أعتقد أن المقاربة السليمة للمسألة الثقافية بالمغرب، والقضية الأمازيغية جزء منها، ينبغي أن تتم في إطار نظرة شمولية لشأننا العام وللعمل الوطني برمته.

فالواقع أن الإخفاقات المتتالية التي ابتلي بها بلدنا في ظل سياسة الإقصاء وتغليب الهاجس الأمني والتحالفات المريبة بين المخزن وكثير من الأحزاب، كل هذا أوصلنا إلى مشارف “السكتة القلبية”، كما عبر الملك الراحل بنفسه، بحيث نعيش في ظل اختلالات خطيرة، منها هشاشة الاختيارات الثقافية، وهذا ما ساهم، إلى جانب عوامل أخرى ليس هنا مجال سردها، في ظهور مثل هذه المطالب.

ولذلك ففي رأيي يجب أن تتعبأ كل المكونات الوطنية، وضمنها الأمازيغية، للتأسيس لمغرب جديد يقف على أرضية صلبة، سياسية واقتصادية وثقافية من خلال مافتئنا ندعو إليه بإلحاح شديد، ونراه المخرج السياسي المناسب من الواقع البئيس، وهو تداعي الجميع إلى ميثاق إسلامي تحدد فيه الاختيارات الكبرى، وتعرض على التصويت الشعبي، يعطي الانطلاقة لأوراش وطنية تستجيب لكل التطلعات المشروعة، وآنذاك يمكن الحديث عن دستور جديد وموقع الأمازيغية فيه.

أما التعبير عن مواقف متسرعة تجاه دسترة الأمازيغية وتدريسها فما أظن أنه يخدم مطالبنا الملحة، ولا حتى أصحاب تلك الدعوات نفسها سواء كان الجواب بالاتفاق مع الفكرة أو رفضها، خاصة والجميع، إلا من رحم الله، يبحث عن فرص استرضاء الناخبين لاستكثار الأصوات ليس إلا، لا يدرون أنهم يتاجرون بما يمكن أن ينقلب سلاحا لتمزيق النسيج الاجتماعي، وتقويض شروط النهوض والانعتاق والتحرر، ومن تم تتبدد كل الأحلام، ويضيع كل شيء، ولله در من قال منبها ومحذرا:

أرى خلل الرماد وميض جمر

فـإن النـار بـالعود تذكى ويوشك أن يكون له ضرام

وإن الحـرب أولهـا كلام

وبخصوص التوجهات التي تؤطر الطرح الأمازيغي فهناك طيف من المقاربات والاتجاهات وإن توفرت على حد أدنى من القواسم المشتركة. فهناك المقاربة التي تعتبر العلمانية بحمولتها الثقافية مرجعيتها، لكنها في نفس الوقت لا تعلن رفضها أوعداءها للمرجعية الإسلامية، بل تحاول الاستناد عليها أحيانا لتأكيد مشروعية مطالبها الثقافية. وهناك مقاربة تستند أكثر على البعد العرقي السلالي، وبالتالي ترفع من سقف المطالب المستهدفة إلى حد المطالبة بتحرير وطن تيموزغا، وهو الشمال الإفريقي، من العناصر المشرقية الغازية، وتتماهى أكثر مع الغرب وثقافته مقابل التنكر لثوابتنا الإسلامية، وهناك وهناك … ولذلك فالسؤال يجب أن يحسم فيه المعنيون بالأمر أنفسهم بصراحة ووضوح لرفع اللبس الذي يكتنفه، ولاسيما أولئك الذين يشيرون بأنهم لا يعادون الإسلام ولا لغة القرآن.

وأود أن أشير إلى مغالطة كبيرة تساق وهي اعتبار الهوية المغربية هوية ذات مكونات متعددة أمازيغية وعربية وإسلامية وإفريقية ويهودية وما إلى هناك من أبعاد، حيث يوضع الإسلام جنبا إلى جنب مع أبعاد لغوية وثقافية وحضارية وكأنه ليس سوى بعد لغوي وثقافي مثلها، في حين أن الإسلام أكبر من ذلك، فهو دين ينتظم كافة مناحي الحياة وفي ظله انصهرت هذه الأبعاد كلها، وتمازجت واصطبغت به على امتداد خمسة عشر قرنا من التواصل والتعاون والتثاقف بين هذه الأبعاد كلها ولم يكن الإسلام قط ضد أي منها، طالما كانت أداة بناء وليس معول هدم أو تفتيت.

ولذلك فالاعتبار الأصح أن نقول إن هوية المغرب هي هوية إسلامية ذات أبعاد متنوعة ومتكاملة، ويمكن بعد ذلك إدراج كافة الأبعاد السالفة باعتبارها جزءا ثقافيا وحضاريا داخل صرح الإسلام، علما بأن الانتساب الديني يجب أن يكون أسبق وأحكم من باقي الانتسابات، وإلا فإذا انطلقنا من المغالطة السالفة، فإن الإسلام سيصبح طرفا متصارعا مع أطراف أخرى، في حين أنه يجب أن يكون الإطار الجامع لباقي المكونات والرابط بينها، لتكون هذه المكونات، كما كانت طيلة فترات طويلة من تاريخنا، متكاملة ومندمجة وبانية لشخصية وحضارية مغربية وإسلامية ذات أبعاد متنوعة ومتكاملة.