من حين لآخر، طبع بعض كتب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

أين كان معظم هؤلاء الفضلاء مؤخرا، في شهر مارس من السنة الجارية، حين سطت عصابات المخزن، في واضحة النهار دائما، وباسم الدولة وبقوة سلطتها، على 810 نسخة من العدد الأول من مجلة “منار الهدى”، من مقر شركة(SDTM) في فاس والجديدة وأكادير، من غير أن يتركوا ما يثبت مسؤوليتهم عن العملية؟

لصوص محترفون!! أذكياء يعرفون مداخل القانون ومخارجه!! لا يتركون وراءهم أي أثر، وبالتالي، فإنهم يسدون أبواب جميع الذرائع التي يمكن أن تؤدي إلى فتح ملف المتابعة القضائية!! إنهم مجرمون أذكياء!! إنهم مخزنيون أصلاء!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيعرف هؤلاء الفضلاء الحقوقيون أن هذه العصابات المخزنية الإجرامية- وينبغي من الآن ألا نتردد في تسمية الأشياء بأسمائها- قد سطت، قبل أيام فقط، على حوالي 5000 نسخة من كتاب(باك فلسفة) المدرسي، الذي لا علاقة له على الإطلاق بالسياسة ولا بمخازي المخزن اليومية ، والسبب هو أن رجال السيد العنيكري المشهورين بأدائهم المتميز في مجال حماية التراب الوطني، والذين يعملون بالليل والنهار من أجل مصلحة البلاد والعباد، قد اكتشفوا أن مؤلف هذا الكتاب الأستاذ بدر إدريس أوهلال ينتمي لجماعة العدل والإحسان. يا له من اكتشاف باهر!! “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

أيها الفضلاء الحقوقيون، إن قوما تقوم قيامتهم لمناصرة لون فكري وسياسي معين حين يمسه شيء من الظلم، ولا يكاد يُسمع لهم صوت حين تنصبّ كل أنواع الظلم والمنع والقمع على لون فكري وسياسي آخر- إن هؤلاء القوم لَخَليقون أن يصنفوا في أية خانة إلا خانة المدافعين عن حقوق الإنسان، بل يمكن تصنيفهم، بامتياز، في خانة المدافعين عن “الطائفية” و”التمييزية” و”الإقصائية”، وهذه سبّة سيسجلها التاريخ ولن تُنسى أبدا.

إن البواكيَ المحلية والعالمية كثيراتٌ حين تصيب زيدا أو عمروا من “العلمانيين” شظية من قنابل الظلم المخزني، لكن حمزة المسلمَ الذي تحاصره نيران هذا الظلم من كل جانب، حمزةَ العدل والإحسان الذي ما فتئ يواجه كل أنواع القمع والمنع والحصار، له الله، لا إله إلا هو، هو حسبه ونعم الوكيل.

وأسجل هنا، وفي كل مناسبة، تحية خاصة ملؤها الشكر والتقدير، للفضلاء الحقوقيين الذين كانوا وما يزالون يناضلون من أجل إقرار مبادئ حقوقية يتساوى في ظلالها الأبيض والأسود، العربي والعجمي، العلماني والإسلامي، والكلمة الأخيرة للأمة تقبل وترفض، تُقرِّب وتُبعِد، تختار بحرية تكفلها القوانين وتصونها المؤسسات والمواثيق.

إن المواطن المغربي واحد، وإن حقوق الرأي والتعبير واحدة، وإن ممارسة أي تمييز أو إقصاء في هذا الشأن إنما هو بناء على غير أساس، هو بناء على الأوهام.

فمتى سترشد عقليتنا الحقوقية؟؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.