(…)إن البحث يقتضي هنا أن نقف على المحاور الأساسية لهذا الفقه المنهاجي بغية توجيه النظر في مجمل القضايا التي تعرض على الدعوة في سيرها العام، ذلك أن ما تعج به الساحة الإسلامية من “اجتهادات”، وتنطعات في كثير من الأحيان، معتمدة على وسائل الإعلام والاتصال المتوفرة اليوم، غالبا ما تهيمن عليها الجزئية والتقليد وتصنع فكرا يعتقد أصحابه أنهم في قلب الواقع يغيرون أو عن السنة يدافعون- هذا على مستوى الفهم، أما النية فأمرها إلى الله تعالى- وما هو إلا مجموعة من المعلومات والأحكام لا تعدو أن تملأ فراغا، ولا يمكنها أن تصنع واقعا ولا تاريخا، لأنها لا تصنع رجالا بالمعنى القرآني للرجال.

ويمكن إرجاع محاور الفقه المنهاجي إلى ثلاثة أساسية: فقه الدين، وفقه التاريخ، وفقه الواقع، وعليها تتفرع محاور.

1-فقه الدين.

الله عز وجل لا يعبد عن جهل، سواء في الطاعات الفردية أو الطاعات الجماعية. وفقه الدين يحصل بفقه أصوله وفقه مقاصده.

-فقه أصول الدين: كيف تزيح مخلفات هذا التاريخ الطويل الحاجبة بينك وبين المصدر الكلي سيد الأولين والآخرين، وتأخذ من علم النبوة، وتعلم إلى أين المسير وإلى أين المصير وكيف؟

قلما يطرح الإنسان هذا السؤال في عالم موار يعج بالعلوم وتفاصيلها، وبالأحداث وتبعاتها.

وقد يتبادر إلى الذهن، حين الحديث عن أصول الدين، أن المكتوب أو المقول سيكون ذلك الجدل الكلامي الذي فُرض على كثير من علماء الإسلام الخوض فيه بغية الدفاع عن الدين يومها؛ حديث عن الذات والصفات، وما إلى ذلك من كلام لا يزال يجتره اليوم من يعيش في غير زمانه، أو من له نية مبيتة في نقل خلافات وجدالات انتهت بانتهاء دوافعها وزمانها. وقد يكون الغرض من نقلها بحثا عن الذات المستغربة في ماض عريق عسى تمتد الجذور لتبرر وجودها المكاني والزماني في جغرافية العالم الإسلامي اليوم، فليس ذلك المقصود.

كما صار علم أصول الفقه قواعد عقلية استنباطية تقود المفتي إلى استنباط الحكم المناسب. وتلك منهجية علمية دقيقة نفخر بها على رأس علوم المسلمين مع علم الجرح والتعديل. وقد دافع الأستاذ عبد السلام ياسين عن هذه المنهجية دفاعا علميا1، إذ يحاول البعض أن يهدم هذه المنهجية لينال من أصول الفقه ليعرضها، باسم التجديد، عرض نصوص من نصوص التاريخ وكفى. ولذلك فهذه المنهجية العقلية العلمية ظهرت ونمت واستوت في مجتمع مشبع بالإيمان على يد علماء من رجال الأمة العارفين من أمثال الإمام الشافعي رحمه الله. أما اليوم، وقد غاب ذلك التشبع، وتصدى للأمر غير أهله من ذوي النيات السيئة- إذ الأمر عندهم يكفي فيه تحصيل ثروة أولئك الرجال في العقول والمؤلفات للتصدي لقضايا الأمة والدعوة وتحريفها عن جوهر وجودها- فإن المطلوب عرض هذه الأصول عرضا يليق بتجلي روح الشريعة ومعناها وبجلال الحكم الإلهي في المسألة المعروضة. فلو كان الأمر مجرد عرض مادة علومية على صفحات كتاب للقارئ والباحث لكان أيسر، إذ لا يطلب أكثر من تحقيق وتعليق وطبع، لكن الأمر عملية تجديد شاملة لا تكفي فيها الكفاءة المعرفية في تحصيل المعلومات وجمعها، بل لا بد مع ذلك من الكشف عن الروح التربوية الإيمانية الدعوية خلال التعامل مع المسائل الطالبة للحكم التفصيلي.

ونظرا للموقع الذي كان يحتله العالم في الحركة العامة للمجتمع، ونظرا للواقع المهيمن ساعتها، فقد انحبس في ذهن الأجيال معنى تغلب عليه الجزئية والتفريع حتى أصبحت قواعد جزئية معينة هي الأصول. فمثلا إذا سألت عن أصول الفقه كان الجواب “ميكانيكيا”: هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكذا غيرها من الطرائق التي يعتمدها العلماء في استنباط الحكم والاستدلال عليه. وإذا سألت عن معنى الكتاب والسنة تصدت لك تعريفات حاجبة عن جوهر الوحي وحقيقة النبوة. وإذا سألت عن علم هذه الأصول سردت عليك تحديداتها العريقة العميقة المجردة. وإذا سألت عن تطبيقاتها اكتشفت الشتات والتبعثر بدل الوحدة التي كان يحفظها تشبع المجتمع بالدين وفيض الإيمان العامرة به قلوب العلماء.

