– نحو معالجة شمولية للمسألة الأمازيغية

في البداية، لابد من التأكيد على بعض تصوراتنا تجاه تغيير واقعنا بصفة عامة وعلى مختلف المستويات بما في ذلك المستوى الثقافي الذي تندرج فيه المسألة الأمازيغية.

فنحن نلح دائما على أن البوابة الطبيعية لأي تغيير سليم هي أن تتداعى كل المكونات المجتمعية، السياسية منها والثقافية وغيرها، إلى التوافق على إطار عام جديد للعمل الوطني يكون بمثابة ميثاق جامع يعرض على التصويت الشعبي 1. وضمن هذا الميثاق يمكن إدراج كل القضايا والتحديات والتوافق على حلول شاملة لجميع القضايا بما في ذلك القضية الثقافية التي تشكل المسألة الأمازيغية جزءا منها. وليكون هذا الميثاق جامعا، ولكي تكون تلك الحلول شاملة ومتناسقة فلا بد في نظرنا من توفر الميثاق السالف على عدة شروط، أهمها:

أن يركز على القواسم المشتركة التي تجمع عليها كل مكوناتنا الوطنية ليضمن لنا الحد المطلوب من الوحدة في عصر تجتاحه العولمة وتتحكم فيه التكتلات الاقتصادية والسياسية. ولن نجد هذه القواسم المشتركة إلا في ديننا الإسلامي الحنيف الذي نشترك فيه جميعا والذي يعتبر أساس هويتنا وضامن وحدتنا. وبالتالي فأي معالجة للقضايا المطروحة يجب أن تستند على مقتضياته ومقاصده ومطالبه.

مما يجب أن ينبثق عن هذا الميثاق دستور جديد تشرف على وضعه هيئة منتخبة وممثلة لجميع المكونات، ولهذا الدستور الحسم في اختياراتنا الثقافية وغيرها بما يكفل لنا الوحدة والقوة والمناعة والديمقراطية والعدل والكرامة…

يجب أن ينفتح هذا الميثاق على جميع المكونات وأن يساهم الجميع في صياغته بعيدا عن أي إقصاء ليحظى برضا الجميع وليكون دافعا لعمل وطني جديد يتوخى ترسيخ مقوماتنا المشتركة ودعم هويتنا الجماعية بكل أبعادها، وليكن شعارنا كلمة الشهيد حسن البنا رحمه الله: ” لنتعاون في ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”

يجب صياغة هذا الميثاق بعيدا عن جو الكولسة والكوطا والتآمر على الشعب والقفز على إرادته ـ على غرار ما اعتدنا في المواثيق المخزنية ـ بل إن الميثاق الذي ندعو إليه يجب أن يصاغ على مرأى من الشعب وأن يحظى بموافقته ويعبر عن إرادته وتطلعاته.

يجب أن تأخذ معالجتنا للمسألة الثقافية ـ والأمازيغية ضمنها ـ بعدها الطبيعي كمسألة وطنية تهم كل المواطنين وليس فئة منهم، ويجب أن تكون هذه المعالجة منطلقة من مقتضيات هويتنا الإسلامية الجامعة ومدعمة لوحدتنا ومبنية على إرادة وطنية صادقة، دون أن يعني ذلك طبعا الإهمال والتعليق والتأجيل والتماطل، أو المعالجة المستندة أساسا على الهم الأمني قبل كل شيء كما هوحال المبادرات المخزنية الأخيرة.

إن أي تهميش أو سوء تقدير لهذه المسألة الحساسة من شأنه أن يدفع في اتجاه تسييسها وتدويلها ـ وقد انطلق هذا المنحى وبسرعة فائقة للأسف ـ ما لم تبادر جميع المكونات والهيئات إلى التفاهم والتوافق على ميثاق وطني شامل، يحدد بوضوح هويتنا بأبعادها المختلفة، ومرجعيتنا، وأي مغرب نريد في عصر العولمة والأمركة وفي ظل نظام دولي جديد أو بالأحرى فوضى دولية ـ على حد تعبير مفكرنا الكبير المهدي المنجرة ـ يوظف ضمن وسائل اشتغاله وهيمنته مسألة الإثنيات، وما وقع ويقع في أوربا الشرقية وبلدان البلقان خير دليل على نجاعة وخطورة هذا السلاح الحساس في تفجير الأوطان وتمزيقها وجعلها كانتونات يسهل بلعها والتلاعب بها. نسأل المولى القدير أن يقي بلادنا مثل هذا المصير، آمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

والله من وراء القصد وهو يهدي إلى السبيل القويم.

1- انظر تفصيل هذا الميثاق في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين وخاصة حوار مع الفضلاء الديمقراطيين و العدل: الإسلاميون والحكم