يستطيع كل أن يجيب بما عنده من تخرص أو استنتاج أو تعريف لغوي.

فالمحلل النفسي المستشرق يستجمع آلات صناعته ليستدل على أن الرجل كان صادقا في الإخبار عن الحدث. لكنه، مثل غيره ممن يعانون من الذهان وانفصام الشخصية خاطبته أشباح هلوساته.

وقال المعاصر الذي كذب وتولى بعد أن فكر وقدر وعبس وبسر: { إن هذا إلا سحر يوثر، إن هذا إلا قول البشر}.

وقال آخرون ممن صموا عن سماع النداء: مجنون، كذاب، أفاك.

وقال اللغوي: الوحي الإشارة السريعة.

وقال الله عز وجل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أويرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. إنه علي حكيم}. الشورى:48

فالوحي كلام يكلم الله به عباده المصطفين إما للاهتداء في حد ذواتهم، فتلك النبوءة، وإما يصطفيهم سبحانه لحمل رسالته لمن يشاء من خلقه، وتلك رسالة الرسل عليهم السلام، وقوامها النبوءة.

يوحي سبحانه إلى أنبيائه ورسله بالكلام القدسي كما أوحى إلى موسى عليه السلام، أو يرسل أمينه على وحيه جبريل عليه السلام فيوحي بإذنه ما يشاء.

ويوحي سبحانه إلى عامة المستجيبين للرسل بواسطة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى: {وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة}. الأنبياء: 72

ويوحي إلهاما كما قال عز وجل عن النحل: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذ للا}. النحل: 68-69

ويوحي سبحانه إلى عمار السماوات من الملائكة كما قال عز وجل: { وأوحى في كل سماء أمرها}. فصلت: 11

ويوحي إلى الملائكة أمره العزيز في المواقف الخاصة كما أوحى إليهم سبحانه في واقعة بدر: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب. فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}. الأنفال: 12

وأوحى سبحانه إلهاما إلى أم موسى عناية منه سبحانه بوليدها السعيد: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني. إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}. القصص: 6

ويوحي سبحانه ببشرى في المنام للسعداء من المومنين كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي ارتفع من بعده وبقيت لأمته المبشرات وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

فجأه الوحي صلى الله عليه وسلم وأفزعه، لأنه لم يكن ينتظر الحدث الجلل. كما قال الله عز وجل يخاطبه فيما بعد: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك}. القصص: 86 وقوله عز من قائل: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان. ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}. الشورى: 49

جاءه الوحي صلى الله عليه وسلم. كلمه ربه بواسطة الملك الكريم. وأمره بالقراءة إذ القراءة مفتاح العلم. وعلمه الجواب الإجمالي عن السؤال الفطري الذي يلح على القلوب السليمة وتعمى عنه وتجهله وتتجاهله الفطر المريضة.

{اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق}. العلق: 1-2

في أول جملة كلم بها الحق سبحانه خاتم أنبيائه وتاج رسله، جاء الجواب بأن الله هو الخالق لا الأصنام، ولا الأبوان، ولا الطبيعة، ولا السلحفاة الماكرة في جزر الجلاباجوس تكيف أعضاءها لتتلاءم خلقتها مع البيئة المحيطة.

وفي ثاني جملة إخبار بأصل خلق الإنسان في أحشاء ظلمة البطن، علقة ثم خلقا بعد خلق حتى يستوي الجسم ويخرج إلى الوجود الخارجي لغزا على نفسه إلا أن تتداركه العناية الإلاهية فيصغي.

وحمل صلى الله عليه وسلم رسالة إلى العالمين مبدأها الأول معرفة الخالق وتوحيده وعبادته.

جاءت الرسالة إلى الأرض لينشأ لها دعاة وحملة ينصرون الرسول ويجاهدون إلى جنبه. واختار العلي الحكيم سبحانه أمة أمية فارغة من كل علم، قليلة البضاعة من مكتسبات الحضارة، قبائل متفرقة تظهر إحدى معجزات الرسول المبعوث في جمع كلمتها، جاهلة سرعان ما تتعلم لتكون بعد فترة وجيزة أستاذة العالم.

