كشفت دراسة أجراها مؤخرا مجموعة من الباحثين في جامعة غلاسكو الأسكتلندية أن 9% فقط من الشباب البريطاني يعرف أن إسرائيل تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة ( أقول: تحتل فلسطين كل فلسطين). وقالت أنه بعد فحص 3536 سطرا من الأخبار التي تذيعها محطات التلفزة البريطانية في 90 نشرة من نشراتها الإخبارية، تبين أن 17 سطرا فقط ركزت على الخلفية التاريخية للصراع العربي – الإسرائيلي. وأكدت الدراسة أن معظم نشرات الأخبار منحازة للكيان الصهيوني لأنها تظهر هجماتها على الفلسطينيين بأنها رد فعل على هجماتهم الانتحارية.

وإذا كان هذا الانحياز الواضح لأجهزة الإعلام البريطانية والموثق علميا وموضوعيا تشترك فيه إلى حد كبير جل أجهزة الإعلام الأوروبية والأمريكية، فإن النتيجة/الخلاصة التي باتت معروفة عندنا هي أن المتتبع للشأن العربي والإسلامي عموما والفلسطيني على وجه الخصوص بات أمام خيارين لا ثالث لهما: إعلام منحاز وإعلام أقل انحيازا..!!

ولكن حق لنا أن نتساءل ونحن نعرض باقتضاب شديد لنتيجة هذه الدراسة: هل هذه الصورة الدرامية العربية الإسلامية الفلسطينية المنحوتة في أذهان الأوربيين والمنحازة بشكل لا يماري فيه أحد لليهود ولكيانهم الصهيوني الغاصب يتحمل فيه الغرب المسؤولية لوحده، أم أن قسطا لا يستهان به من المسؤولية تتحملها الأنظمة العربية والإسلامية نفسها؟؟!!

بداية نسجل وبكل حيادية أن أي استطلاع للرأي في عالمنا العربي مهما كان رديئا في خلاصاته واستنتاجاته، سيعطينا وبدون أدنى شك تفضيلا لدى المواطن العربي لاستقصاء معلوماته وأخباره من قنوات ومنابر غربية مثل: bbc, cnn, TV5, le monde, TIME, guardian, new york times , ….أكثر من أية قناة عربية أو مجلة أو جريدة مهما كان لونها و”مصداقيتها” ..والسبب في نظري يرجع إلى أمور كثيرة، نذكر منها مايلي:

1- السبب الأول: أن المنابر الإعلامية الغربية ومهما قيل في حق انحيازها، خصوصا إلى جانب اليهود، تظل إلى حد كبير تتمتع باستقلالية مهمة في التغطية الإخبارية والتحليل السياسي وتغطية الرأي والرأي الآخر ولو في حده الأدنى، مما يعطي للعرب والمسلمين أنفسهم تفضيلا للتوجه نحو هذا الإعلام بدل اللجوء إلى صحافة المخزن والجنرالات والحزب الوحيد الحاكم…

2- السبب الثاني: الاحترافية العالية التي تميز المادة الإعلامية الغربية. فمما لا شك فيه أن التكنولوجيا الحديثة خصوصا منها media technology لها دور السحر والإقناع والتأثير في آن واحد على أي متتبع في العالم. فالتقنيات المتطورة التي تحصل بها هذه المنابر على الخبر وتعالجه وتروجه من صوت وصورة وإشهار وسبق صحافي والجدة التي تفاجأ المتخصص قبل المتتبع العادي، كلها عناصر مهمة في استقطاب جمهور عريض جدا من المشاهدين ليقع في حب الصورة الرقمية المخدومة بدهاء، والصوت الطبيعي الشفاف، والتعليق المباشر على دوي القنابل التي تتهاوى فوق الرؤوس. وبالتالي ضمان الوفاء ثم الولاء المطلق لهذه الشريحة من الجمهور الذي لا يجد بديلا إعلاميا محترفا كالذي يستهلكه من الغرب.

3- السبب الثالث: الديمقراطية. نعم الديمقراطية، أو لنقل الحرية.

بداية، نطرح تساؤلا مفصليا دقيقا: هل من الصدفة العمياء أن جل، إن لم نقل كل، المنابر المؤثرة في الرأي العام العالمي توجد بالغرب؟

الجواب أوضح من صخرة بلقاء. لكن هذا الجواب يعطينا درسا بليغا علينا أن نتقبله بمنتهى الشجاعة والنزاهة الفكرية. فالإعلام ما كان لينمو- رغم عيوبه ومؤاخذاتنا عليه- في الغرب لولا مناخ الحرية والديمقراطية اللتين تعتبران ركيزتي الحياة الفردية والجماعية في القارة العجوز وبلاد العم سام. والمنبر الإعلامي الذي يحابي اليهود في برنامج “أ” هو نفسه المنبر الإعلامي الذي يرجع إلى مصداقيته وموضوعيته في برنامج “ب” مباشرة بعد الفاصل!!! خصوصا إذا كان التواصل فعالا ومؤثرا من طرف المعنيين بقضية ما مثل القضية الفلسطينية موضوع الدراسة التي صدرنا بها هذا المقال.

طريق الألف ميل يبتدئ بالخطوة الأولى. وكذلك إعلامنا في العالم العربي لن ينال مراده إلا إذا بذلت لذلك التضحيات الجسام من عرق ودم وجهد. ويكفينا استنتاجا بليغا في هذا المقال أن المنابر الإعلامية على علاتها تعتبر مرآة التقدم أو الانهيار السياسي والأخلاقي والأدبي في أي بلد من بلاد الله الفسيحة. وإلى لقاء…