تمهيـد:

مما ميز دعوة العدل والإحسان عن كثير من المدارس الإسلامية في الدعوة والعمل الإسلامي أن الأستاذ عبد السلام ياسين، ومنذ بداية عمله الدعوي، عرض على الناس- فيما كتبه ونشره تحت عنوان: “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا”- منهاجا للعمل حرص أن يعرض من خلاله أسلوبا للدعوة في الزمان والمكان، ناظرا بعمق إلى القضايا التي يعيشها المسلمون، وإلى مستقبل الإنسانية جمعاء على قاعدة موقع الأمة في مسيرتها التاريخية.

وقد شكل هذا المنهاج الأداة الأساسية في عمل جماعة العدل والإحسان المتوفرة بين يدي جميع الأعضاء والوافدين والمتعاطفين، وغيرهم، مما ساهم بشكل كبير في توضيح الرؤية وتبيان خط العمل وضوابطه ووسائله.

إن هذا الوضوح كان من العوامل الرئيسية في إبعاد أي غموض أو تشويش على أصول العمل ووسائله، فكان عاملا موفقا في شيوع دعوة العدل والإحسان، على الرغم من الحصار الذي صحبها منذ أن كانت. ولذلك لا يمكن معرفة طبيعة عمل هذه الجماعة دون معرفة معنى المنهاج النبوي، وما هي الدلالات التي يحملها هذا المنهاج، لأنه من السهل أن يجتمع عشرة أفراد، مثلا، ويتواطئوا على صياغة وترتيب بعض الضوابط الفكرية والحركية والتنظيمية والهيكلية لحركتهم، سرعان ما تهتز أمام هول الأحداث وعناد الواقع. لكن قيمة المنهاج النبوي تتجلى في عرض القضية الجامعة في كليتها وشمولها اعتمادا على ما قال الله سبحانه وما قال رسوله الكريم،صلى الله عليه وسلم، واستفادةً مما أودعه تعالى في كونه من سنن وآيات بمعيار النظر المنهاجي الناظر بإزاء القرآن الكريم، وهكذا تكون القضية هي المتحركة في الواقع لتؤثر فيه وتغيره وتصنعه، وهي قضية الدعوة على الطريقة النبوية التي تشكل العمود الفقري للتاريخ البشري.

المبحث الأول: معنى المنهاج النبوي.

سبق التذكير بأن أمهات وسائل الاقتحام هي الخصال الثلاث: الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق. كما سبق عرض السؤال المحوري المتعلق بالسر في بناء جماعة المسلمين يومها، وما جعل منها “المعجزة التاريخية” التي غيرت وجهة العالم.

بداية يجب التنبيه، في أثناء التعامل مع كتابات وأعمال الأستاذ عبد السلام ياسين، على مسألة بالغة الأهمية،وهي تداخل ماهو تربوي، بالأساس، وما هو فكري وسياسي وتنظيمي وحركي، وذلك راجع إلى شمولية وأصالة المشروع المجتمعي الدعوي النموذجي الذي يقترحه الأستاذ ياسين لتنظيم الحياة العامة والخاصة لتنتظم على هدى من الله عز وجل. كما أن هذا التداخل يعبر عن قدرة كبيرة في معالجة القضية دون الذهاب مع المعطى الواقعي أيا كانت طبيعته. لذلك إذا أغفل الناظر في ما يكتبه الأستاذ ويصرح به الحقيقة التربوية الإيمانية الجامعة لخطابه سيكون مخلا في عرضه ومناقشته لما يقدمه الأستاذ. ومن هنا وجب تبيان القيمة التربوية الإيمانية للمنهاج النبوي والبحث في ذلك الحبل الناظم لقضية السلوك إلى الله تعالى.

أولا: مطلب الوصال: الصحبة والجماعة.

حقيقة واقعية أن مفهوم الجماعة في الفكر الإسلامي المعاصر يعرف انحرافا خطيرا، وخطورته كامنة بحكم علاقة ذلك بالسلوك. وهذا الانحراف هو نتيجة طبيعية للانحراف الذي أحدثته هزة الانكسار التاريخي المبكر. كما تعتبر سيادة دلالات مفهوم الحركة، الذي أفرز معانيه ظهور الحركات الاجتماعية والتغييرية في الغرب، والتي انتشرت في العالم لمقاومة الاستعمار وبناء الدولة الحديثة، كما تتصور كل حركة الدولة، عاملا مهما في انتشار فهم خاطئ للجماعة لدى العاملين في الحقل الإسلامي، إذ غالبا ما صارت تعني الهيكلة التنظيمية التي تضبطها عناوين ترجع إلى معنى فضفاض للأخلاق وبعض الأعراف التنظيمية.

