1-موضوع كتاب “الإحسان”.

بما أن موضوع المنهاج النبوي هو الإنسان، وبما أن كتب الأستاذ عبد السلام ياسين لا يمكن أن تكون إلا منهاجية، فإن موضوع كتاب الإحسان هو الإنسان، لكن ليس أي إنسان، وإنما هو الإنسان الذي يريد أن يقتحم العقبة، أي ذلك الإنسان الذي أسلم وسلم، أسلم وجهه لله وسلم أمره لله، فهو يريد أن يسلك الطريق إلى الله بالعلم والعمل. ومحورية هذا السلوك تتعلق بالفرد المريد الاقتحام، كما تتعلق بعامل التربية والتعليم وبإرادة الجماعة والأمة في بناء نموذج دعوي رائدته الخلافة على منهاج النبوة، التي ليست حلما، بل واقعا أنجز على أرض الواقع بواسطة نماذج من الرجال رباهم الرسول r وعلمهم وزكاهم وقادهم.

2-أصل كتاب “الإحسان”: الرسول المعلم القدوة، والصحابة النموذج.

يحرص الأستاذ عبد السلام ياسين حرصا شديدا- وانسجاما مع حقيقة المنهاج النبوي الذي يلتزم به، بكل تلقائية، في كتاباته وأقواله وكل جزئيات أعماله، وهذا معروف لدى كل من عرف الأستاذ- على أن يضع بين يدي المسلمين النموذج القدوة و المرجعية الأصل من حيث أخذ العلم وتطبيقه فهما وتنفيذا، ومن حيث السلوك الفردي والجماعي علما وعملا، إذ الجديد أنه لا يكتفي بالعرض المجرد، بل عمل على تنزيل ذلك في الواقع وبناء المستقبل. وخلال عملية التنزيل والبناء تظهر قيمة المنهاج النبوي في تحديد أصول العمل وقواعده في صفائها ووضوحها وشموليتها، وفي تحديد مراحل البناء وكيفية تجنب المنزلقات والانحرافات في أدق المراحل وأصعب المواقف.

القدوة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والنموذج الخالد صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، لا يبغي الأستاذ عبد السلام ياسين عن ذلك بديلا ولا محيدا، فكان همه أن يبحث في هذا الأمر ويكتشف كيف تم البناء وتمت التربية وتم التغيير، ليقرر أن أصل الأصول ومصدر العلوم وباب الكريم هو سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، القائل، صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”، والقائل أيضا، صلى الله عليه وسلم: “المرء مع من أحب”.

في فقرة من الجزء الأول من كتاب “الإحسان” عنوانها “محبة الله قطب رحى الدين”، جعل الأستاذ عبد السلام ياسين محور موضوعها الحديثَ القدسي الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه، ولئن أستعاذ بي لأعيدنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته”.

يلح الأستاذ المرشد على الأمر الجامع: محبة الله، فهي قطب رحى الدين. وفي الفقرة التي تليها، و عنوانها: “محبة رسول الله هي العروة الوثقى”، أوضح أن السر في الاتباع الكامل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتفاني في محبته، وقد جعل محورها الآية الكريمة: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول. فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)[آل عمران: 31-32] وقد ساق الأستاذ ياسين في هذه الفقرة كلاما نفيسا في محبته، صلى الله عليه وسلم، منه: “لا فاصل بين حب الله وحب رسول الله وحب أهل بيت رسول الله، وإن تنوعت النعمة، وأعظم نعم الله علينا الرحمة المهداة ،صلى الله عليه وسلم”. ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي”.

محبة الصحابة، رضوان الله عليهم، لله ولرسوله الذي كان قرآنا يمشي بينهم وبين كل الناس لم تفض إلى دفء وتواكل، بل إلى جهاد، فكان ذلك ثمرة تربيته وتعليمه وتزكيته لهم،صلى الله عليه وسلم، فتكونت الجماعة وغيرت بما أراد الله وكيف أراد سبحانه، فتحقق النموذج في الواقع واكتملت الصورة وجُمع القرآن ودُوّنت السنة. والله خير حفظا.

3-وسيلة كتاب ” الإحسان”: الصحبة والسلوك.

هذه من أخطر القضايا التي سكت عنها الفكر الإسلامي المعاصر إذا استثنينا الداعية الشهيد حسن البنا، رحمه ال،له وبعضا من الرجال الذين أخذوا عنه الكثير. وقد ناقش الأستاذ عبد السلام ياسين رجلين تكلما في الموضوع، عن علم وتجربة، في كتاب الإحسان، مناقشة علمية أصيلة وبانية.

