إن المطلب المنهاجي الذي يلح عليه الأستاذ عبد السلام ياسي، في سير الدعوة، وفي سير الدعاة لتكوين جماعة المسلمين ورعايتها والحفاظ عليها، هو أن يحصل ذلك الوصال بين الصحبة والجماعة، الوصال الذي تفرق شأنه باكرا، والذي كان مصدر قوة التربية والتغيير والبناء.

هذا الوصال هو التعبير الكامل عن سلامة الجسم في أصوله العملية، إذ يضع نصب عينيه النموذج النبوي. و هو اللحمة الجامعة لجسم الأمة، هو المحضن الكبير الواسع لصناعة الرجال ورعاية عملية التجدد، وضمان وضوح القضية الجامعة ورعايتها حتى لا تلفها أحداث اليوم وهموم اللحظة.

يبرز في خطاب وكتابات كثير من علماء الدعوة وروادها أسئلة عن حقيقة الفراغ الروحي المهيمن على القاعدة العريضة من الشباب الإسلامي المنتظم في هذه الجماعات الإسلامية.

وللأستاذ عبد السلام ياسين اهتمام جوهري بهذه الحقيقة، ليس لأن مطلب السلوك مطلبٌ فردي، فقط، بل لأنه يعني مصير الجماعة والأمة، أي مصير الدعوة في واقع مغر متعدد الاهتمامات، و في مستقبل عريض يعني تدبير شؤون الناس والعالم على هدى من الله عز وجل.

وهذا الاهتمام الجوهري يحتاج إلى تفصيل ينسجم مع كل مرحلة من مراحل الدعوة، إذ كيف الجواب عليه اليوم في ظل تشتت الجماعات وتفرقها، وهيمنة الغموض الكبير على فكر كثير من الدعاة في موضوع السلوك إلى الله تعالى، بما فيه الحاجة الملحة إلى التربية الإيمانية الإحسانية.

بعد أن أعاد الأستاذ ياسين طرح أسئلة الشيخ سعيد رمضان البوطي الخبير بالموضوع؛”كيف السبيل إلى أن أسمو على نفسي وأهوائها في هذه الأزمنة العصيبة وسط هذه المغريات المتأججة؟ كيف السبيل إلى أن أشعر بلذة المناجاة للخالق إذا وقفت بين يديه في صلاة أو جلست أقرأ قرآنا؟ كيف أصنع لأرقي مشاعري إلى الرتبة التي أعبد الله فيها كأني أراه؟ كيف أجعل محبة الله ملء كياني حتى لا أحب سواه؟ وكيف أجعل المخافة منه ملء شعوري حتى يذوب من قلبي الخوف من كل ماعداه”- وبعد أن أكد الحقيقة الساطعة بقوله: “وسواء كان المطلب عاليا سلوكيا أو على مستوى تطهير القلب بالتعبد والتقوى فوجود الشيخ الرباني المربي أو المرشد المتقي حاجة ماسة، يشعر بها الآن العلماء الرواد الداعون لإحياء الربانية، ويعبرون عنها بوضوح”1، وبعد أن أضاف أسئلة مكملة لأسئلة الشيخ البوطي وعميقة تعبر عن نصف الجواب: “ما الجواب العملي عن حاجة الصادقين في إرادة الله والسلوك إليه وعن حاجة المتطهرين طلاب التقوى والاستقامة؟ هناك جماعة منظمة لها ضوابطها وهياكلها وأجهزتها وبرامجها. وهناك خارج الجماعة شيخ رباني. فما العمل؟ أن ينخرط الشيخ في الجماعة أم تنخرط الجماعة كما هي في الشيخ؟ أيؤدي له الأفراد الطالبون البيعة الصوفية أم يؤدي هو للجماعة البيعة الجهادية؟ وإذا تعارضت تعاليم الشيخ مع أوامر الجماعة وبرامجها أنضحي بالتربية ونطرد الطبيب أم نضحي بالجماعة وندعها تتفتت وتندرج في سلك نقابة صوفية أو طرقية موصوفة؟” 2.

قد لا يدرك قيمة هذه الأسئلة من لم يرق فهمه لإدراك قيمة التربية على المنهاج النبوي في سير الدعوة وسلوك العاملين. يقول الأستاذ ياسين: “ليست لدي أجوبة جاهزة عن هذه الأسئلة. وعندما يرتفع مستوى الفهم لهذه القضية الكبرى في صفوف الجماعات وتدرك ضرورة اجتماع الأزمة في يد واحدة لا في أيد متعددة، هناك تنظيم وهناك تربية، تتسع لديها السبيل للجمع بين وظيفتين فلا تجد إلا أن يخضع الظاهر للباطن، أن يتبع التنظيم التربية، أن تكون الدعوة أميرة على الإدارة والدولة. لا يزال تصور العاملين في الجماعات لوظيفتهم الدعوية فيما بينهم وفيما يلي الشعب الظامئ للإسلام تصورا غامضا”3 .

الشرط في استيعاب هذه الحقائق وسر هذه الأسئلة الكبيرة والجوهرية: “الوصلة الصحيحة بين الصحبة والجماعة قيادة ربانية واحدة. فإن ارتفع مستوى الفقه الديني للجماعة حتى تعرف أن الدين إسلام وإيمان وإحسان، وحتى تعرف، ولو بالتسليم والتصديق، معنى المعرفة والكمال والسلوك والولادة القلبية والوجود الثاني والنشأة الأخرى التي يعجلها المولى الكريم لمن يشاء من أحبابه، فعندئذ يكون العارف بالله الكامل هو الشخص الأمثل لقيادة الركب 4.