هذا، وعلى الضفة الأخرى صارت الجماعة هي اتباع شيخ من شيوخ هذه الأمة من رجال الصوفية. وإذا كان الخير واصلا لامحالة بمعيار النية والقصد والعمل الصالح، فإن ذلك غير كاف لإقامة النموذج الدعوي الكامل كما أقامه الرسول ( وعاشه الصحابة رضوان الله عليهم. لذلك نجد، من بين ما نجده من أبواب التجديد والجهاد في اجتهاد الأستاذ عبد السلام ياسين، معالجةَ أصل من أصول الدين حجبته حجب تاريخية ونفسية وفكرية عميقة، إذ ما يمنع الدعوة من أن تجلس بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأخذ من هذا النبع الصافي مباشرة أخذا كاملا؟

*الصحبة باب الدعوة إلى الله عز وجل:

لن نقحم أنفسنا هنا في جدل لا ينتهي حول آثار التخوف من بعض المفاهيم التي أبعدتها عن موقعها الحقيقي في اكتساب العلم وقيام العمل تشوهات تاريخية وفكرية مظروفة، كما لا ينبغي أن تحجبنا هذه التخوفات عن الوقوف على الأسس الحقيقية في البناء والتغيير.

وبداية نسلم أن لا أحد يعلم بحاجة الخلق في باب الإيمان ومعرفة الرحمان إلا هو سبحانه، ولذلك أرسل رسله وبعث أنبياءه للدلالة عليه، ولئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل، كان خاتمهم سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم. وبما أن الأمر كذلك فإنه سبحانه أخبر، وحيا على لسان رسوله (، أنه تعالى هو الذي يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها.

وها قد تمت النعمة واكتملت الرسالة، فمن لنا بحقيقة الإيمان وجوهر الوجود البشري؟

هل يكفي في ذلك هذا التراث الثقيل مما خلفه السلف؟ أم يكفي في ذلك تحصيل كلام الله في الصدور واعتماد بعض كلام الرجال من علماء ومفسرين لاقتباس معانيه وتحصيل جواهره وآياته؟ أم يكفي في ذلك أن نصرخ عاليا أن الباب هو الكتاب والسنة وكفى، دون أن نعرض، وبالتفصيل، الجواب عن سؤال الكيف؟

يعتقد البعض أن صناعة الإنسان المسلم كامنة في توفير بعض القناعات العقلية والصياغات النفسية والعاطفية لصناعة النموذج الدعوي الكامل. كما يعتقد البعض الآخر أن الأمر يكمن في فتح عوالم الوجدان لما تحمله الألفاظ والمفاهيم القرآنية من نورانية تغمر القلب وتشمل الكيان ساعة أو ساعات ثم تعود الأوضاع إلى حالها، فلا تأثير في الواقع في اتجاه التغيير، لأن الأداة التغييرية غير مكتملة حينئذ.

هنا نجد الأستاذ عبد السلام ياسين قد التزم صرامة ووضوحا كبيرين في تبيان هذا الأصل في قضية الإيمان والسلوك إلى الرحمان. ليس اعتمادا على تجربته الشخصية،فقط، وهي ضرورية، بل اعتمادا، أيضا، على فهم شامل وكامل لمعنى المنهاج النبوي.

ويعتبر كتاب “الإحسان” في جزئيه أهم كتاب، من بين كتب الأستاذ، في الباب، إذ يقدم الصورة الكاملة بالتفصيل لما يريد أن يعرضه بالقول والعمل. لذلك يقتضي الأمر الوقوف على بعض من مضامينه في محاولة لتبيان اجتهاد الأستاذ في موضوع السلوك عموما* .

* لقد كتب الأستاذ المرشد كتاب “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا” وعرض من خلاله الخصال العشر وشعب الإيمان السبعة والسبعين، وقد كان عرضا مركزا بما يقتضيه السير التربوي التنظيمي الحركي في تأسيس الجماعة وبنائها. وقد عرض الخصال العشر وشعبها في كتاب الإحسان على شكل فصول، هي بمثابة منازل في سلوك بناء جماعة المسلمين، ويغلب على العرض هنا العمق الإحساني، في الوقت الذي هيمن العمق الإيماني في العرض الأول (أي في كتاب المنهاج النبوي)، وما الأمر إلا مراحل ومراتب وتدرج. والله أعلم.