نورد هنا مناقشته للأستاذ سعيد حوى، رحمه الله، لأهميتها في الباب، ولكونها تعرض تصور الأستاذ عبد السلام ياسين في مسألة العلاقة المطلوبة بين التربية والحركة، بين التربية والتنظيم، بين التربية والقيادة،بين الدعوة والدولة، بين التجديد والتجدد، بين الصحبة والجماعة& .

فبعد أن عرض تصور الشيخ سعيد في المسألة، والقاضي بتأسيس جمعية تضم الربانيين في تنظيم خاص، وقد وضع الشيخ سعيد لهذه الجمعية قانونا من بضعة وثلاثين بندا، ووضع لوائح تنظيمية لها، وبرامج تعليمية، لتكون هذه الجمعية جامعة يفيء لها الدعاة جميعا ويصدرون عنها وتلفهم ويلتفون حولها1، علق الأستاذ ياسين قائلا: “المشكل صعب عويص. المشكل تربوي نوراني نوعي قلبي، لا تفيد اللوائح الكمية التنظيمية الفكرية فيه. المشكل أساسا هو كيف تجتمع في القيادة، في شخص واحد أو أشخاص، الربانية والكفاءة الجهادية الحركية كما كانت مجتمعة في البنا رحمه الله”2 .

وقد ذكر الأستاذ ياسين هنا الشيخ حسن البنا، رحمه الله، لكون ظله يسيطر على الشيخ سعيد حوى وهو يعالج الموضوع، إذ البنا عنده هو نقطة البداية؛ يقول الشيخ سعيد: “رحلة الأمة المريضة إلى الصحة تبدأ بوجود المجدد ونوابه”. ويعلق الأستاذ ياسين على هذا الكلام بقوله:”ولا يفتأ المؤلف (أي الشيخ سعيد) يؤكد أن البنا هو المجدد، إشارة إلى أن “الوراث” المستحقين للقيادة المؤهلين للتجديد لا بد أن ينبثقوا من الشخص المجدد”. ويضيف: “هذا التصور المغلق لدائرة التربية هو بالضبط ما سمي في اصطلاح القوم بالتبرك. والتبرك غير السلوك. التبرك سجادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس فلما توفاه الله جلس على سجادته “وراث” من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يزاد حرف على “وظيفة” الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق، في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شيء إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله 3.

كيف نؤسس لعملية التجديد والتجدد، وليس فقط تجديدا ينتهي بموت المجدد؟

“إن الله عز وجل وحده يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” كما جاء في الصحيح، يبعثه حيث شاء، ولكل فئة من حزب الله أن تزعم أنها الوارثة لمجددها، تغمض عينها قرونا عما يحدثه الله عز وجل الباعثُ الوارثُ خارج أسوارها ليبقى لها تماسكها ووحدتها. الله سبحانه وحده قادر على أن يعيد ما تفرق من سنة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، لتجتمع الأمة كلها خلف قيادة، في شخص أو أشخاص، في زمن أو أزمان، جامعة للوراثة المحمدية الروحية والجهادية& .نسأله، عزت قدرته، أن يلهم من بعدنا من أحبابه العارفين به وسيلة الجمع، وأن يعطيهم القدرة على سلوك الطريق إليه بهذه الأجيال على منهاج النبوة دعوة ودولة4.

لا بد من إرجاع الأمور إلى مكانها: دعوة ودولة، خلافة على منهاج النبوة&

“من الصحبة وبالصحبة وفضل الله على المومنين بالصحبة يبدأ التغيير. يبدأ التغيير الجذري العميق الانقلابي بتوبة المؤمن والمؤمنة. ينتقلان من الأنانية المرسلة الهائمة، ومن العقلية المنكمشة في سياج ثقافتها أو أميتها، ويتحرران من العادات الممسكة عن الخير، الساكتة عن المنكر لا تنهى عنه، وعن المعروف لا تأمر به، وعن علم الحق لا تتعلمه ولا تعلمه، وعن المعونة لا تبذلها، وعن العمل الصالح لا تتآزر عليه، وعن التمييز الذي أمر المؤمنون أن يتميزوا ليكونوا شامة خلق وسلوك بين الناس، وعن الرفق والتؤدة، وعن الصبر والمصابرة، وعن الجهاد”5 .

1 انظر الإحسان: 1/242.

2 نفسه.

3 نفسه.

4 الإحسان، 2/244، وللمزيد من التفصيل المرجو الاطلاع على ذلك مفصلا في كتاب الإحسان،

الجزء الأول، من ص: 241 إلى ص:247.

5 “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، ص: 99.