في العددين الماضيين تناولنا ضمن هذه السلسلة ( حوار مع الغرب ) مقالين اثنين لمراد هوفمان وهو مفكر غربي مرموق ومخضرم استطاع بمؤهلاته العلمية والدبلوماسية، وبخبرته الميدانية الطويلة الخلوص لأهم استنتاج وهو في نفس الوقت إشكالية كبرى و تحد أمام الغرب ألا وهو: كيف يستطيع الغرب الصناعي حل معضلة هذا الفراغ والفقر الروحي الهائل الذي يعاني منه في مقابل هذا التضخم المادي غير المسبوق الذي “يتمتع” به؟

إذا كانت المسيرة الشخصية لمراد هوفمان قد قادته إلى الإسلام، وعبر استعراض هذه المسيرة يحاول مفكرنا الكبير أن يلفت عناية السيدة الأنيقة الحضارة الغربية إلى ضرورة التحاور والتواصل مع هذا الدين ـ الإسلام- ومحاولة الغوص في معانيه العميقة، بعيدا عن وضعية المسلمين المتخلفة في كل شيء، فإن قصد مفكرنا الكبير هو تكسير الحواجز المبنية على الندية العضلية المادية في كل حوار ثنائي ومحاولة إقناع بني قومه بإزالة نظارات الاحتقار والدونية التي طالما ينظر بها الغرب المصنع العملاق إلى شعوب تكاد تجد الماء الصالح لتشربه أو كسرة خبز يابسة لتسد به الرمق.

إنه نداء إلى اكتشاف شيء جديد عجزت عنه الميكروسكوبات المكبرة بملايين المرات، والتلسكوبات اللاقطة لملايين السنوات الضوئية في الفضاء الفسيح، إنه ببساطة دعوة صريحة إلى حوار بين الغرب وبين الإسلام ، حوار بين جسد العالم الممشوق المفتول العضلات، وبين روحه الخفية الصاعدة بإذن الله بعد سبات عميق.

قبلنا الدعوة والفكرة، وفي انتظار ردود فعل إيجابية في الموضوع ندلي بدلونا ونواصل، ولكن هذه المرة من الضفة الجنوبية، ومن المغرب تحديدا ومع أحد دعاة الحوار مع الغرب. إنه الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي نقتطف في حلقتين متتاليتين فقرات من كتبه تهم موضوع هذه السلسلة، مع تعليق في آخر السرد.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه: ” محنة العقل المسلم، بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” في فقرة تحت عنوان: ” من مزاياهم”:

“حرف “من” للتبعيض. ونشير بمن إلى بعض المزايا الثابتة أصولها فيهم الصامدة على معاول الهدم الحضاري الذي ينخر في كيانهم. من قوة هذه المزايا أنها لا تزال قائمة رغم السوس المتسلل إلى الجذور.

“من مزاياهم الحرية، ثم الحرية، ثم الحرية. لا يعرفون العبودية لله لأنهم كفار وجاهلية. لكن الاستبداد البشري تحصنوا ضده.

“من مزاياهم العلوم، وثمرات العلوم، والإنفاق على البحث العلمي.

“من مزاياهم العمل، والجد في العمل، والضبط في العمل، والكفاءة في العمل.

“من مزاياهم أن العقلانية العلومية التنظيمية تسيرهم، بينما تسيرنا المزاجية والارتجال.

“يسيرهم التخطيط وسبق الأحداث وتوقع نتائجها، بينما ننام حتى يفاجئنا الواقع بالكوارث.

“من مزاياهم التنظيم واليقظة.

“من مزاياهم الديمقراطية التي تتحول إن استوردناها مهزلة، ومهرجانا فلكلوريا، وتجارة في الأصوات، وتزويرا وغشا.