أصل هذه الحقيقة كامل في النموذج النبوي وفي نموذج الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.

وبما أن هذا الفارق من حيث الزمان ومن حيث الفهم والسلوك، وفي انتظار المرحلة التي يكتمل فيها الفهم ويستقيم السلوك، وهذا من عمل الدعوة وواجب الرجال، ففي رأي الأستاذ ياسين “الخلافة الثانية على منهاج النبوة لن تكون كذلك إلا إن قادها الربانيون”5 . “وفي انتظار أن يفتح الله بالفهم على العاملين نتضرع إليه سبحانه أن ينزل رحمته من خلوات التبتل إلى ميادين الجهاد. في انتظار أن يكون لقران الصحبة والجماعة معنى موصولٌ موحَّد من حياة العاملين ننادي أولياء الله العارفين بالله أن يتوجهوا بجند الله من صادقي المريدين وعامة المسترشدين نحو توحيد الجماعات، فتوحيد الجهد، فتوحيد الأمة في أقطارها ومذاهبها ومدارسها ومشاربها، حتى يكون المشرب محمديا قرآنيا سنيا محررا من كل عالقات عصور الانزواء والخمول والانكماش.

توحيد تربوي يسمو بالكل، لا يضيره التنوع التنظيمي الفكري الاجتهادي المتعدد” 6.

قمة التجديد وقمة اقتحام العقبة، مطالب عالية غالية لا ينهض بها ولها إلا الرجال.

ثانيا:مطلب الرجال.

مهمة الدعوة، وبناء دولة الدعوة، دولة القرآن، ليست هي مهمة بناء دولة الحداثة، وسوق النخاسة، ومؤسسات الترف، ودوس المساكين، ودغدغة عواطفهم بمفاهيم أنتجتها قوة الإمعان والتمادي في القهر والظلم، كمحاربة الفقر ومحاربة التهميش، وكذا محاربة الرجولة والشهامة والقوة واليقين. ولو كان الأمر صناعة نموذج رجل الإدارة تلميذ الحضارة لكان التفريط في التلمذة الكاملة على المدرسة الغربية حماقة وتفاهة وصدا عن الصواب، لكن الأمر أعظم وأكبر وأخطر؛ بناء دولة الخلافة، دولة الوراثة النبوية، يحقق فيها الإنسان آدميته، وكرامته، وعزته، وجوهر وجوده، من حيث مسؤوليته ومخلوقيته.

هل نبغي في ذلك عن رجال الصحابة بديلا؟

تحجبك أشياء الحضارة هذه المحيطة بك من كل مكان وفي كل زمان عن سر وجوهر ذلك الإنسان البسيط في مظهره المتوهج ضياء ونورا بنور القرآن واتباع السيد العدنان، ذلك الصحابي الخليفة وذاك الصحابي المقاتل في بعيد الأرض، ترك وراءه زهرة الحياة الدنيا وملذاتها، وجمع شمله مهتما بالآخرة وحال المستضعفين المقهورين في الأرض، هاجر وجاهد دالا على الله باحثا عن كل ما يقربه إلى مولاه ويرضاه. شده النور المحمدي وعلمه الجهاد في سبيل الله، رفقا ورحمة وعلما وعملا.

اسمع كلام الرجل الذي عرف قدر الرجال في “الإحسان”: “في أي شيء كان الصحابة رضي الله عنهم الذين ورثوا الإيمان، وعلموه قبل القرآن، أوتوه بالصحبة والمحبة؟ وفي أي شيء كان أولياء الله المشايخ الصوفية أهل النور الذين حملوا عصرا بعد عصر وقرنا بعد قرن أمانة الرسل، وسر طب القلوب، وإكسير علاجها، وجرثومة إحيائها؟

كان الصحابة رضي الله عنهم في جهاد الذلة على المومنين والشدة على الكافرين والإنابة لرب العالمين. وانحسر السادة الأماجد النورانيون من بعدهم عن الميدان الجهادي، جلهم لا كلهم، فكانوا أحلاس بيوتهم، فرغوا من الشأن العام ليتفرغوا لشأن التربية الخاص” 7.

(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) [الفتح:29 ]

علو الهمة وسمو الطلب ووضوح الرسالة وإدراك أصولها الأصيلة.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين: ” نرجو من كرم من له الفضل والمنة والرحمة سبحانه أن يتصل مدد السالكين في ما يستقبلنا من زمان بحضرة النبوة فيكون السلوك جهاديا عفويا جامعا مانعا رائعا كما كان في عهد الصحابة وهم في حضن خير البرية صلى الله عليه وسلم”8 .

وتلك من مهمات المنهاج النبوي.

و “الرجال في لغة القرآن هم الجامعون بين خصلتي الصدق والذكر، لقوله تعالى: (من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)[الأحزاب: 23]. وقوله جلت عظمته وتقدست كلمته: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)[النور:36].

هاتان الخصلتان إن ركزتا في فطرة من معدن بشري نفيس كان كمال الاستعداد وتمام الخيرية والرجولة لقوله صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن، خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا)، الحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة 9.

هؤلاء الرجال هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. هم أصحاب الهمم العالية. وقد جعل الأستاذ ياسين من خصلة الذكر ثالثة أمهات الخصال. وقد أفرد الموضوع بكلام نفيس في كل كتبه منها على الخصوص كتاب “الإحسان” في جميع فصوله، وخاصة فصل “الذكر”.

1 الإحسان، 1/249.

2 نفسه.

3 الإحسان، 1/249.

4 نفسه.

5 الإحسان، 1/249

6 نفسه، 251.

7 الإحسان، 1/200.

8 الإحسان، 1/214.

9 الإحسان، 2/493.