إن عملية التجديد ليست عملية سطحية، ولا هي عملية نظم الأفكار وترتيبها على طريقة منطقية سابحة في عالم الفكر والجدل، وإنما هي عملية اقتحامية تعني الفرد والجماعة، بما أنها مهمة عظيمة ومصيرية في حياة الأفراد والأمة على السواء، ذلك أنها عملية متكاملة؛ تجديد الإيمان في القلوب وتجديد دين الأمة بأن تصبح الحياة العامة في علاقاتها الداخلية و الخارجية منضبطة للشرع وحاملة لرسالة الإسلام بقيام الخلافة على منهاج النبوة وقيمها.

وهنا لابد من التذكير بأن أمر الخلافة الثانية قوة فاعلة في صياغة الإرادة وعملية التفكير انطلاقا من يقين قطعي حاصل بمعيار الإيمان المطلق بما صح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك أن العمل على تحقيق هذه الخلافة ليس عاملا محفزا على الحفاظ على استمرار حركة المجتمع الإسلامي، فقط، بل أكثر من ذلك، هو عبادة وامتثال للإخبار النبوي. والنبي، صلى الله عليه وسلم، لا ينطق عن الهوى، ومن معاني”لا ينطق عن الهوى” أن ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ليس من صغيرات الحياة بل من عظائمها. ولذلك يجب على الدعاة استحضار هذه العظمة و هذا التعظيم لإدراك قيمة المخبر به، سواء في تدبير شؤون الدنيا أو في تدبير عملية السعي الفردي للآخرة. ومن ثمة فليس مطلب الخلافة انشدادا عاطفيا إلى مستقبل ما، بل هو بحث في أسس القوة المعنوية الإيمانية والمادية والفكرية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، أي البحث في أسس بناء جماعة المسلمين كما بناها صلى الله عليه وسلم.

ودون الوقوف على النموذج النبوي واتباعه اتباعا كاملا عقبات، ولذلك ندرك دلالات مفهوم العقبة من خلال:

1-ماهية العقبة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لكي لا نتيه عن العمل الإسلامي واتجاهه نتحقق أولا من ماهية العقبة، باحثين عن ذلك في كتاب الله تعالى. إننا إذ نعرفها بكل أبعادها يحصل لنا تصور مركزي، هذا التصور هو: العقبة : الفتنة”1.

إذن،من خلال البحث في كتاب الله، تعالى، يتحدد معنى العقبة. هنا نجد الأستاذ عبد السلام ياسين يكرر في جل كتبه الحديث عن تحديد العقبة من خلال سورة “البلد” التي وردت فيها لفظة العقبة. ف”مايعطيه النص من معاني الاقتحام ومعاني العقبة فهو في سياق الآيات: قال الله عز وجل: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ(1)وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ(2)وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ(3)لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4)أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ(5)يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا(6)أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ(7)أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12)فَكُّ رَقَبَةٍ(13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ(14)يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ(15)أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ(16)ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ(17)أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(18)وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ(19)عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوصَدَةٌ(20)[سورة البلد])

“…للفقيه الذي يبحث عن الأحكام العينية الجزئية أن يفسر فك الرقبة وإطعام المسكين واليتيم والكينونة مع الذين آمنوا في سياق تفصيل الأحكام الفقهية. لكن أي شيء يمنعنا من الفهم عن الله ما وراء الأحكام التفصيلية، ما يجمع تلك الأحكام وما يربطها وما يكون منها معرفة شمولية للإنسان وسلوكه عبر العوائق والحواجز التي تعترض صعوده في معارج الإيمان؟ فك الرقبة تحرير الإنسان من العبودية لغير الله عز وجل، إطعام اليتيم والمسكين، تحرير لطاقته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء من إطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماج له في الجماعة ليتحزب لله.”2

فمعنى العقبة، التي هي الفتنة بالاستعمال القرآني، هي هذه الحواجز والموانع التي تحول بين الإنسان وبين تحرره، أي بين أن يصبح عبدا لله وحده.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “هذا العالم بما فيه من أحداث خارجة عن ذات الفاعل الإنساني ونوازع جبل عليها، هو عالم فتنة، أي اختبار وامتحان للإنسان المخلوق المريد الحر المأمور بالشريعة”3. ويقول:”نجد أن النجدين اللذين هدى الله تعالى إليهما الإنسان عقبتان: إحداهما تؤديه إلى الكدح والكبد والتعب في دنياه إلى الشقاء الأبدي في الدار الآخرة. والأخرى، وهي التي عظم الله شأنها وشوق إلى معرفتها في قوله (وما أدراك ما العقبة)، وهي التي يقتحمها المؤمن اقتحاما، فينال بعمله الصالح ذاك سعادة الدارين”4.