“من مزاياهم الواقعية التي ترضيهم بالديمقراطية على أنها أحسن نظام ممكن في سياق خلفياتهم الحضارية. يستعملون الديمقراطية واعين بعيوبها وحدودها وتلاعبها وصفقاتها، بينما هي عندنا كلمة أسطورية مثالية نعلقها على قرن الثريا في أحلامنا العاجزة التابعة المقلدة.

“من مزاياهم المجتمع المدني بواقعية أحزابه وتعددها، وبجمعياته الفاعلة، ونقاباته المناضلة، وفضائله الإنسانية التي تسارع إلى الصومال لتطعم جياعنا وتأسو جراحنا.

“من مزاياهم القانون يطبق على القوي والضعيف. لا نحاكمهم إلى مثالية القرآن وحاكمية الله. فهم جاهلية يتحاكمون إلى اختيار الناس في وضع دساتيرهم وتقنين شرائعهم. والنتيجة قانون معروف له نتائجه وحدوده وحقوقه. لا مكان عندهم لإرادة الحاكم المطلقة.

“من مزاياهم القضاء المستقل نسبيا.

“من مزاياهم تمسك كل ذي حق بحقه، وصراخ كل مظلوم في وجه ظالمه.

“من مزاياهم صحافة حرة تراقب وتنتقد، وتطرد رؤساء الدولة الخارقين لحرمة الحياة الخاصة في (وترجيت).

“من مزاياهم أن اللاجئ السياسي منا يطرده ظلم طواغيتنا فيجد عندهم مأوى وأمنا ومساعدة وإنسانية. ناهيك بهذه!

“مزاياهم كثيرة كثرة معايبنا التقليدية والحادثة المحدثة في الدين والمركبة.” انتهى كلام الأستاذ عبد السلام ياسين.

شهادة كبيرة، وواقعية أكبر في الاستقصاء والتحليل يدلي لنا بها رجل دعوة وفكر ومشروع مجتمعي. كيف تلتقي إرادتان متناقضتان ومختلفتان من حيث المنشأ والتكوين والهوية على مشروع مشترك يجمع بين الطرفين؟ وهل يوجد في الأصل ما يشترك فيه الطرفان؟

سؤال كبير وفسيح فساحة تاريخ القطبين، والتواصل التاريخي بين الضفتين الدينيتين والثقافيتين، وما استحضار المستقبل المشترك الذي ينتظر أمنا الأرض التي نعيش في حجرها جميعا، والحجم الهائل من النفايات التي تخلفها أمام بيوتنا كل يوم آلات العولمة العملاقة التي لا تبقي ولا تذر، أقول هذين عاملين كافيين في نظري لبدء حوار متكافئ لإنقاذ إنسانيتنا التي تمسخها كل يوم آلاف آلاف الثقوب في طبقة الأوزون، وإشعال نيران حروب تأتي على الأخضر واليابس لا لشيء إلا لامتحان قدرات صواريخ ذكية شديدة التدمير أو آلات للرصد تتلصص مع مرور الدقائق والثواني على خاصة خاصة حياتنا اليومية العائلية والبسيطة.

إن أدق تسمية يمكن أن نصف بها عالمنا اليوم أنه عالم الضوضاء: ضوضاء إعلام الإثارة والتهييج، ضوضاء السينما العالمية التي تبيع الموت بتذكرة تساوي خمسة دراهم، ضوضاء الحروب التي تنتهي لتبدأ كل هذا لحماية المصالح العليا للشعوب !!!، ضوضاء ملايين السيارات والحافلات والطائرات والمعامل ذات الأدخنة العالية نسلب معها حتى حقنا الطبيعي في نومة هادئة طبيعية……إلخ

إنها الحركة الكثيرة المنفعلة مع هموم المعاش القاسية تفقد أصحابها سكون الروح وهدوء التفكير ورزانة الكلام…إنه العالم يحتاج لمن يدله على السلم والسلام، والأمن والأمان، والحب والإيثار، وبكلمة واحدة إنه العالم يحتاج قبل أي شيء لمن يدله على الله !!! ….( يتبع )