كانت العرب في جاهليتها تعبد أصناما، لكل قبيلة وفخذ وأسرة صنمها المفضل. يصنع المتواضعون آلهتهم من خشب منحوت أو حجر منصوب أو خبز يأكلونه عند الحاجة. ويستورد علية القوم أصنامهم من الشام وأطراف الشام المتحضرة المتقنة للفنون الهلنستية التي احتلت بثقافتها تخوم بلاد العرب منذ غزوات الإسكندر المقدوني.

وحي يتلى على قوم أميين بهرتهم بلاغته، وأعجزهم بيانه وهم بلغاء العرب وفصحاؤها، فكان الوحي وإعجازه وتحديه الذي لم يرفعه منهم رافع أظهر المعجزات. ومعجزات أخرى كثيرة ظهرت تأييدا إلهيا على يد الرسول كما تظهر على أيدي رسل الله عليهم سلام الله.

وحي يحمله رجل عرف بالأمانة والصدق والشرف.

ومعجزات خارقات مثل شق القمر. وقوم أميون قريبون من الفطرة مجردون من الحمولة الحضارية الثقيلة التي تغلف الإنسان في أردان مادته ومصنوعاته ومنحوتاته الصنمية الحجرية أو الفكرية الفلسفية.

قوم مع ذلك لبعضهم على بعض سيادة، وامتيازات ورئاسات ومصالح.

وعودي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوتل. ونهض معه النهضة العظيمة التي نقرأها في السيرة قوم سمعوا واستجابوا.

وصحب الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراحل جهاده. في الأحداث الكبرى مثل مسراه ومعرجه الشريف حين ناجاه ربه سبحانه منه إليه. وفي غزواته الحاسمة مثل بدر وأحد والفتح وحنين والعسرة. وصحبه الوحي صلى الله عليه وسلم يفصل له ولأمته ما فرض الله عليها وما أحل وما حرم. ويبشر وينذر.

كان الوحي في مكة لمدة ثلاث عشرة سنة يركز انتباه المؤمنين والمؤمنات على التوحيد وعلى الآخرة. ثم كان جل ما تناوله بعد ذلك الحث على الجهاد، وضرب الأمثال بصبر الرسل وجهادهم، وتوجيه المسلمين في المواقف التي يحار فيها الرأي، وأحكام التشريع.

لم يقص الوحي العقل المعاشي المدبر للشؤون الحياتية. بل نصبه أميرا في مجالاته المشتركة بين البشر عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في مسألة تأبير النخل: أنتم أعلم بأمور دنياكم.

ولم يعتقل الوحي العقل المدبر المبتكر اليقظ المتفاعل مع الأحداث يعرف الضار من النافع، والأليق من المخطئ.

لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه ويستطلع رأيهم ويتوسط في خلافاتهم فيما يرجع للرأي والحرب والرحلة والمنزل والقسمة. مستهديا هو وهم بالوحي واقفين عند نصه وروحه، مجتهدين في التطبيق حسب الاستطاعة والمقدار الموفي بالغرض، وحسب الزمان والمكان.

وتنوعت طرق نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يشاهدون ويعيشون مع الوحي والموحى إليه في وقائع يومية تأكدوا فيها من صدق الصادق الأمين وازدادوا إيمانا على إيمان.

قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}. التوبة: 126

كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الهيبة العظيمة في قلوب أصحابه رضي الله عنهم. بشريته واصلة بينه وبينهم، يشاركهم في المطعم والملبس والمسكن والسراء والضراء والمرض والصحة والفقر والغنى. وكان الوحي واصلا بينه وبين القدس.

كان الواسطة صلى الله عليه وسلم. وتلك نموذجيته التي أخبر عنها قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي انما إلهكم إله واحد}. الكهف: 105

وتلتقي البشرية المحمدية مع الوحي، فيسأله الصحابي الحارث بن هشام: “يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني. فأعي ما يقول”.

ومرات زارهم الأمين جبريل عليه السلام على صورة دحية رجل يعرفونه، فيحسبون أنه من يعرفون، حتى يخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه جبريل جاءهم يعلمهم دينهم.

كانوا يعرفون من تغير بشريته صلى الله عليه وسلم متى ينزل عليه الوحي. فيقول عبادة ابن الصامت رضي الله عنه: “كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب وتربد له وجهه”. وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي ” غمض عينيه، وتربد وجهه”.

كان الوحي حدثا يوميا وأمرا معروفا وظاهرة مألوفة.