هنا لابد من التمييز بين الاستعمال القرآني لمفهوم الفتنة والاستعمال النبوي. فإذا كنا نجد الفتنة في القرآن الكريم تعني امتحان الإنسان واختباره هل يقتحم العقبة أم لا، فإننا نجدها في الاستعمال النبوي وصفا لواقع العنف والاضطراب الاجتماعي وسفك الدماء الذي سيصيب أمة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، بعده. وهذا مستنبط من الأحاديث الشريفة المخبرة بما سيقع من ذلك بما كسبت أيدي الناس. وعليه، فإن تحرك الدعوة في واقع المسلمين اليوم ينبغي أن يستحضر هذه الدلالات لتتم معالجة هذا الواقع على قواعد نبوية رفيقة وحليمة ومتدرجة، أي بواسطة التوجيه النبوي، وليس بواسطة الانطباعات الشخصية والمبادرات التي تعبر عن ردود فعل أكثر من تعبيرها عن اجتهاد أصيل وعميق.

2-عناصر العقبة: العوائق والموانع.

يتداخل في صياغة طبيعة العقبة ما يتعلق بباطن الإنسان وما هو خارج عن ذاته، لذلك يفتتن الإنسان من داخله إذ تعوقه عن الاقتحام أنانيته وعاداته وذهنياته، كما يمنعه من الاقتحام افتتانه بأخيه الإنسان وبالطبيعة، ويفتنه التسلط والاستكبار والمضايقة في الرزق. هكذا فعملية الاقتحام ليست سهلة ولا تتعلق بالفرد وحده، وإن كانت في جوهرها مرتبطة بحقيقة تطلعه واهتمامه وهمه؛ إنها عمل جماعي محوره الفرد وموضوعه أساسا الفرد من حيث هو عبد مخلوق لله تعالى. لكن العالم من حول الفرد له تأثيراته البليغة في تكوين الإنسان وتربيته وتوجيهه، لذلك وجب توفير الشروط المحيطة بالإنسان لتكون مناسبة لتحقيق أرضية العبودية الكاملة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “فموضوع المؤمن الحر العامل المقتحم للعقبة هو نفسه أولا يحملها على الاعتراف بخالقه وعلى السير في الاتجاه الذي رسمه الشرع الإلهي، ثم عالم الفتنة القائم المشترك بينه و بين الجاهلي والكافر”5.

“…فك الرقبة تحرير للإنسان من العبودية لغير الله عز وجل، إطعام اليتيم والمسكين، تحرير لطاقته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء من إطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماج له في الجماعة ليتحزب لله عز وجل. ثلاث مجالات: المجال النفسي، والمجال الاقتصادي، والمجال السياسي …”6.

في فقرة في كتاب “مقدمات في المنهاج”- وهو كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة، إذ يتقدم من خلاله الأستاذ المؤلف بأهم المفاهيم التي يرى توضيحها وعرض دلالاتها ضروريا ليحصل ذلك التفاهم مع قرائه في زمن هيمنت عليه المنهجيات الصارمة والمفاهيم الدقيقة- عنوانها “الشيطان والإنسان والسلطان” يبين أن عناصر العقبة متداخلة ومتكاملة من حيث الوظائف والعلاقات،” الشيطان له مأوى في داخل كياننا، له عش، له حلفاء. تخبث النفس حين لا تتزكى ولا تتطهر، فيجد الشيطان فيها ركنا ممهدا، أو تنجس بالكفر والنفاق فكلها ظلام وكلها مملكة إبليس…بعد الشيطان فتنة الإنسان بأخيه الإنسان، صدام أنانيات، صدام عادات، صدام ذهنيات، تنافس على الرزق، خصام على المصالح”7. كما يفتن الإنسان كل تسلط خارجي يضايقه في الرزق ويمنعه من حريته. ولذلك بين الله تعالى ضرورة التحزب له لأجل الامتناع الاجتماعي والسياسي إذ “لاحرية للإنسان إلا داخل تضامن اجتماعي يقيه طغيان الفئة المناهضة، أو طغيان الدولة”8.

إن محورية مفهوم العدل بدلالاته القرآنية النبوية تفعل فعلها هنا، إذ العدل في الأرزاق والقضاء، وفي السياسة وتوزيع المسؤوليات وتكافؤ الفرص مطلب منهاجي وهدف غائي لا بد من إقامته. وكل ذلك يستند على قيمة الفقه المنهاجي، إذ “الأحكام التفصيلية باقية على وجهها، أما الفقه الأوسع والتدبر المنهاجي فيبسط أمامنا الفهم الشمولي لأهمية التحريض الإلهي على الاقتحام، ولخطورة العقبة التي بينتها الآيات الكريمة”9.

1 “الإسلام غدا”، 38.

2 “مقدمات في المنهاج”، 45-55.

3 “الإسلام غدا”، 26.

4 مقدمات في المنهاج، 55.

5 الإسلام غدا، 29.

6 مقدمات في المنهاج، 56.

7 مقدمات في المنهاج، 65-66.

8 نفسه، 67.

9 نفسه. 67.