3-أبعاد العقبة وآفاقها.

“أخبرنا الله العليم الحكيم بثلاثة أبعاد هي مجاري العقبة وآفاقها:

1-الرق الذي يستعبد الإنسان فإذا هو رهين بإرادة غير إرادته.

2-العوز الذي يقعد بالمسكين واليتيم، تمنعهم المسغبة والاهتمام بالقوت عن كل خير.

3-الانفراد عن جماعة المؤمنين الذين يتأتى السفر والاقتحام في كنفهم”1.

تبين هذه الأبعاد الثلاثة طبيعة العقبة من حيث ذهاب حرية الإنسان، كما توحي بشروط تحقيق تلك الحرية ووسائلها. ولذلك فواقع الحياة السياسية الاجتماعية عنصر حاسم في توفير شروط الاقتحام،ذلك أن الرق والعوز والانفراد تعبير عن واقع الظلم والحيف الذي يصبح، بعامل الزمن، واقعا مانعا من اكتساب الحرية الحقيقية، مما يفرض على حركة الدعوة أن تتجه بالتفصيل الكافي إلى معالجة الوضع السياسي الاجتماعي على قاعدة: الحرية هي العبودية الكاملة لله وحده.

من هنا تكون أجوبة حركة الدعوة عن الأسئلة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها من الأسئلة مبنية على نظر كلي وشمولي يخول التدقيق السليم في صناعة الأنظمة في مجالات التربية والتعليم والإعلام والاتصال، والسياسة والاقتصاد، وغيرها، على قاعدة: بناء المجتمع الإسلامي النموذجي.

4-مجالات الاقتحام ومستوياته

إذا أدركنا معنى العقبة وقوائمها وأبعادها ظهر لنا أن مجالات الاقتحام هي ثلاثة، كما تمت الإشارة إلى ذلك سلفا: المجال النفسي، والمجال الاقتصادي، والمجال السياسي، أي أن موضوع رسالة الإسلام هو الإنسان في كليته. ولذلك فعمل الدعوة في الميدان هو اقتحام لكل العقبات المانعة من أن يصبح هذا الإنسان عبدا كامل العبودية لله. وهنا تجد الدعوة التحدي المصيري على مستوى التدافع مع الغير على قيادة جماهير الأمة، بل على قيادة الإنسانية، ومن ثمة ف”اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية”2.

إن الانغراس في الواقع تحد حقيقي تجيب عنه قدرة الدعوة على صناعة القوة الإيمانية الدافعة للفرد، وعلى صناعة القوة الاقتصادية والسياسية لتنظيم المجتمع وتسيير دواليب الحكم والإدارة.

فماهو تصور الدعوة في المجال الاقتصادي؟ وما تصورها لتنظيم حركة المجتمع؟ وما تصورها للدولة وموقعها في المجتمع؟ تلك أسئلة، وغيرها كثير، لا يكفي للإجابة عنها الكلام العاطفي المجنح، ولا التقليد الأعمى لمدارس الغرب الباهرة. بل كيف يتم الخروج بالنموذج النبوي، في تنظيم البشرية، في زمن بات العالم فيه قرية واحدة وصراعاته متنوعة ولا حد لها؟

5-دوافع الاقتحام وحوافزه

النداء الإلهي الخالد الموجه إلى الإنسان يبحث في تغيير عمقه، فهو نداء يطلب بواعث وحوافز باطنية ذاتية، ولذلك لا حديث عن الاقتحام في غياب هذه الحوافز والدوافع، ومن ثمة فإن التربية والتعليم الإسلاميين يهدفان، من بين ما يهدفان إليه، إلى بعثهما وإظهارهما في صفاء وتجدد. هنا يكون الحديث عن الهمم والعزائم والإرادات؛ ما نوعها؟ وما سقفها ومداها؟ وكيف تبعث؟

يعرض الأستاذ عبد السلام ياسين، بالوضوح الذي بين به معنى العقبة، البواعث التي يجب أن تفعل في صناعة إرادة المريد المقتحم انسجاما مع الخطاب القرآني النبوي الذي يخاطب أعمق ما في الإنسان وهو حاجته إلى معرفة خالقه والشوق إلى لقائه.