فإذا كان علماؤنا الأفاضل مشبعين بروح الإيمان ومدركين معانيه ومقاصده، فإن العرض الأصولي الفقهي التفصيلي اليوم أصبح مفصولا عن اكتشاف أصول الإيمان ووسائله وتوظيفها منزلقا خطيرا قد يهدد مستقبل الدعوة بالتفتت والتشرذم، إذ لما كانت الوسيلة الجامعة واضحة ومعلومة ومدركة وتشتغل في موقعها الطبيعي زمن الصحابة رضي الله عنهم فلم تضر السير العام اختلافات في هذه المسألة أو تلك، لأن قوة الجمع حاصلة بحكم تحكم الأصول التربوية الإيمانية الإحسانية في العملية برمتها. وهذا مطلب منهاجي عظيم الفائدة سواء فيما يتعلق بسير الفرد في سلوكه الفردي أو فيما يتعلق بالسير العام للمجتمع الإسلامي.

وعلى هذا الأساس، فإن ما خلفه السلف الصالح في موضوع أصول الفقه من طرائق جزئية تفصيلية مكسب ثمين وعظيم. فقد كان همهم رحمهم الله أن يجدوا الطريق المناسب في الحفاظ على أحكام الشريعة وتحكمها فيما يعرض عليهم من مسائل. لكن هذا المكسب الثمين هو رهن الإشارة والفائدة إذا استطاعت الدعوة اليوم أن تأخذ من الأصل الكلي: المنهاج النبوي: الشورى والعدل والإحسان، وهذه أمهات مطالب الشريعة الإسلامية اليوم، لتبحث عن الأجوبة الكبرى للقضايا المطروحة على أمة المسلمين اليوم و على الإنسانية جمعاء2.

لننظر في كلام سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان”. كلام جامع.

كيف أوتي الصحابة الإيمان؟

لما جاء القرآن تلقته الصدور وعرفت مقاصده وأحكامه، فكان الحكم ينزل منزله على أرض الإيمان العامرة الفائضة على من حولها من الناس بعد صحبة حاصلة لسيد الأولين والآخرين. انظر فيما “رواه الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح عن أبي إدريس الخولاني قال: (دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا، والناس حوله. فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه. فسألت عنه، فقالوا: هذا معاذ بن جبل. فلما كان الغد هجّرت إليه3، فوجدته قد سبقني في التهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، ثم قلت: والله إني لأحبك في الله !فقال: آلله، فقلت: آلله، فقال: آلله، فقلت: آلله. فأخذ بحبوة ردائي، فجبذني إليه وقال: أبشر فإني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في)4. أولئك وأمثالهم الذين عرفوا أصول الدين ومقاصده فحصلوها وبها عملوا ومنها نهلوا.

-فقه المقاصد: كثرت البحوث في الآونة الأخيرة عن مقاصد الشريعة الإسلامية، يرجع معظمها إلى ما ألفه شيخ المقاصد: الإمام الشاطبي رحمه الله؛ فكل من جاء بعده فمنه يأخذ وإليه يرجع. فقد اجتهد رحمه في البحث المقاصدي اجتهادا وافرا وغزيرا تجسد أساسا في مؤلفه: “الموافقات”،وخصوصا منه كتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية”.

وللأستاذ عبد السلام ياسين وقفات مهمة مع هذا البحث المقاصدي(…)لكن ما يقتضيه المقام هنا أن العرض المقاصدي في البحث عن الحِكم العقلية في قضايا الإيمان وأحكام الشريعة يترتب عليه تحريف خطير في زمن غاب فيه التشبع الإيماني. ولذلك إذا كان العرض المقاصدي مجردا عن سياق التجديد الشامل والكامل فقد يترتب عليه اختلال في توجيه الحُكم وتوجيه الحركة، بل قد يمتد ذلك إلى فهم معنى الدين كلية. والدين: إسلام، إيمان، إحسان. (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) [ الذاريات:58]. معاني العبودية الكاملة لله وحده سبحانه هي روح الدين. ففقه المقاصد ليس عملية عقلية مجردة، مع أهمية التجريد العقلي، لكن ينبغي أن لا يحصل انفصام في ذهن المسلم بين البحث العقلي وبين تجلي المعاني الإيمانية والتشبع بها والتطلع الجهادي الإحساني.

1 انظر “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، صفحات: 44 إلى 55.

2 ينظر في الموضوع كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ”، ففيه كلام جامع، نسأل الله تعالى التوفيق في الرجوع إليه لتفصيل منهاج الأستاذ عبد السلام ياسين في التعامل مع الثروة العلمية التي خلفها السلف الصالح.

3 هجرت: ذهبت وقت الهاجرة، وهو أول وقت صلاة الظهر.

4 الإحسان، 1/197.