عملية التفكير هي العملية التي يقوم بها العقل البشري في تعامله مع قضية من القضايا التي تحتاج إلى توظيف معلومات معينة لاستخلاص نتيجة ذهنية مبنية على تحليل وتركيب. لكن السؤال المطروح: متى تكون هذه العملية متأسسة على الطريقة النبوية في التعامل مع المعلومات التفصيلية في مسألة من المسائل؟

فإذا كان كثير من التصورات والمواقف والسلوكات مبنية على نتائج هذه العملية، فإن الخطورة حاصلة بحكم تنوع ملابسات المعطيات ومصادر اعتمادها، ولذلك كان من أخطر القضايا التي عانى ويعاني منها العقل المسلم هي موقع العقل عموما في قضية الإيمان. هذه الخطورة حاصلة بحكم تأثير ذلك الموقع على الفهم والسلوك الذهني والحركي. وإذا انضافت إلى هذا الانحرافات المتنوعة التي أصابت العقل المسلم عبر تاريخ المسلمين، وتأثيرات الواقع الغربي المهيمن اليوم من خلال نظرياته العلومية التفصيلية وقوته المالية والعسكرية في شتى مناحي الحياة، فإن الخطورة تزداد حدة إذ ستتجلى نتائجها على مستوى نموذج الإنسان والمجتمع الذي يريد المسلمون أن يعرضوه على العالم.

هذا، وإذا علمنا أن تحديد موقع العقل في قضية الإيمان له تأثير على علاقة العبد بالله تعالى والإقبال عليه سبحانه، فإن من واجب الدعوة أن تباشر معالجة عملية التفكير بمستوى عال من الوضوح والتفصيل في زماننا. لذلك نجد الأستاذ عبد السلام ياسين لا يفتأ يثير هذا الموضوع، بل خصص له كتابا عنوانه “محنة العقل المسلم بين سلطان الهوى وسيطرة الوحي”، وهو كتاب، على الرغم من صغر حجمه، فإنه يضع الحديث عن العقل في سياق تلقي الحقيقة الوجودية التي لا يمكن أن يخبر بها إلا الوحي. وهي مهمة الأنبياء والرسل عليهم السلام.

والأستاذ عبد السلام ياسين ينطلق في معالجة هذه المسألة من التمييز بين عقلين، العقل المشترك بين بني البشر وهو الذي سماه بالعقل المعاشي، وفي تعابير أخرى يسميه بالعقل الاصطلاحي، والثاني العقل الخاضع لجلال الله تعالى المتلقي عن الوحي الحقائق التي لا يمكن أن يدركها الإنسان بإعمال مادة العقل المشترك. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه ضروري لتحديد طبيعة العمل الذهني الفكري والنفسي عند رجل الدعوة، إذ يتحدد بشكل واضح مصدر المعرفة والوسائل الكفيلة بنقلها إلى حيز الفعل والتطبيق.

ونجد في كتاب “الإحسان”، الجزء الأول، كلاما دقيقا في الموضوع؛ يقول الأستاذ ياسين في الفصل الرابع “الذكر”، في فقرة “التفكر”:”وللعقل مشاركة في التسبيح والذكر كبيرة، ينظم الحركات الجوارحية في الزمان والمكان والمقدار، ويحرك نسائم القلب ويسجل هباتها خادما ساعيا بين يدي القلب أمينا على تدبير الطاعات وضبط نزوات النفس1.

حين انقطع العقل الغربي عن غيبيات الكنيسة وظلامها جعل من نفسه إلها، وما زكى ذلك هو هذه الكشوفات والاختراعات العلومية التي توصل إليها بعد تخلصه من القبضة الكنيسية. وقد جعل ذلك حرجا شديدا لدى العاملين في الحقل الدعوي. هل يخوضون في تدبير الأمور بلا قواعد غيبية من وحي ربنا يعمل فيها العقل الاصطلاحي عمله الطبيعي، أم يعلنون أن هناك غيباً وأن كفاية العقل الاصطلاحي المشترك بين بني البشر أن يجلس بين يدي الوحي ليعمل عمله كاملا غير منقوص، وقد ينعتون ساعتها بنعوت صنعتها سيادة مفاهيم العقلانية الغربية؟

يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين أن نجاح الدعوة مرتبط بعامل التربية والتعليم على المنهاج النبوي. يقول الأستاذ:”ما تسميه اللغة عقلا آلة ثمينة وجوهر غال، بوجوده يتميز الإنسان عن الحيوان. لكن ما يسميه القرآن عقلا هو اندراج العقل الاصطلاحي في خدمة القلب وتوجهاته إلى الله تعالى”2 . “لا يمكن لنا أن نرجع من اللغو الفكري والسهو الغافل، واللهو بمنجزات الحضارة الوثنية، حضارة الحواس واللذة و”السعادة” الدوابية إلا بتجديد إيماننا تجديدا ينشط في ظله العقل المشترك المنظم المحترم الصانع تحت إمارة القلب، ساعيا بين يديه إلى غاية الإحسان وأهداف العدل3.

وما يميز منهج الأستاذ عبد السلام ياسين في تناوله لهذه المسألة، على الرغم من كونها موضوعا خصبا للجدل والتفلسف، هو النظر العميق دون السقوط في براثين الجدل الكلامي والفلسفي المجرد، بل عالجها من خلال عرض روح الدعوة إلى الله تعالى والكشف عن المنهاج النبوي في البحث والبناء. ولذلك ميز بين التفكير وهو :”نشاط العقل الاصطلاحي في تناول المعطيات الكونية في انقطاع عن كل اعتبار يرجع الأمور إلى الله،4 و التفكر وهو:”تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان، ومصيره بعد الموت، ومخلوقيته، ومسؤوليته في الآخرة. صيغة فعل تفعيلا تفيد انصبابا على العالم الخارجي وفعلا فيه5.

وهكذا فموقع العقل في قضية الإيمان له ارتباطات وتجليات، ليس على مستوى موقع عمله فقط، بل في مضمون عمله واتجاهه، ومن ثمة فإن استقامة الحياة متوقفة على استقامة العقل الاصطلاحي الحاصلة بمعرفة دوره في التنظيم والإبداع والتصنيع بما يخدم حقيقة الوجود البشري: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)[الذاريات: 58]. وهذه الحقيقة موطنها القلب الذي تلقاها عن الخالق بواسطة الوحي الذي بعث الله من أجله رسلا وأنبياء.

“القلب المومن حاسة دقيقة جامعة تصبح آلة لتلقي العلم واستبصار المعلومات واستشفاف المغيبات على غاية من اللطف بعد أن يبرأ القلب من أمراضه في مصحة التربية، وبعد أن تعنى به يد الصحبة، ويصقله الذكر ويكشف الله عز وجل عنه غطاءه، ليجد ما وعد الصادقون بإخلاص النية من قدم الصدق المكتوبة في سابقة علم الله تعالى”.

1 الإحسان،1/304.

2 الإحسان، 1/304-305.

3 نفسه، 308.

4 الإحسان، 305

5 نفسه،