في الفصل الثاني من الجزء الأول من كتاب “الإحسان”،المعنون ب”اقتحام العقبة”، في فقرة معنونة ب”الإرادة والهمة والعزم”، يعرض كلاما مفصلا في الباب مستأنسا بكلام أكابر الأمة الذين عرفوا الطريق إلى الله وحصلوها ونقلوا معاناتها وعقباتها وأشواقها وحاجاتها وشروطها لمن أراد السلوك واستعد للطلب والسعي صادقا:”النداء العلوي يهيب بك يا إنسان باقتحام العقبة، ويستفهمك سائلا لتتيقظ إلى أن هناك عقبة تقتحم، وأن لاقتحامها شروطا (فلا اقتحم العقبة ! وما أدراك ما العقبة؟) استفهام وحض واستنهاض …..”ولله الهمم ما أعجب شأنها، وأشد تفاوتها! فهمة متعلقة بمن فوق العرش، وهمة حائمة حول الأنتان والحش، العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. والخاصة تقول:قيمة المرء ما يطلبه. وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه”3…

“…من أصحاب الحسرة والثبور من لا يجد من إرادته ِرفدا لهبوطها، ولا من همته جهدا لسقوطها. ومن الرجال من تبلغ إرادته توترها ومدها، وتناهض نفسه في ميدان المنافسة قِرنها ونِدّها، وتقتحم همته الأكوان خارقة عقبتها وسدها. اخرق السدود بينك وبين المولى، عسى أنواره لك تجلى.” 4.

هكذا فمعنى العقبة يزداد وضوحا حينما تعلم طبيعة البواعث والدوافع إلى الاقتحام. و يبقى السؤال الكبير هو : كيف تصبح هذه البواعث والحوافز والدوافع واقعا فاعلا عاملا؟ وذلك هو الجواب عن وسائل الاقتحام وماهيتها. لكن”ما السبيل إلى أن تقترن إرادتنا لله والآخرة بالإرادة الجهادية القائمة أسبابها على العمل الدنيوي التصنيعي التكنلوجي التنظيمي؟ مهما نحد عن تربية القرآن وأحضان النبوة نزغ عن الطريق”5.

6-وسائل الاقتحام: وسائل الحرية

غريب أن تكتب في هذا الزمان عن معاني الغيب وموقعها الحقيقي في حياة بني آدم. لكن ما يمنع إن كان ذلك حقا من عند رب العالمين؟ والله الذي خلق، سبحانه، وصف العقبة وبين سبل اقتحامها والغاية من ذلك.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “المنهاج النبوي أجملناه في هذه العبارة “اقتحام العقبة إلى الله عز وجل”. فأول ما نفهمه من العبارة تحرك سالك إلى مسلوك إليه، صعدا وارتقاء، تقرب العبد إلى ربه. فكل ما يصرف العبد عن هذه الوجهة، أو يعرقل هذه الحركة، أو ينسيها أثناء السير، أو يذيبها في الانتشار الفكري والشغل الجماعي، خطر يهدد عملنا بالسطحية، ثم بالغفلة، ثم بالانحراف”6.

نفهم من هذه العبارة أن وسيلة الاقتحام الكلية هي المنهاج النبوي، والمنهاج النبوي هو خصال عشر في اجتهاد الأستاذ مرشد دعوة العدل والإحسان، “ليست إلا المضمون القرآني النبوي لمنهاج اقتحام العقبة”7 وهي تتكون من مجموع سبع وسبعين شعبة،من هذه الخصال العشر ثلاث أمهات هي الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، و”السبعة الباقية مظاهر تطبيقية لمن جمع الخصال الثلاث الأمهات واقتحم الصعوبات الثلاث المقابلة لهن”8.

إن المناسبة هنا تقتضي إثبات أن باب السلوك إلى الله تعالى على الطريقة النبوية إنما هو هذه الخصال الثلاث الأمهات الجامعات. وهي شروط التربية،وإذن فهي وسائل الحرية.

يقول الأستاذ المرشد: “العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد، الذي كانت ثمرته “المعجزة التاريخية” التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير.

“العبرة أن نكتشف خاصية المنهاج التي بها تحول أفراد أنانيون،المحروم المستعبد منهم والسيد القاهر، المستضعفون منهم والملأ المستكبرون جماعة موحدة قوية تحمل هم الجماعة، وتسعى لتحقيق أهداف الجماعة ويموت أفراد لتبقى الجماعة وتعز.

“قل لي كيف أسير، عمليا وعينيا ويوميا، على المنهاج النبوي، كيف تسير الجماعة حزب الله لتجتمع رحمة الإيمان وحكمة الإيمان فتكون الطاقة الدافعة والخبرة الإنجازية الكفيل اجتماعهما بتأهيلنا لاقتحام العقبة. اقتحام وعقبة. عمل إرادي وغلاب إنجازي” 9.

1 مقدمات في المنهاج، 55.

2 مقدمات في المنهاج، 16.

3 ابن القيم في مدارج السالكين 3/147.

4 الإحسان: 1/129. راجع ما بين ص125 وص134.

5 الإحسان، 1/126.

6 مقدمات في المنهاج، 50.

7 الإسلام غدا، 45.

8 نفسه، 44.

9 مقدمات في المنهاج، 34-35.