شعبان عظيمان

غريب أمر هذه الشعوب، والأغرب منه أمر حكامها. لقد تفنن علماء السياسة والاجتماع والمفكرون في إحصاء واستقصاء أساليب التغيير وطرائق الثورات، فتحدثوا لنا- والعهدة عليهم- عن الثورة الفلاحية، والثورة الصناعية، والثورة الحقوقية، والثورة الثقافية…إلخ. لكن الذي يصوب وجهه اليوم نحو فلسطين الجريحة والأرجنتين بلد الثوار والأدب وكرة القدم، يقف مشدوها أمام العبقرية العظيمة التي يمتلكها الشعبان، ولربما هذه العبقرية تأتي من عبقرية تاريخ الحضارتين.

جنين: أمة لا تهزم من قلة!

ممنوع! ارجع وراءك! تراجع! قف وأزل بنطلونك وقميصك وحذاءك! توقف سنطلق النار!!! هذه هي مفردات الحياة “الطبيعية” في فلسطين اليوم، وهذا هو القاموس اليومي الذي يواجهه الفلسطينيون الأكابر ومعهم منظمات إنسانية مختلفة: “مراسلون بلا حدود” ، “أطباء بلا حدود” ، “الهلال الأحمر” ، “الصليب الأحمر”…الذين هبوا ليكونوا شهودا في الدنيا على مجازر كيان صهيوني غاصب، أحد أكبر مجرمي هذا القرن والذي قبله.

يحار المرء حقيقة كيف يصنف هذا الشعب الفلسطيني الأبي. هل هو عرق دون بقية الأعراق؟ هل هو شعب الله المختار، من أي ثدي يرضع هؤلاء البراعم وتلك الزهرات؟

بين بداية السؤال ونهاية الجواب تمتد مسافة طويلة عريضة من الإجابات العجيبة الغريبة المتفردة والتي لا يملك فصاحة التعبير عنها إلا شعب عملاق مثل الشعب الفلسطيني. –

أليست فلسطين هي البلد الوحيد الذي ينطق فيه الحجر!!؟ –

أليست فلسطين هي البلد الوحيد الذي يولد فيه الأطفال شهداء؟؟ –

أليست فلسطين هي البلد الوحيد الذي يستشهد فيه الأب فتتبعه الأم فالأولاد؟؟ –

أليست فلسطين هي البلد الوحيد الذي لا توجد فيه أسرة إلا وفيها شهيد أو معطوب؟

نكون أو لا نكون! تلك هي المسألة. “نكون” بصيغة الجمع. فهذا الشعب أوضح لنا أنه يحب الحياة جماعة، ويحب الموت كذلك جماعة، وأنه يعيش في جماعة لأن إرادته جماعية، وأهدافه جماعية لا مكان فيها لأنانية مستعلية اللهم إلا ما كان من أنانية الاستباق إلى تفجير ممر أمني، أو حاجز عسكري، أو مستوطنة من الغاصبين ينحدرون من أصقاع جيورجيا وسيبيريا.

إنها الإرادة الجماعية. إنه الشعب الفلسطيني أب الشعوب بلا منازع، ومعلم الشعوب على مر الأحقاب والقرون والأزمان..أرض مباركة أنبتت شعبا مباركا يفيض بركة وإيمانا وطهرا وصمودا مما حوله، جعلته يتأبى على خنوع الحكام ومساوماتهم وأعطياتهم الحقيرة دراهم معدودة تتبعها منة وأذى ودعاية.

الأرجنتين: احذروا! فالأواني تتكلم الديمقراطية!!

عود على بدء. عن الثورة والثوار نتحدث. عن بلد الشعر والأدب والثورة وكرة القدم. يقال لنا دائما أن كرة القدم تلهي وتنسي الهموم، بل هي مخدر من المخدرات التي تروج لها الأنظمة لكبح جماح مطالب شعوبها، وكذلك الفن بكل تلاوينه. في الأرجنتين يوجد هذا كله؛ توجد رقصة السامبا والتانكو التي يرقصها الشعب كله. يمتلكون أعظم فريق أسطوري لكرة القدم أفضل بكثير من منتخبنا المغربي الذي يرأسه العسكر. ورغم كل هذا طارت العنزة، ونزل الشعب كله إلى الشارع وكانت الانطلاقة – يا للمفارقة- من الملعب!!! هذه المرة ليس على الطريقة الفلسطينية بربط أحزمة متفجرات على الأخصر، ولكن على الطريقة الأرجنتينية لم تكن لتخطر في يوم من الأيام على تشي غيفارا نفسه! “مسلحين” بأواني المطبخ التقليدية ليعزفوا سمفونية الخبز والسكن الكريم والكرامة والحرية والتخلص من تبعية العم سام. سمفونية شعبية بالملاعق والطنجرات والكاصرولات. ووصل الصدى إلى أبعد مداه، ورأينا حكومات تتشكل وتتغير في أيام معدودات. وأعلنت حالة الطوارئ غير أن الشعب ما يزال مصرا على عزف سمفونيته الشعبية المطبخية على أوتار الجوع والعطش والبطالة والإهانة…

نعم غريب أمر الشعوب حقا. بالمقلاع والأحزمة المتفجرة التي تتمنطق بها النساء، أو بالأواني المطبخية التي تتحدث لغة الديمقراطية أو حتى بالتصويت الديمقراطي النزيه والشفاف على الجبهة الوطنية في فرنسا …تبقى الكلمة الأولى والأخيرة للشعوب. فماذا نحن فاعلون؟؟