هو إدراك الأمور والمسائل والأشياء على الطريقة النبوية، وهي جعل الشيء في مكانه باعتماد جميع الوسائل المشروعة والحكيمة. وأهم وسيلة في ذلك هو الفهم عن الله، ومن ثمة فالفقه المنهاجي لا ينفك عن التربية الإحسانية، والتربية الإحسانية لا تحصل إلا إن قاد عملية التربية والتغيير المحسنون. وها نحن نجد أنفسنا بحاجة دائمة إلى عملية التجدد لضمان استمرار هيمنة معاني التجديد على عمل حركة الدعوة في الواقع اليومي التفصيلي.

ومن أهم خصائص الفقه المنهاجي أنه فقه جامع لأنه هو:”الذي يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة في علاقاتهما الأولى على عهد تأليف الجماعة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ثم في تطور هذه العلاقات تطورا سريعا على عهد الخلافة الراشدة، ثم في تطورها إلى الفساد والكساد على عهد الملك العاض فالجبري، ثم في الوضع الحالي وقد أصبح للعلمانية والذهنية العلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة في تفكير الحكام وممارساتهم، حتى غطت الدولة على الدعوة تماما، وألجأتها إلى منابر الوعظ المراقب الملجم المدجن أحيانا كثيرة، وإلى ركن “الأحوال الشخصية”، بعيدا عن المجالات الحيوية المدنية والجنائية والاقتصادية والإدارية”1. ثم هو كذلك فقه جامع لأنه “يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة وعلاقاتهما المطلوبة في مراحل البناء، كيف يستعيد رجال الدعوة مراكز القرار حتى يعود السلطان خاضعا للقرآن لا العكس”2

وبهذا فالفقه المنهاجي ليس عملية تجميع للمعلومات على طريقة تراكمية تملأ فراغا ذهنيا وعاطفيا، قد يكون فضوليا، لأن معنى التعاطي مع القضايا والمسائل سيكون ساعتها هو ردود فعل من خلال عمليات ذهنية ونفسية عبر إصدار أحكام لا تعدو أن تكون تكرارا جامدا أو متنطعا يتجسد في عرض المعلومة أو الحكم أو الموقف وإن كان لا ينسجم مع روح التدرج في إنزال أحكام الشريعة الإلهية على واقع الناس المعيش، وبالأحرى بناء مستقبل من حجم بناء الخلافة على منهاج النبوة.

وهكذا نجد عبر تاريخ الإسلام والمسلمين ثلاثة طرق في تحصيل العلم والعلوم والخوض فيها وبها.

الطريقة الأولى: أن يأخذ الشخص الأصول والكليات ثم يخوض بها وعلى ضوئها في تفاصيل العلوم والحياة عبورا إلى الآخرة ، وبها يرتب وينظم، وهذه من خواص الأنبياء والرسل عليهم السلام ومن اتبع سبيلهم في ذلك. وقد عرف تاريخ الإسلام والمسلمين نماذج كثيرة، منها عدد كبير من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون، رضي الله عن الجميع.

فكيف السبيل إلى ذلك وهو الأنسب والأجدر؟

ذلك هو هم المنهاج النبوي.

الطريقة الثانية: أن يأخذ الشخص ويخوض في علوم عصره ويحصلها تحصيلا وافيا، لكن في الأخير يدرك أنه لم يأخذ الأصل الذي يجيب عن أسئلة العمق الإنساني(الصلاة هاهي والخشوع فين هو)، والذي يخول له الخوض في العلوم والحياة على هدى من الله كامل. وقد حصل هذا كثيرا في تاريخ المسلمين. ويبرز النموذج الكبير في ذلك الإمام الغزالي رحمه الله. فقد خاض في علوم عصره حتى أصبح حجة كاملة، ثم أدرك أن أصل الأصول لم يحصل، فهرع، بعد حيرة شديدة3 إلى “مقدم” ليحصله. ثم بعد أن عرف لزم، وعاد إلى العلوم التي كان حجتها ليرتبها وينظمها بما يتناسب مع الأصل الجديد الكلي، فألف كتابه الشهير “إحياء علوم الدين”.

ونجد الأستاذ عبد السلام ياسين يلح على هذه التجربة للعبرة والاعتبار لمن أراد أن يعتبر ويفهم أن أصل الدين لا يمكن أن يؤخذ من بطون الكتب والمؤلفات وإن حصلها كاملة. ثم هو نموذج لمن غرته علومه، وتربع على كرسي الرياسة يخاطب الناس من علياء نفسه ونزواتها، أن طريق العلم الرجال وأنه من أفواههم و بصحبتهم يؤخذ.

الطريقة الثالثة: أن تأخذ وتخوض في علوم النقل والعقل وعلوم العصر بكل تفاصيلها ثم لا تخرج من تمت أبدا، ويخيل لك، وأنت تكتب معلقا أو شارحا أو عاملا لحاشية أو ملخصا أو…، أنك أخذت العلم وحصلته وأصبحت وارثا كاملا لعلم النبوة وفقه الواقع. فكثيرا ما تتربع هذه العلوم على عقل الإنسان ويحجب- وإن وصلته نفحات الإسلام والإيمان من خلال تعامله مع علوم الشريعة وآيات الله في كونه الفسيح- عن المعرفة الحقيقية بالله ليعرف معنى السلوك إليه في هذه الحياة الدنيا فردا وجماعة وأمة وإنسانية سعيا إلى الآخرة، إلى لقاء الله.

فالفقه المنهاجي، بما هو فهم عن الله، يجيب عن أسئلة الواقع ومطالب المستقبل، ولذلك يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:”يجب أن نصنع فكرا مستقبليا يلقي على آفاق هذا القرن الخامس عشر، قرن الإسلام بإذن الله، وما بعده، نور القرآن ونور الهدي النبوي، يلقي على حياة البشر نورا به يميزون ما ينفع في الدنيا والآخرة، وما يضر في الدنيا والآخرة”4 . ولذلك “نريد تغييرا جوهريا يأتي بنيان الفتنة من القواعد، فعلينا أن نكون لا على مستوى العصر الذي تتحكم فيه الجاهلية وقيمها، بل على مستوى مستقبل نقترحه نحن على التاريخ،ونصنعه، ونخترعه على هدى من الله وبإذنه”5.

إن الفقه المنهاجي ليس معلومات وأحكاما ومواقف مجردة متراكمة لا فائدة عملية منها، بل ما هو فقه منهاجي إلا لأنه ينشد ويبحث عن عمل، عن حوافز للعمل، “الضالة التي ينشدها الفقه المنهاجي: أننا نبحث عن عمل، عن حوافز للعمل، عن توجيهه بعد تكوينه وعن تجديد وابتكار علاقات إسلامية تستبدل بها علاقاتنا الجاهلية مع العالم وساكنيه، كل ذلك بحس إسلامي ، ووعي إسلامي، وإرادة إسلامية6.

و”إذا أردنا فقها منهاجيا لغدنا فعلينا أن نعلم من نتوب على يديه كما نعلم كيف تكون التوبة ومم تكون”7.

وها قد عدنا من حيث بدأنا؛ علاقة التربية والسلوك بالفقه المنهاجي، وذلك هو مفتاح الفقه الجامع.

1- نظرات في الفقه والتاريخ، طبعة بيروت، 1990، ص:17.

2- نفسه.

3- أنظر كتابه رحمه الله، “المنقذ من الضلال”.

4- المنهاج النبوي، 26.

5- نفسه.

6- الإسلام غدا، 97.

7- الإسلام غدا، 610.